من الأهداف الخمسة للقران الكريم والسنة: إصلاح ما في الداخل

By : أ. د. علي القره داغي

 

إذا نظرنا الى حال أمتنا الإسلامية اليوم، هذه الأمة العظيمة، التي أكرمها الله سبحانه وتعالى بهذه الرسالة الخالدة، التي هي القرآن الكريم، وبهذا الرسول العظيم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، الذي ترك لنا هذه السنة الغراء المباركة، التي سار على طريق واضح ومستقيم، ومع ذلك فإن أمتنا الإسلامية اليوم حينما ننظر إلى أحوالها، وما يحدث لها، وما يتصرفه البعض، تخرج من دائرة الإنسانية في بعض الأحيان، ناهيك عن الدائرة الإسلامية التي أرادها الله سبحانه وتعالى لهذه الأمة، خير أمة أخرجت للناس.


حينما ننظر إلى بعض القلوب السوداء، السيئة، التي تتعامل مع الآخرين بالحقد الأسود، وبحيث يكون هذا الحقد يعمي الأبصار، ويعمي القلوب، ولا يرى إلا ما فيه مصلحته، ولا يرى شيئا آخر، كما رأينا في مصر وسوريا وفي غيرها من البلاد الإسلامية .


نحتاج إلى إعادة النظر في وسائل تربيتنا، وفي وسائل تعليمنا، وفيما قمنا به من التربية، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغير ذلك، فلابد من مراجعة شاملة, عن أسباب عدم تحقق النتائج المرجوة بأن تكون هذه الأمة كما يريدها الله سبحانه وتعالى.


صحيح ان هناك جهوداً كبيرة من خلال أعداء الإسلام من الصهاينة والصليبيين وغيرهم، ولكن هذه الجهود مهما كانت لن تستطيع أن تؤثر في هذه الأمة، إذا كانت الأمة في حد ذاتها صالحة ومصلحة، كما قال القرآن الكريم في أكثر من آية إن الشيطان، سواء كان شيطان الإنس، أو شيطان الجن، ليس له هيمنة، وليس له غلبة، وليس له قوة ولا قدرة على العباد الصالحين المخلصين.


من هنا تأتي دور التربية الإسلامية التي يبدأ من الوالدين، ويبدأ كذلك من خلال الروضة والمدرسة و الجامعة، ووسائل الإعلام، في صياغة الإنسان المسلم وعقليته، وفي صياغة داخله وخارجه.


ولذلك أولى الإسلام عناية منقطعة النظير بإصلاح هذ الإنسان، فهو قطب الرحى ، الذي أعطاه الله القدرة على فعل ما يشاء مادام ذلك في ظل إرادة الله ومشيئته، ولأنه إذا صلح هذا الإنسان فقد صلحت الأسرة والجماعة والأمة والكون، وأصبح الناس في راحة وخير. 
ولذلك نرى القرآن الكريم يتحدث عن صلاح الإنسان وإصلاحه في أكثر من مئة وثمانين آية، ويتحدث كذلك عن خطورة فساد الداخل والخارج لهذا الإنسان في أكثر من خمسين آية، بل إن القرآن الكريم كله في حقيقته، والسنة النبوية كلها في حقيقتها، يدوران حول إصلاح هذا الإنسان، حتى يقوم بالعمل الصالح، ثم يصلح ما حوله من الإنسان، ويصلح ما حوله من البيئة.


أهداف القرآن الكريم والسنة النبوية المشرفة خمسة أمور أساسية، تعتبر من أهم المؤثرات لتكوية شخصية الإنسان، الشخصية التي يريدها الله سبحانه وتعالى؛ لتكون صالحة ومصلحة؛ لتكون قادرة على تحقيق الحضارة، وتوصيل الرحمة للعالمين، اقتداء برسول هذه الأمة الذي جعله الله رحمة للعالمين.


هذه الأهداف الخمسة الأساسية هي صلاح الإنسان من الداخل، ثم العمل الصالح الذي يخرج من هذا الداخل، والذي ينبثق منه كما ينبثق النور من الكهرباء، ثم بعد ذلك بإصلاح الفساد، لأن هناك بعض الأشياء لا ينفع معه الصلاح فقط، وإنما لا بد من الإصلاح، ولا ينفع معه التوبة فقط، وإنما لا بد مع التوبة أن يكون معه الإصلاح، ولذلك نجد في القرآن أن بعض التصرفات التي تتعلق بحقوق الإنسان لن ينفع معه الصلاح وإنما لابد من إصلاح ما أفسده، حينئذ نحتاج إلى هدف ومقصد رابع من مقاصد الشريعة وهو إصلاح من حولك من الإنسان، لأن الإنسان مكلف بهذا الإصلاح، وحتى هو لن يستطيع أن يعيش صالحاً وحوله الفسدة و المفسدون، لأن الإنسان مدني بالطبع يتأثر بمحيطه ويتأثر بداخله وبأسرته وبرفقائه ومجتمعه وأمته، فمن هنا يجب أن يقوم بعملية الإصلاح من خلال النصيحة، ومن خلال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم تتجاوز هذه الأهداف والغايات والمقاصد إلى أمر خامس وهو إصلاح ما حوله من البيئة.


هذه الأهداف الخمسة تبناها القرآن الكريم بوضوح، واليوم نتحدث عن هدف واحد من هذه الأهداف الخمسة، وهو صلاح الداخل، وهو الأساس لكل ما يحدث، والمقصود بالداخل كل ما يشمل باطن الإنسان، والنفس الإنسانية، ويشمل القلب والعقل والروح، وهذه المصطلحات الأربعة التي استعملها القرآن الكريم ليست مترادفة كما يظن البعض، وإنما لكل واحد منها معناه الخاص، ولكنها من المصطلحات التي قال عنها العلماء: إذا اجتمعت تفرقت، وإذا تفرقت اجتمعت، مثل الإسلام والإيمان إذا ذكر الإسلام والإيمان معاً، كما في حديث جبريل حينما سأله عن الإسلام والإيمان فإن الإيمان يقصد به التصديق فقط والإسلام يقصد به الأعمال الظاهرة، ولكن إذا انفرد الإسلام وقلنا "إن الإسلام"، وكذلك إذا قلنا "إن الإيمان"، أو "الذين آمنوا"، فيقصد به الإيمان والإسلام. كذلك النفس والعقل والروح والقلب، هذه المصطلحات الأربعة، إذا اجتمعت يراد من كل واحد معناه الخاص، وهذا ما نحن نريده، وإذا تفرقت بحيث إذا قلنا"إن النفس" فيقصد به كل ما في الداخل من النفس والقلب والروح.


صلاح هذا الداخل هو الإساس للصلاح ما في الخارج، هو صلاح لقدرة الإنسان أن يكون قادراً على الإصلاح، لأن فاقد الشيء لا يعطيه، فإذا كانت نفسك فاسدة غير صالحة فحينئذ لن ينفع الصلاح، وإنما العمل الصالح يكون عملاً ظاهرياً، بل قد يشوبه الرياء، ويشوبه النفاق وحب التظاهر، لأن الأساس هو ما في هذا الداخل، ولذلك ركز القرآن الكريم لإصلاح هذا الداخل على التقوى.


لا يوجد عمل صالح إلا ولابد أن يسبقه التقوى، ففي كل أنشطة الإنسان يركز القرآن أن يكون المنبع نظيفاً، فإذا لم يكن منبع الماء نظيفاً لن يكون الماء نظيفاً مهما كان حجم الماء، وهكذا الإنسان، إذا لم يكن داخله سليماً ستظهر مساوئه، كما نرى في مصر، فأغلب الذين قاموا بالمذبحة في رابعة العدوية هم مسلمون ومصريون ومن الإنسان، فكيف يقبل الإنسان أن يقتل أخاه وهو غير مسلح؟ وهو جريح في الخيام؟ وتأتي الجرافات لجمع الجثث والجثامين والجرحى وحرقها!!


هذه القضايا تحتاج إلى دراسات نفسية وإجتماعية وسياسية عميقة لتحليل هذه الظاهرة، كيف يوصل بالإنسان إلى هذه المرحلة؟ حتى الوحوش الكاسرة تقتل لتأكل ولكن ليس بهذه الصورة، نحن نحتاج إلى دراسة هذا الحقد الداخلي لهؤلاء الليبراليين كما يدعون عن أنفسهم، وهو يتكلمون في خمسين سنة عن الديمقراطية والحرية، ولما جاءت الديمقراطية لم يصبروا عليها؛ لأن الإسلاميين نجحوا فيها، ولم يتحملوا، فلماذا هذه الكراهية للإسلام؟ ولماذا هذه الكراهية لفئة معينة تحمل الإسلام؟ فهؤلاء لم يضربوا، ولم يقتلوا، ومعروفون بالوسطية ولم تتلطخ أيديهم بالدماء.


في اعتقادي أن هذه الكراهية من بقايا آثار الاستعمار، فهم يعلمون أن هذه الأمة لن يجمعها إلا الإسلام، وهذا هو التاريخ، فما جمعتنا القومية، بل فرقت العرب إلى أشكال وألوان وحروب طاحنة، واحتلال البعض منها إن الإسلام هو الذي يعيد للشعب إرادته وقوته وكرامته، هو الإسلام الذي جربناه، ونجح فينا، ونجحنا معه، لذلك هم يشغلوننا بكل الوسائل لكراهية هذا المشروع.


فلما كانوا محتلين كانوا ينفذون مخططاتهم بأيديهم، وكانوا أرحم، لأنهم مهما كانوا كان لديهم بعض القيم الإنسانية، ولكنهم استطاعوا أن ينشئوا جيلاً أفقدوه القيم الإسلامية، ثم فقدوا بعد ذلك القيم الإنسانية التي فطر الله الناس عليها، فرضوا بالإذلال الذي هو مخالف للطبع الإنساني.


لن نجد في غير العالم الإسلامي من الدكتاتورية والاستبداد، ومن الإذلال بهذه الصورة المشينة،  فهكذا  يحدث في تونس، ويحدث في العراق، وإن كان في العراق يحدث بصفة طائفية، لكن الوحشية الكاسرة هي نفسها، وحتى العالم الوثني وصل إلى عالم من الاستقرار ما لم نصله نحن بعد.


نحتاج أن نعيد النظر في برامجنا، وفي تربيتنا، وفي خطبنا، وفي وسائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونرجعهما إلى الإصلاح لهذا الداخل، ويجب أن نأخذ الإسلام بشموليته، ويجب أن نعلم أن الآيات والأحاديث التي وردت عن المغفرة هي في إطار شامل تشمل كل الإسلام، ولا يمكن أن نجزأ آية أو حديثاً، فقد يظن البعض أن العبادة في ليلة القدر تكفيهم عن كل ما فعلوا بعدها أو قبلها، ولكن الصحيح أن ليلة القدر تكفي لمن لم يرتكب الكبائر بنص القرآن (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم)، أما من قتل وذبح وآذى وأذل وأخذ أموال الناس فلا تنفعها هذه الأشياء، حتى لو نفعته تنفعه جزءاً، ولكن لن تجعله صفحة بيضاء، فالأولى بالوعاظ والخطباء أن يرسخوا مبدأ{  إن الإسلام كلٌ لا يتجزأ، وأن حقوق العباد مقدمة على حقوق الله سبحانه وتعالى، وأن المغفرة هي لحقوق الله وليس لحقوق العباد }، ولا يتركوا الحبل على غاربه لكل من يقترف كبيرة من الكبائر، ثم يقال له: إنك ستدخل جنة ربك حين تقوم ليلة القدر وتصوم نهارها، وحتى الشهيد لن يعفى من دَينه -حسب الأحاديث الصحيحة -إلا أن يرد الدَين، وإلا فأمره مفوض إلى الله سبحانه وتعالى، والرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن يصلي على صحابته الذين ضحوا في سبيل الله إذا كان على أحدهم دَين.


لما يتحدث القرآن الكريم عن حقوق العباد لا يقول ( إلا الذين تابوا من بعد ذلك وصلح ) بل يقول ( إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا )، إذا كانت الحقوق في حق العباد فلن يكفي الصلاح فقط وإنما لا بد من إصلاح ما أفسده، فإذا كان عليك دين يجب أن تقضيه، وإذا اغتبت الناس يجب أن تستعفيهم وتستبرأ، كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم قبل موته، طلب من كل من كان له حق أن يطالبه قبل أن يموت، وهو رسول الله، ولم يظلم أحداً، حتى يكون قدوة لنا.


لذلك الصلاح مهم جداً، هذا الأمر الداخلي، القلب المرتبط بالله، وهذه النفس الراضية المطمئنة التي تصل بالله سبحانه وتعالى، هي الأساس الذي يبنى عليه،  وهذا الصلاح الداخلي يبدأ بالجانب العقدي، فالمطلوب من الفرد أن تكون العقيدة صحيحة ومؤثرة، وليست مجرد كلام وشكليات، وتجعل من الإنسان كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: { أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك }، وفي رواية{ أن تخشى الله }، وفي رواية أخرى {  أن تعمل لله }، وهذا دليل على أن المقصود ليست العبادة فقط، وإنما كل نشاط وعمل، وأن تحس بأن الله معك في كل نشاط، ولا تحصر مراقبة الله في المسجد فقط، وإنما قدرة الله ورقابته لابد أن تتجاوز الكون كله، وهو معكم أينما كنتم.


هل نصل إلى هذه المرحلة؟ وهل يتحقق عندنا التقوى بحيث نخاف الله ونتقيه؟ بحيث لا نتصرف ولا نقدم على شيء إلا بالتقوى ؟ إذا صلحت عندنا العقيدة صلح كل شيءعندنا، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم ( إن في الجسد مضغة إذا صلُحت صلُح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب).

 

من باب الإحساس بإخواننا المسلمين في كل مكان، وهذا هو المطلوب، لأنه لن يتم إيماننا إلا بهذا الشعور، الجسد الواحد إذا اشتكي منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.


أنا أعلم، وأحس أنكم تألمتم وتتألمون لما يحدث في مصر، وكذلك ما يحدث في سوريا، وأخوف ما نخاف منه مما حدث في مصر أن تستغل من قبل أعداء الإسلام لإثارة الفتنة، على رغم أن المتظاهرين لازالوا وسيظلون إن شاء الله يعلنون أنهم ضد العنف والإرهاب، وهذا ما صدرت منهم حتى بعد الانفجار الأخير في مصر، فالجميع رفضوا هذا العمل؛ لأنه مخالف لمبادئهم، ومنهم الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، فقد ندد  الاتحاد العملية لأنه قد يؤدي إلى حرب أهلية، ونحن يهمنا ألا تصل مصر إلى ما وصلت إليه الجزائر من حرب أهلية، قُتل فيها أكثر من 250000 شاب وبدون نتيجة.


لذلك العلاج ـ كما قلنا ونقول ـ: أن تعود هذه الحكومة إلى رشدها، وأن تعيد الشرعية إلى أهلها، وبعد ذلك تبدأ المصالحة الشاملة بين الجميع، وليس هناك حل آخر، فأعداء الإسلام لا يريدون خيراً لمصر.


وما وصل الحال في سوريا، فهل يمكن لحكومة تدعي أنها حكومة ولها شعب أن تستعمل أسلحة الدمار الشامل ضد الأطفال والنساء والشيوخ، فما ذنبهم؟ (وإذا الموءدة سئلت بأي ذنب قتلت)، ولذك ندعو الله أن يكتب لإخواننا في سوريا الخير.


وفي ظل هذه المعمعة الكبيرة نُسيت قضية فلسطين، وما يفعله اليهود في القدس الشريف، فقد اقتحم المجرمون باحات الأقصى،  وأرادوا أن ينجسوا هذه الأرض الطاهرة، والعالم ساكت ومشغول بتآمرنا فيما بيننا، وبضرب بعضنا ببعض.


 يمر العالم الإسلامي ــ والله أعلم ــ بأسوء مرحلة على مر 1400 سنة، والحكام يتحملون الجزء الأكبر من هذه المسؤولية أمام الله سبحانه وتعالى، وأقصد بالحكام: الذين يتآمرون، ولا يفكرون إلا في مناصبهم وكراسيهم، وأما الذين يكونون مع الحق فسوف يحميهم الله سبحانه وتعالى بفضله. 


اترك تعليق