سلمان العودة.. من منبر مسجد صغير إلى المظاهرات فالسجون ثم الشاشات

By : أ. د. يوسف القرضاوي

شيخ نجدي متحرر مثير للجدل يخاطب الناس ببساطة 
سلمان العودة.. من منبر مسجد صغير إلى المظاهرات فالسجون ثم الشاشات 
قيادة الرأي وتقلبات العلاقة مع المجتمع والسلطان، تلك هي خلاصة شخصية رجل الدين السعودي المثير للجدل، الشيخ سلمان بن فهد العودة

 

عرفت مدينة بريدة في منطقة القصيم السعودية شيخا بسيطـا لمع اسمه في الثمانينـات، من القـرن العشرين من على منبر أحد المساجد القديمة، فأخذ الناس يتناقلون أخباره، ويحرصون على حضور خطب الجمعـة، الـتي بـرع في إلقائها ارتجالا، متحدثا عـن حيـاة النـاس وهمومهـم، مقدمــا المواعـظ الدينيـة، ومقدما معها نفسه كإصلاحي لا يريـد الخروج على فكر السلـف، ولكنه، في الوقـت ذاته، يحاول أن يكـون جديدا، دون أن يقـع فـي فـخ تملّـق السلطـة.

الشيخ سلمان العودة المولود في العام الذي ولد فيه أسامة بن لادن، ابن جيله وثقافته، الذي تقاطع معه واختلف معه مرارا، في العام 1956، في البصر، على مرمى حجر من بريدة، ودرس في مدارس القصيم وجامعاتها، متخصصا في اللغة العربية، ثم في العلوم الشرعية، وأصبح معيدا يدرّس في الجامعة، أثناء تحضيره لرسالة الماجستير ثم الدكتوراه من كلية أصول الدين في الرياض.

عاصفة الصحراء

عندما وقع الغزو العراقي للكويت، وبدأت التحضيرات لعملية عاصفة الصحراء ومع قدوم القوات الأجنبية إلى منطقة الخليج العربي، بدأ سليمان العودة بجمع توقيعات العلماء ورجال الدين على بيان يرفض أن تطأ أقدام الغزاة من الصليبيين أرض الجزيرة العربية التي جعلها الله أرضا حراما، ونادى بهذا خلال إحدى خطبه في مسجده، الأمر الذي تسبّب في استدعائه من قبل أمير منطقة القصيم.

لكن أتباع العودة وطلابه رفضوا أن يذهب وحده إلى قصر الإمارة، فقرروا الخروج في مظاهرة مؤيّدة له جابت شارع الخبيب العريق، في مدينة بريدة، وصولا إلى بوابة قصر الأمير، حاملين سيارة الشيخ سلمان العودة بأيديهم، وقاموا بخلع بوابة القصر وإدخال العودة مصرين على عدم تركه للأمير، الذي استقبله ثم سمح له بالمغادرة، ولم تمض أيامٌ على ذلك حتى كان سلمان العودة في سجن الحائر قرب مدينة الرياض.

أعجب سلمان العودة بحركة فتح الله كولن في تطوير المجتمع بدلا من ملاحقته دينيا وروج لها في برامجه وخطبه

عندما توفي الشيخ ابن باز طلب سلمان العودة من سجانيه الخروج للصلاة عليه فرفضوا، فقال أحد الذين سجنوا معه: "والله لو كنت خارج السجن لما صليت عليه”، فردّ عليه الشيخ سلمان : "والله إني لأتمنى أن يخلق لي جناحان أطير بهما فأصلي على الشيخ ثمّ أرجع”.

وما يزال العودة في كتاباته ومذكراته وحواراته، يظهر الحنين إلى سجن الحائر الذي يقول إنه قضى فيه وقتا مع أمهات الكتب والمعارف والعلـوم والعزلة، وقد سئل مرة عن سجنه وماذا وجد فيه فقـال: "وجدت شيئـا جميـلا.. جميلا جدّا أتمنى أن لا يعـود”.

خرج العودة من السجن بعد خمس سنوات، ليعيد ترتيب علاقاته، وليظهر في المجتمع نجما من جديد عبر برامج تلفزيونية شهيرة، أبرزها برنامج «حجر الزاوية» على قناة mbc، وهو برنامج رمضاني يومي مباشر، ثم برنامج «الحياة كلمة» الذي عرض على مدار سنوات، في القناة الأقرب إلى العائلة المالكة بالسعودية.

في أثناء تلك السنوات، تحوّل سلمان العودة إلى ظاهرة أكبر من محلية، وانطلق إلى العالمين العربي والإسلامي، حاملا تفكيرا جديدا وصورة جديدة عن الفكر الوهابي، الذي واجه انغلاقا، على مدى ثلاثة قرون، وهجوما عنيفا من التيارات الليبرالية والعلمانية وحتى المتطرفة منها، في الفرق الإسلامية كالشيعة وغيرهم.

رحّبت السلطات السعودية بمشروع العودة، واعتبرته نوعا من ضخ الدماء الجديدة في التيار الديني، يقوم على حضور كاريزمي خاص لشيخ نجدي يخاطب الناس ببساطة، ولا يريد افتعال صدام مع الخيارات السياسية للدولة، ويكتفي بالحديث عن الحياة والعادات والتقاليد ويوميات المجتمع.

يرى العودة أن الثورة بذاتها ليست مطلبا إلا باعتبارها روحا نقدية إصلاحية، وثمة دول حصلت على أنظمة راقية وعادلة دون ثورة

طاف سلمان العودة العالم، متعرفا على تجارب كبيرة للنشاط الإسلامي غير التبشيري- الدعوي، وكرّس وقته لدراسة تلك التجارب والاستفادة منها ونقلها، فكان من أهم ما درسه تجربة حركة فتح الله كولن في تركيا وأنحاء أخرى من العالم، وكيف أنها اهتمت بنقد الحياة وإصلاحها، بدلا من التعالي على المجتمع، وتحدّث طويلا في النافذة التلفزيونية التي فتحت له عن تلك التجربة.

في تلك الفترة تابع العودة حضوره العالمي، فتمّ اختياره ليكون نائب رئيس منظمة النصرة العالمية، والأمين المساعد للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، وعضو مجلس الإفتاء الأوروبي. وأطلق مشروعه "الإسلام اليوم” وهو مؤسسة دينية إعلامية تربوية خيرية، لها العديد من النشاطات والمؤسسات الفرعية، منها موقع ومجلة "الإسلام اليوم” وقناتا "دليل” و”الإسلام اليوم” الفضائيتان، بالإضافة إلى حماسه لكتابة المقالات في الصحافة السعودية المحلية والعربية.

العودة وانطلاق الربيع العربي

مع أواخر العام 2010، ومع انتفاضة الشعب التونسي، بدأ سلمان يغيّر نبرته، وأخذ ينحاز باتجاه تأييد فكرة الثورات، فقررت mbc إيقاف برنامجه، وعن هذا يقول العودة: "أُبلغت بقرار وقف البرنامج دون ذكر الأسباب، ربما كان السبب هو ما جاء في آخر حلقتين عندما تحدّثتُ عن أحداث مصر وتونس، وأن الأسباب إذا توافرت يمكن أن يحدث هذا في أيّ بلد آخر، ودعوتي إلى معالجة الأسباب بجدية وصدق وإيمان وحديثي عن سيول جدّة”.

وأضاف: "إن القرار مرتبط بوزارة الإعلام (السعودية)، وقد أُبلغت بوقفه من القناة”. ولم يكن العودة يعمل بعقد مع القناة التلفزيونية التي تسجّل أعلى نسب المشاهدة في العالم العربي، فقد كان يعمل متطوعا كما يقول: "ليس هناك أيّ عقد، ولم أتقاضَ من القناة قليلا ولا كثيرا؛ المهمّ بالنسبة إليّ الرسالة لا غير”.

منذ تلك اللحظة، بدأت مسيرة العودة في الاضطراب، سواء بعلاقاته مع المحيط، أو من خلال توافقه أو معارضته للسلطات السعودية، وتعليقاته على الأحداث العربية من حوله، حتى تمّ منعه من السفر، مع السماح له بمزاولة كل نشاطاته، وعدم التعرّض إليه.

وحين عزل الجيش المصري الرئيس محمد مرسي في صيف العام 2012، أعلن العودة وقوفه إلى جانب مرسي والإخوان. ويرى العودة أن الثورة بذاتها ليست مطلبا إلا باعتبارها روحا نقدية إصلاحية، وثمَّة دول حصلت على أنظمة راقية وعادلة دون ثورة كما في الحالة الكندية.

شكل سلمان العودة ظاهرة عابرة للحدود، وتضخم إلى درجة أثارت قلق كثيرين من حوله

كثيرا ما يثير العودة الغبار بين الوقت والآخر، بتغريدات وأخبار وظهور يلفت نظر الجمهور الواسع الذي يتلهف لكل ما يصدر عن الشيخ؛ فقد تحدث عن سلمان العودة، عن "رؤيا” غامضة لشخصية مصرية عملت في منصب ملحق عسكري في الخليج، في إشارة إلى وزير الدفاع المصري الفريق عبدالفتاح السيسي، وقال العودة في تغريدته عبر تويتر: "كان ملحقا عسكريا في عاصمة خليجية ورأى رؤيا فسرها له أحد جلسائه قائلا: سيكون لك شأن ببلدك، ردّ الرائي: مستحيل ماحيحصلش! ردّ المعبّر: سيحصل ولن يطول!”

نهضة مختلفة

نشط الشيخ سلمان العودة بهدف تأسيس ملتقى النهضة في بعض العواصم الخليجية والعربية، وسعى إلى إقامة مشروع النهضة العربي كما يقول: "هذا المشروع هو في النطاق الوطني القُطري أولا، وعندي أن الانتماء الخاص لا يلغي العام”.

وعن طبيعة مشروعه يقول العودة: "النهضة روح وفكرة تسري ليغدو الجسد صحيحا، وحين يصحّ البدن لن يصبح ثمّة مشكلة في عارض جزئي، الأساس تصحيح الأفكار ونظام التفكير، وتشجيع المبادرات المعرفية والعملية، على أننا لسنا أمام مشروع يحمله هذا أو ذاك، ولسنا أمام شعار يرفع لوحدة عربية أو إسلامية، ثمة مشاريع عديدة وكثيرة يحسن أن يُفسَح لها المجال لتنهض، وربما تتلاقى يوما.. الحراك العربي بداية، وربيع الثورات قد حرك المياه الراكدة، وربما يحتاج الناس أن يرجعوا إلى برامج موضوعة على الرف منذ زمن بعيد، قد حان وقتها الآن”.

العودة والإخوان المسلمون

يدافع العودة بالقول: "إن جماعة الإخوان المسلمين ليست جماعة إرهابية”. ويضيف: "الإخوان من الجماعات التي فيها اعتدال، ولا أقول إن هذه الجماعة هي منهج الرسول، لأن منهج الرسول أوسع منا جميعا، وإن تحويل القصة إلى بعبع لا تصحّ، أعتز بأني أعرف الكثيـر مـن الإخـوان وتتلمـذت على يـد الكثيرين منهم، ولكنني لست من الإخـوان، بل أنا من المسلمين وليس لديّ أيّ انتمـاء لحـزب ولا لطائفة، حتى وجودي في الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، لا يعني أني من جماعة الإخوان المسلمين ولا يعني أني من نفس تيار القرضاوي”.

لا أقول إن منهج جماعة الإخوان هو منهج الرسول، لأن منهج الرسول أوسع منا جميعا

يتعرض سلمان العودة لهجوم حادّ وعنيف، من قبل عدد من المشايخ ورجال الدين، في بلاده وخارجها، نتيجة آرائه الجريئة التي يراجع نفسه فيها، ويقول إنها تتغيّر بفعل تطوّر وعيه، ولا ينبغي أن تحسب عليه، فهو زار ليبيا والتقى سيف الإسلام القذافي وقال عنه رأيا إيجابيا ما لبث أن تراجع عنه حين انتفض الشعب الليبي ضدّ والده معمر القذافي.

ولم يكن محرجا بالنسبة إليه، حديثه عن الثورة الليبية على قناة الجزيرة واتصال سيف الإسلام به، حين تحدّث عن تاريخ نظام القذافي في ملاحقة الشعب والمعارضين، والتاريخ العنيف والدموي للسلطات الليبية. وقام بنقل شكوى سيف الإسلام عن افتقاره لآلة إعلامية موازية للحرب الإعلامية التي يشنها العالم على طرابلس وزعيمها.

الدعوة إلى الجهاد في سوريا

مؤخرا، وجّه الإعلامي السعودي داود الشريان من على منصة برنامجه النقدي، سهام الاتهام لسلمان العودة بأنه قام مع عدد من المشايخ بدعوة الشباب السعوديين إلى الجهاد في سوريا، في حرب” كافرة” كما سمّاها، مما دفع العودة إلى التهديد بمقاضاته أمام المحاكم.

وردّ العودة على هجوم الشريان عارضا عدة مواد مصورة ومكتوبة تؤكد تحذيره من ذهاب السعوديين للقتال في سوريا، وتوجه إلى الشريان مباشرة بالقول: "أخي داود رأيي منع الذهاب لسوريا أو غيرها وعليك الاعتذار علنا أو الإثبات أو الاستعداد للمحاكمة”.

ويبقى سلمان العودة ظاهرة عبرت حدود بلادها، وقدّمت صورة رجل الدين المتحرّر، مع ارتباطه بجذور صعبة الانفكاك، متسببا في الكثير من الجدل في حياته النشيطة، متمسكا بحرية الشيخ النجدي الذي يعرف كيف يغيّر رأيه حين يتطلب الأمر ذلك.

 

جريدة العريب اللندنية


اترك تعليق