مفتي الديار الليبية.. عالم رباني ووطني غيور وثائر جسور

By : علي محمد الصلابي

الشيخ الدكتور الصادق الغرياني عالم رباني, ووطني غيور وثائر جسور, الشيخ الصادق الغرياني عرفتُه لما كنت طالبًا بالمدينة المنورة على سكانها أفضل السلام وأزكى الصلوات. كان يأتِي برفقة من إخوانه في الله كل عام في رمضان, أذكر منهم عبد الرزاق بوحجر, عبد الرزاق مسلم, وغيرهم.

ونحن طلبة العلم كنَّا نجالسه ونتحدث معه في الحرم المكي ونسأله ويحثنا على إكمال العلم ويقول لنا بلادكم في أشدِّ الحاجة إليكم, وكان يفتي بوجوب رجوع طلبة العلم والدكاترة إلى ليبيا لخدمة الشعب والوطن.

كان في وسط الظلام الدامس في عهد فصل الدين عن الدولة وعن الحياة وفي عهد الاستبداد والدكتاتورية, شمعة وسط الظلام وبحيرة عذبة في وسط صحراء قاحلة.

حاربته الأجهزة الأمنية ومنعته من التدريس في المساجد ومن وسائل الإعلام, واستمرَّ في صموده وصبره في التدريس في الجامعة وانكبَّ على التأليف, وألف في عدة فنون من العلم, واشتهر بخدمته للمذهب المالكي ورفع الله ذكره في الآفاق بين علماء المغرب ولجزائر ومصر والجزيرة وعلماء الأمة.

وقومُه وشعبُه لا يعرفه منهم إلا طلاب العلم لأنَّ المجتمع الجماهيري ((لا يعرف الرموز)).

وفجأة خرج في الفضائية الليبية لأسباب ساقها الله ليس محل تفصيلها هنا, ورأى الناس فيه نور الإيمان, وهيبة العالم ورصانة الفقيه وخشية الله في تبليغ رسالته. رأى الناس في حديث الشيخ الصادق قول الله تعالى:{الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ ۗ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ حَسِيبًا}.

واستمرَّ هذا البرنامج, ثم تدخلت الأيدي الآثمة ومنعت الشيخ من العطاء وأصبح الشيخ مرجعية للفتوى في ليبيا بدون دار للإفتاء وإنَّما قبولاً عظيمًا وضعه الله في نفوس الليبيين.

ومن الإفك المبين والاختلاق العظيم واتهام الناس بالباطل, محاولة ربطه بالنظام السابق, بل كان من أشد المعارضين له بفعله وسلوكه ولم يكن يومًا من الأيام قريبًا من السلطة لا في الأوقاف ولا جمعية الدعوة ولا ليبيا الغد وإنَّما كنت أستشيره في أمر الحوار مع الجماعات الإسلامية داخل السجون, والسعي لتمكين علماء وطلاب العلم في ليبيا للقيام بواجبهم ومساعدة الأسر الليبية المشردة للرجوع إلى بلادهم وزيارة العلماء لليبيا.

واستفدت من نصائحه وإرشادته وكتبه في إنجاح مشروع الحوار لكي يخرج أبناء الليبيين من سجن أبو سليم في ذلك الظرف العصيب, ولم يكن يومًا من الأيام مقتنعًا بأنَّ النظام السابق سيأتي منهم خير أو إصلاح ولكن مع هذا, كان يثمن الخطوات في رفع الظلم عن السجناء وعن الناس ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً.

فكان الشيخ الصادق ما قبل ثورة 17 فبراير بدون منازع كبير علماء ليبيا ولازال. ولو كان سعوديًا لكان من طلائع علماء الجزيرة بأسرها وأخذ وضعه الطبيعي بين نجوم وكواكب علمائها.

ولو كان مصريًا, لأصبح من كبار علمائها ولشدت إليه الرحال لطلب العلم على يديه في جامعاتها العريقة والأزهر الشريف. وهو كذلك لقطاع كبير من الليبيين, الذين عرفوا علمه وفضله ووطنيته وجهاده ونضاله ووقوفه مع الحق ضد الباطل ومساندة الخير ومحاربة الشر ودلالته للناس على الهدى وكشفه لسبل الضلال. وستبقى أعماله في خدمة العلم ومقاومة الاستبداد وفعل الخير في ميزان حسناته بإذن الله تعالى. وستبقى أعماله وآثاره العلمية والفقهية منارة هدى ودلالة لفهم فقه الإسلام للأجيال القادمة فتسفيد من علمه بإذن الله.

أما الذين يحاولون تشويهه بالباطل والافتراء عليه بالظلم ونسبة الأباطيل إليه, ولا يلتمسون عذرًا وإنما يعملون على محاربة العلماء والدعاة بالظلم والإفك المبين فإنّهم سيجدون ذلك في كتاب– {وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا ۚ وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا ۗ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا}.

وقد سجل تاريخ ليبيا الحديث أنَّ أحد علمائها الكبار وهو الشيخ الصادق الغريانِي أفتى بفتوى من الفتاوى الخالدة في هذا البلد انتصر فيها للحق ضد الباطل والعدل ضد الظلم وانحاز للشعب المظلوم لما كان النظام الاستبدادي يزهق في النفوس البريئة ويسفك الدماء بغير حق في بنغازي والبيضاء وفي شرق ليبيا وأن تلك الفتوى أخرجت مئات الألوف من الشعب الليبي في العاصمة الحبيبة طرابلس ومدن الغرب فزلزلت أركان النظام الديكتاتوري ورفعت معنويات الشعب وثواره في شرق البلاد وغربها وجنوبها وشمالها.

لم تكن تلك الفتوى من فنادق الخليج ولا قصور أوروبا ولا من خلف البحار والمحيطات, إنما كانت في وسط العاصمة والنظام في أشد طغيانه.

إنَّ الشيخ الصادق غير معصوم وهو بشر يخطئ ويصيب وكلنا كذلك, وقد اختلفت معه في مسائل اجتهادية في الشأن العام وهو طبيعي في حراك الشعوب والمجتمعات ولكني أشهد لله ثم للتاريخ أنه قمة عالية في العطاء وجبل راسخ في علوم الشريعة وخدم المذهب المالكي خدمة قلَّ نظيرها في العصر الحديث وموسوعته ذات الأربعة مجلدات التي انتشرت في المشارق والمغارب وشهد لها العلماء بالرصانة ورسوخ العلم وجودة التأليف, لا يستغني عنها طالب علم في الفقه المالكي أو الفقه المقارن.

إنَّه بذل الكثير لهذا الوطن, ولا يزايد عليه أحد في وطنيته وغيرته على هذه البلاد وسيادتها.

إنه ثائر حقيقي لا يرضى إلا بنجاح الثورة في تحقيق أهدافها.

وتنطبق على الشيخ الصادق تعريفات أهل العلم للعلماء لما قالوا بأنهم:

- العارفون بشرع الله.

- المتفقهون بدينهم.

- العاملون بعلمهم على هدى وبصيرة.

- الذين وهبهم الله الحكمة؛{وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ}.

- العلماء هم فقهاء الإسلام ومن دارت الفتية على أقوالهم بين الأنام الذين خصوا باستنباط الأحكام وعنوا بضبط قواعد الحلال والحرام.

- العلماء هم أئمة الدين, الذين نالوا هذه المنزلة العظيمة بالاجتهاد واليقين, قال تعالى:{وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ}.

إن الحرب الممنهجة ضد العلماء العاملين في هذه الأمة قديمة ومستمرة فأعداء الأمة والشعوب المسلمة أيقنوا أن من أسباب قوة الشعوب المسلمة التفافهم حول علمائهم وقياداتهم لذلك شنوا هجومًا عظيمًا من أجل زعزعة ثقة الشعوب في علمائها وقادتها, واستعملوا أساليب متنوعة للتشويه وللطعن فيهم؛ لأنَّ العلماء هم الوصلة بين الأمة وقرءانها وسنة نبيها صلى الله عليه وسلم. وقد لاحظ الاستعمار الحديث ذلك وما الثورات التي تصدت للاستعمار في القرنين الماضيين إلا بقيادة العلماء والقادة الربانين من المغرب إلى المشرق في ديار المسلمين. ولذلك قام أعداء الإسلام في العقود الماضية بتشويه القادة والعلماء بواسطة المسرح والتلفاز والمجلة والجريدة والغناء وكل وسائل الإعلام المتاحة. ولازال هذا الكيد مستمرًا وسنة الله ماضية. وإذا أردت أن تعرف مخططاتهم ابتداءً من العقود الماضية فلتراجع كتاب حسني عثمان (المشايخ والاستعمار).

إنَّ الذين يعملون على تشويه وإسقاط مفتي الديار الليبية وإزالته من ديار الإفتاء, نسوا بأن الرافع هو الله والخافض هو الله والمعز هو الله والمذل هو الله, وأنَّ المناصب الرسمية لا تزيد ولا تنقص في أقدار العلماء الربانين والوطنيين الغيورين والثوار الجسورين.

إنني أحترم كل مواطن ومواطنة وأعترف بحقهم بالاختلاف في آرائهم وأفكارهم مع الآخرين ومع مفتي الديار الليبية, ولكنني ضد استخدام الألفاظ الشنيعة والنابية والتجريح بالباطل فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول : (أحاسنكم أخلاقًا, أقربكم مني مجلسًا يوم القيامة) والله يقول : {وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا}.

أتمنى من أبناء وطني وأهلي وأخوتي في الدين وشركاء الوطن ومن يؤمن بالمبادئ الإنسانية الرفيعة كالحرية والمساواة والعدالة والكرامة البشرية, أن نرتقي جميعًا في أدب الحوار وفقه النقد للأفراد والأحزاب والأفكار فالنقد البناء القائم على الدليل والحجة والبرهان من أسباب تقدم الشعوب, والسباب والشتائم والأخلاق البذيئة والاتهامات بالباطل وعدم التثبت بالأقوال صفات سالبة في المجتمعات التي تسعى إلى النهوض والرقي الحضاري.

حفظ الله بلادنا وشعبنا وقادتنا وعلمائنا ودل الله الجميع على الصواب وأصلح ذات بيننا وهدانا سبل السلام. قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} صدق الله العظيم.


اترك تعليق