قاسم سليماني.. قائد الظل (1 ـ 3)

By : أ. د. يوسف القرضاوي

سارق الماعز" يقود حرب الأسد.. في سوريا
نشرت صحيفة "نيويوركر" الأميركية تحقيقاً مطولاً أجراه الصحافي ديكستر فيلكينز عن قائد "فيلق القدس" في حرس الثورة الإيراني الجنرال قاسم سليماني، وصفه بأنه القائد الفعلي في الظل للحرب الدائرة في سوريا، حيث يتخذ مركزاً لقيادة عملياته التي ينفّذها الحرس الثوري بمساعدة "حزب الله" اللبناني وميليشيات شيعية عراقية قام سليماني بتجنيدها شخصياً لخوض القتال في سوريا دفاعاً عن نظام بشار الأسد. ويتناول التحقيق سيرة سليماني وبداياته منذ انضمامه إلى الحرس الثوري أثناء الحرب الإيرانية _ العراقية، وصولاً إلى توليه قيادة "فيلق القدس" الذي يقوم وفقاً للكاتب بتنفيذ "سياسة الجمهورية الإسلامية في إيران الخارجية" وبتوجيه مباشر من المرشد الأعلى للثورة السيد علي خامنئي. وقد أطلقت عليه الإذاعة الإيرانية لقب "سارق الماعز" لأنه كان حين "يعود من مهمة استطلاع خلف خطوط العدو العراقي كان يجلب معه عنزة يقوم جنوده بذبحها وشيّها".


وتنشر صحيفة "المستقبل" الترجمة الحرفية للتحقيق كما ورد على موقع الصحيفة الإلكتروني على ثلاث حلقات متتالية ابتداء من اليوم:
ترجمة: صلاح تقي الدين

أدار معركة القصير شخصياً واعتبر أن الجيش السوري لا ينفع شيئاً

في الشهر الماضي، عقد أكثر القادة الإيرانيين نفوذاً اجتماعاً في مسجد "أمير المؤمنين" في شمال شرقي طهران، داخل مجمّع مسيّج خاص بكبار ضباط الحرس الثوري الإيراني. لقد كانت المناسبة تقديم التعازي بحسن الشاطري، المخضرم في شؤون الحروب السرية التي خاضتها إيران في الشرق الأوسط وجنوب آسيا، وأحد كبار قادة "فيلق القدس" الذي قتل. وهذا الفيلق هو الأداة "الحادة" التنفيذية للسياسة الإيرانية الخارجية، وتماثل بشكل كبير مزيجاً من وكالة الاستخبارات المركزية (السي آي أيه) والقوات الخاصة الأميركية؛ ويحمل الفيلق اسم مدينة القدس التي وعد عناصره بتحريرها. ومنذ العام 1979، كان هدف الفيلق تدمير أعداء إيران وتوسيع نفوذ الدولة في انحاء الشرق الأوسط. لقد أمضى الشاطري معظم خدمته في الفيلق خارج إيران في أفغانستان أولاً، ومن ثم في العراق، حيث ساعد "فيلق القدس" الميليشيات الشيعية على قتل الجنود الأميركيين.
وكان الشاطري قتل قبل يومين على الطريق الذي يربط العاصمة السورية دمشق بالعاصمة اللبنانية بيروت؟ لقد توجه إلى سوريا إلى جانب آلاف العناصر من الفيلق لإنقاذ الرئيس السوري المحاصر بشار الأسد، الحليف الحيوي لإيران. وفي السنوات القليلة الماضية، عمل الشاطري تحت اسم مستعار كرئيس لفيلق القدس في لبنان حيث ساعد على تعزيز "حزب الله" المسلّح، والذي كان أثناء جنازة الشاطري بدأ بإرسال مقاتليه إلى سوريا للمحاربة إلى جانب النظام. لا تزال ظروف وفاة الشاطري مجهولة، غير أن أحد المسؤولين الإيرانيين قال إن الشاطري تعرّض "لاستهداف مباشر من قبل النظام الصهيوني" وهي الصفة التي يستعملها الإيرانيون عادة في الإشارة إلى إسرائيل.


وأثناء الجنازة، كان بعض المشيعين يبكون، والبعض الآخر يلطم صدره على الطريقة الشيعية. لقد لفّ نعش الشاطري بعلم إيران، والتف حوله قائد الحرس الثوري، وأحد عناصر المؤامرة لاغتيال أربعة من قادة المعارضة الإيرانية في المنفى، في أحد مطاعم العاصمة الألمانية برلين في العام 1992، ووالد عماد مغنية، أحد قادة "حزب الله" الذي يعتقد أنه مسؤول عن التفجيرات التي أدت إلى مقتل أكثر من 250 جندياً أميركياً في بيروت في العام 1983. واغتيل مغنية في العام 2008 كما يزعم على يد عملاء إسرائيليين. وبحسب روح الثورة الإيرانية، أن تموت يعني أنك خدمت. وقبل مأتم الشاطري، أصدر القائد الأعلى للثورة الإيرانية السيد علي خامنئي بيان نعي قال فيه "في النهاية، لقد شرب العصير اللذيذ للاستشهاد".


وفي الصف الثاني على أرضية المسجد المفروشة بالسجاد، كان الجنرال قاسم سليماني قائد "فيلق القدس" راكعاً: رجل صغير الحجم في السادسة والخمسين من العمر، مع شعر فضي اللون، ولحية مشذّبة قصيرة وصاحب نظرة تنمّ عن ثقة كاملة بالنفس. لقد كان سليماني هو من أرسل الشاطري، صديقه القديم الموثوق، إلى الموت. وبصفتهما قائدان من حرس الثورة، لقد انتمى سليماني والشاطري إلى أخوية صغيرة تم تشكيلها خلال الثورة المقدّسة، وهو الاسم الذي أطلق على الحرب الإيرانية ـ العراقية التي استمرت بين 1980 و 1988 وخلّفت ما يقارب المليون قتيل. لقد كانت معركة كارثية، لكنها بالنسبة لإيران كانت بداية مشروع على ثلاثة عقود لبناء النفوذ الشيعي الممتد من العراق مروراً بسوريا وصولاً إلى البحر الأبيض المتوسط. إلى جانب حلفائها في سوريا ولبنان، تشكّل إيران محور المقاومة المحتشد ضد القوى السنية المسيطرة على المنطقة مع الغرب. وفي سوريا كان المشروع على المحك، وكان سليماني يخوض معركة يائسة حتى لو كان الثمن صراعاً مذهبياً يلفّ المنطقة لسنوات.


وتولّى سليماني قيادة "فيلق القدس" قبل 15 سنة، وسعى خلال هذه الفترة إلى إعادة تشكيل الشرق الأوسط ليكون لصالح إيران، وعمل كصانع قرار سياسي وقوة عسكرية: يغتال الخصوم، يسلّح الحلفاء، ولأكثر من عقد من الزمن، يقود شبكة مجموعات عسكرية قتلت مئات الأميركيين في العراق. ووضعت وزارة الخزانة الأميركية سليماني على لائحتها السوداء بسبب دوره في دعم نظام الأسد لتحريضه الإرهاب. ومع ذلك، بقي معظم الأوقات مخفياً بالنسبة للعالم الخارجي، على الرغم من أنه كان يقود العملاء ويدير العمليات. وقال جون ماغواير، العميل السابق للسي آي أيه في العراق "سليماني هو أكثر فرد نشاطاً في الشرق الأوسط اليوم، وفي الوقت نفسه لم يسمع به أحد".


وعندما يظهر سليماني علناً ـ غالباً ليخطب في مناسبات لقدامى الحرس أو للقاء الخامنئي ـ يحمل نفسه بصورة غير واضحة ولا يرفع صوته إلا نادراً، ويظهر ما يقول عنه العرب قليلاً من الجاذبية. وقال أحد كبار المسؤولين العراقيين "إنه قصير جداً لكن له حضوره. قد يكون هناك عشرة أشخاص في غرفة وعندما يدخل سليماني لا يأتي ليجلس معك. يجلس في الناحية الأخرى من الغرفة بمفرده وبطريقة صامتة جداً. وهكذا بالطبع يفكّر الجميع به فقط".


وخلال المأتم، ارتدى سليماني جاكيت سوداء وقميصاً أسود من دون ربطة عنق على الطريقة الإيرانية: لقد بدت على وجهه المثلث الشكل وحاجبيه لمحات الألم. لم يفقد "فيلق القدس" من قبل قائداً رفيعاً من هذا المستوى في الخارج. قبل يوم من المأتم، سافر سليماني إلى منزل الشاطري لتقديم التعازي لعائلته. لديه تعلّق شديد بالجنود الشهداء، وغالباً ما يزور عائلاتهم؛ وفي مقابلة مع وسائل إعلام إيرانية قال "عندما أشاهد أطفال الشهداء، أرغب في أن أشم رائحتهم ولا أعود كما أنا". وفيما يستمر المأتم تقدّم مع المشيعين الآخرين ليؤدوا الصلاة. وقال إمام المسجد علي رضا باناهيان "لقد رحل أحد الأشخاص النادرين الذين أتوا إليكم بالثورة والعالم بأجمعه". ووضع سليماني يديه بين كفيّه وراح ينتحب.


وكانت الأشهر الأولى من العام 2013، وقبيل وفاة الشاطري، تشهد الحد الأدنى من التدخل الإيراني في سوريا. لقد كان الأسد يخسر بطريقة مستمرة الأرض لصالح الثوار الذين غالبيتهم من السنة، خصوم إيران. وإذا سقط الأسد، فإن إيران ستفقد رابطها بـ "حزب الله"، قاعدتها المتقدّمة بوجه إسرائيل. وقال أحد الملالي الإيرانيين "إذا خسرنا سوريا، لن يعود بإمكاننا الاحتفاظ بطهران".
وعلى الرغم من أن الإيرانيين كانوا مرهقين نتيجة العقوبات الأميركية التي فرضت لثني النظام في طهران عن تطوير سلاح نووي، إلا أن جهودهم كانت غير محدودة في محاولة إنقاذ نظام الأسد. ومن بين أمور عديدة، قدّموا قرضاً بقيمة سبعة مليارات دولار لتعزيز الاقتصاد السوري. وقال مسؤول أمني شرق أوسطي "لا أعتقد أن الإيرانيين يحسبون ذلك بالدولار. ينظرون إلى خسارة الأسد كتهديد وجودي لهم". وبالنسبة لسليماني، تبدو مسألة إنقاذ الأسد عملية كرامة، خاصة إذا كان يعني ذلك تمييزه عن الأميركيين. وقال أحد القادة العراقيين السابقين "سليماني قال لنا إن الإيرانيين سيقومون بما هو ضروري. لسنا مثل الأميركيين. لا نتخلّى عن أصدقائنا".


وفي العام الماضي، طلب سليماني من القادة الأكراد في العراق السماح له بفتح طريق إمداد عبر شمال العراق إلى سوريا. لقد أمضى سنوات طويلة وهو يغري الأكراد ويرشيهم في محاولة للتعاون مع خططه، لكنهم هذه المرة رفضوا طلبه. والأسوأ من ذلك، أن جنود الأسد لا يقاتلون، أو في حال قاتلوا، فإنهم كانوا يذبحون المدنيين ويدفعون السكان باتجاه الثوار. وقال سليماني لأحد السياسيين العراقين "الجيش السوري لا ينفع!". وكان يميل إلى "الباسيج"، الميليشيا الإيرانية التي سحق عناصرها التمردات الشعبية في جميع أنحاء إيران. وقال سليماني "أعطني كتيبة من الباسيج يكون باستطاعتي احتلال البلد بكامله". وفي آب 2012، ألقى الثوار المناهضون للأسد القبض على 48 إيرانياً داخل سوريا. واحتج القادة الإيرانيون زاعمين أنهم حجاج جاءوا ليصلوا في مقام ديني شيعي، لكن الثوار ووكالات الاستخبارات الغربية قالت إنهم إعضاء في "فيلق القدس". وفي جميع الأحوال، كانوا مهمين لدرجة أن الأسد وافق على إطلاق سراح أكثر من الفين من الثوار المعتقلين مقابل إطلاقهم. وقتل الشاطري بعدها.


وأخيراً، بدأ سليماني بالسفر بشكل مستمر إلى سوريا لكي يتمكن شخصياً من إدارة التدخل الإيراني. وقال مسؤول دفاعي أميركي "إنه يقود الحرب شخصياً". وفي دمشق، يزعم أن سليماني يعمل انطلاقاً من مركز قيادة محصّن بشكل كبير في أحد المباني غير المعروفة، حيث يعاونه عدد كبير من القادة من جنسيات مختلفة: قادة الجيش السوري، قائد من "حزب الله"، ومنسق عمليات الميليشيات الشيعية العراقية، الذين جنّدهم سليماني وزجهم في المعركة. وإذا لم يتمكن سليماني من الحصول على "الباسيج"، فقد رضي بأفضل شيء ممكن: الجنرال حسين حمداني، نائب القائد السابق للباسيج. وحمداني، رفيقه السابق في الحرب الإيرانية ـ العراقية، خبير في إدارة عمليات الميليشيات غير المنظّمة التي كان الإيرانيون يجمعونها من أجل الاستمرار في القتال إذا سقط الأسد.


وفي العام الماضي، لاحظ مسؤولون غربيون زيادة في رحلات المؤن الإيرانية إلى مطار دمشق. وعوضاً عن بضع طائرات أسبوعياً، كانت الطائرات تحطّ يومياً في مطار دمشق محمّلة بالأسلحة والذخائر "أطنان كثيرة منها" وفقاً لما قاله مسؤول أمني شرق أوسطي، إلى جانب ضباط من "فيلق القدس". واستناداً لمسؤولين أميركيين، فإن الضباط كانوا ينسّقون الهجمات، ويدربون الميليشيات، وأنشأوا نظاماً متطوراً لمراقبة اتصالات الثوار. كما أجبروا العديد من فروع أجهزة أمن الأسد ـ التي صُممت للتجسس على بعضها البعض ـ على العمل معاً. وقال المسؤول الأمني الشرق أوسطي إن عدد عناصر "فيلق القدس" وعناصر الميليشيات الشيعية العراقية الذين جاؤوا معاً يبلغ عددهم الآلاف. واضاف "إنهم منتشرون في جميع أنحاء البلاد".


وكانت نقطة التحوّل في نيسان الماضي بعدما تمكن الثوار من الاستيلاء على مدينة القصير السورية بالقرب من الحدود مع لبنان. ولاستعادة المدينة، طلب سليماني من حسن نصرالله، الأمين العام لـ "حزب الله" إرسال أكثر من الفي مقاتل من الحزب. لم يكن إقناعه صعباً. فالقصير تقع على مدخل وادي البقاع، الطريق الرئيسية للصواريخ والمواد الأخرى التي تصل إلى "حزب الله"؛ إذا تم قطع هذه الطريق، سيكون من الصعب على "حزب الله" الصمود. وسليماني ونصرالله اصدقاء منذ فترة طويلة، وقد تعاونا لسنوات في لبنان وأماكن أخرى عديدة من العالم حيث نفّذ عناصر "حزب الله" عمليات إرهابية بناء على أوامر من إيران. واستناداً لويل فيلتون، خبير الشؤون الإيرانية في معهد "أميركان انتربرايز"، فإن مقاتلي "حزب الله" حاصروا القصير، وقطعوا الطرقات إليها قبل أن يهاجموها. قتل له العشرات من مقاتليه كما سقط ما لا يقل عن ثمانية ضباط إيرانيين. وفي 5 حزيران سقطت المدينة. وقال ماغواير الذي لا يزال ناشطاً في المنطقة "العملية بأكملها كانت من تنظيم سليماني. لقد كانت نصراً عظيماً له".


وعلى الرغم من العمل الصعب لسليماني، فصورته لدى الإيرانيين هي صورة بطل الحرب الذي لا عيب لديه ـ مخضرم حائز على أوسمة عديدة خلال الحرب الإيرانية ـ العراقية، التي رقي خلالها إلى قائد فرقة على الرغم من أنه كان لا يزال في العشرينات من العمر. وعلناً، يبدو متواضعاً بشكل مسرحي. وخلال مقابلة حديثة له، وصف نفسه بأنه "أصغر جندي"، واستناداً للصحافة الإيرانية، رفض إقدام عدد من الحضور على تقبيل يديه. وتأتي سلطته من صداقته المقربة مع خامنئي الذي يقدّم المشورة والرؤية للمجتمع الإيراني بكامله. والقائد الأعلى، الذي يحتفظ عادة بتقدير كبير للجنود القتلى، أشار إلى سليماني على أنه "الشهيد الحي للثورة". وسليماني من الأنصار المتشددين لنظام إيران الديكتاتوري. وفي تموز 1999، وفي عز التظاهرات الطلابية، وقّع مع غيره من قادة الحرس الثوري، رسالة حذّرت الرئيس الإصلاحي محمد خاتمي من أنه في حال لم يقمع الثورة، فإن الجيش الإيراني سيفعل ـ وربما أقدم على الإطاحة بخاتمي في طريقه. وجاء في رسالة القادة العسكريين "لقد نفد صبرنا". وقمعت الشرطة الإيرانية المتظاهرين، كما فعلت مجدداً بعد عقد من الزمن.


وحكومة إيران عنيدة بشكل كبير، وهناك العديد من الوجوه حول خامنئي الذين يساعدون على صياغة السياسة الخارجية، بمن فيهم قادة الحرس الثوري، كبار الملالي، ومسؤولو وزارة الخارجية. غير أنه تم منح سليماني حرية مطلقة في تطبيق رؤية خامنئي. وقال مئير داغان، الرئيس السابق لجهاز الموساد "لديه علاقات مع جميع دوائر النظام. إنه ما أقول عنه البارع سياسياً. لديه علاقات مع الجميع". ويصفه المسؤولون بأنه مؤمن بالإسلام وبالثورة؛ وفي حين أن العديد من مسؤولي الحرس الثوري كوّنوا ثروات من خلال سيطرة الحرس على الصناعات الإيرانية الرئيسية، إلا أن سليماني ارتضى لنفسه ثروة بسيطة وهبه إياها القائد الأعلى. وقال ماغواير "يهتمون به بشكل جيد".


ويعيش سليماني في طهران ويبدو أنه يعيش حياة منزلية لائقة ببيروقراطي في منتصف العمر. وقال السياسي العراقي الذي مضى على معرفته بسليماني سنوات عديدة "يصحو في الرابعة صباح كل يوم، ويخلد إلى النوم عند التاسعة والنصف مساء". ويعاني سليماني من مرض في غدة البروستات وتعاوده آلام في الظهر. وقال عنه المسؤول الشرق أوسطي "يحترم زوجته ويصطحبها في بعض الأحيان إلى رحلات طويلة. لديه ثلاثة أبناء وابنتان، وهو ظاهرياً صارم لكنه أب عطوف". ويقال إنه قلق بنوع خاص على ابنته نرجس التي تعيش في ماليزيا "وهي تنحرف عن طرق الإسلام" استناداً للمسؤول الشرق أوسطي.


وقال ماغواير "سليماني رجل مصقول أكثر بكثير من غيره. يمكنه أن يتحرّك في الدوائر السياسية، لكنه يملك أيضاً القدرة على التخويف". وعلى الرغم من أن رأيه محافظ، إلا أن المسؤول الشرق أوسطي يقول "لا أعتقد أنه يستمع إلى الموسيقى الكلاسيكية. الموسيقى الغربية، لا أعتقد أنها من ذوقه أساساً". وعلى الرغم من من أن سليماني لم يتقدّم كثيراً في العلوم، إلا أن المسؤول العراقي السابق قال "إنه داهية، واستراتيجي ذكي مخيف". وأدواته التي يستخدمها تتضمن دفع مكافآت إلى السياسيين في جميع أنحاء الشرق الأوسط، وتخويفهم عند الحاجة، والقتل كآخر الوسائل. ومع مرور السنوات، بنى "فيلق القدس" شبكة أصول دولية، بعضها مستند إلى الإيرانيين في الشتات الذين يمكن استدعاؤهم لدعم المهمات. وقال مسؤول شرق أوسطي آخر "إنهم أينما كان". واستناداً لمسؤولين غربيين، أطلق "حزب الله" و"فيلق القدس" في العام 2010 حملة جديدة ضد أهداف أميركية وإسرائيلية ـ في رد انتقامي على ما يبدو ضد الحملة على البرنامج النووي الإيراني التي تضمنت هجمات قرصنة عبر الانترنت وعمليات اغتيال لعلماء نوويين إيرانيين.


ومنذ ذلك الحين، نظّم سليماني هجمات في أماكن بعيدة مثل تايلاند، نيودلهي، لاغوس ونيروبي ـ على الأقل 30 محاولة خلال السنتين الماضيتين وحدهما. وأكثر هذه المحاولات شهرة كان مؤامرة في العام 2011 لاستئجار خدمات شبكة تهريب مخدرات مكسيكية لاغتيال السفير السعودي لدى الولايات المتحدة وهو يتناول الطعام في أحد المطاعم على بعد كيلومترات قليلة من البيت الأبيض. وتبيّن أن عميل شبكة تهريب المخدرات الذي توّدد إليه عميل سليماني، ليس سوى مخبر لدى وكالة مكافحة المخدرات الأميركية. (ويبدو أن "فيلق القدس" أقوى في الأماكن القريبة من إيران، حيث فشلت خطط عديدة بعيدة". ومع ذلك، وبعد انفضاح المؤامرة، قال مسؤولان أميركيان سابقان أمام لجنة من الكونغرس إنه يجب اغتيال سليماني. وقال أحدهما "سليماني يسافر كثيراً. إنه سهل المنال. اذهبوا لاعتقاله أو اقتلوه". وفي إيران، وقّع أكثر من مئتي شخصية مرموقة عريضة دفاعاً عنه؛ ونشر أحد المواقع الاجتماعية على الانترنت بيانأً جاء فيه "كلنا قاسم سليماني".


وتوقف عدد من المسؤولين الشرق أوسطيين الذين أعرف البعض منهم منذ فترة طويلة عن الكلام عندما ذكرت اسم سليماني. وقال مسؤول كردي في العراق "لا نريد أن نكون طرفاً في ذلك". ومن بين الجواسيس في الغرب، يبدو أنه ينتمي إلى فئة خاصة، عدو مروّع ومثير للإعجاب في آن: شبيه بكارلا، الجاسوس السوفياتي الصعب المنال في روايات جون لو كاريه. وعندما اتصلت بداغان، الرئيس السابق للموساد، ولدى ذكري اسم سليماني، ساد صمت طويل ثم قال بلهجة ساخرة "آه. إنه صديق عزيز".


وفي آذار 2009، عشية عيد رأس السنة الفارسية، قاد سليماني مجموعة من قدامى الحرب الإيرانية ـ العراقية إلى مرتفعات با ـ علم الصخرية الجرداء على الحدود العراقية. وفي العام 1986، شهدت با ـ علم واحدة من أسوأ المعارك للسيطرة على شبه جزيرة الفاو، حيث قتل عشرات آلاف الرجال من دون أن يتقدموا خطوة واحدة. وأظهر شريط فيديو عن الزيارة سليماني وهو واقف فوق قمة جبلية يروي ذكرى المعركة لرفاقه القدامى. وبصوت رقيق كان يتحدث فيما صوت الموسيقى والصلوات يصدح.


ويقول سليماني وهو يشير إلى الوادي "هذه هي طريق دشتي عباس. هذه المنطقة كانت حاجزاً بيننا وبين العدو". ولاحقاً انتقل سليماني والمجموعة ليقفوا على ضفاف نهر صغير، حيث راح يتلو بصوت مرتفع أسماء الجنود الإيرانيين الذين قتلوا، وقد بدا عليه التأثر. وخلال فترة استراحة، تحدّث إلى مذيع ووصف القتال بطريقة صوفية. وقال "ساحة المعركة هي الجنة المفقودة للبشر الجنة التي تصل فيها التصرفات الانسانية والأخلاقية إلى أعلى مستوياتها. أحد أنواع الجنة التي يتخيلها الانسان هي عن الجداول، عن العذارى الجميلات والمناظر الطبيعية الخصبة. لكن هناك نوع آخر من الجنات ـ ارض المعركة".


وولد سليماني في رابور، القرية الجبلية الفقيرة في شرق إيران. وعندما كان صبياً، طلب والده مثل العديد من المزارعين الآخرين، قرضاً زراعياً من حكومة الشاه. وكان مديناً بحوالي 900 تومان ـ حوالي 100 دولار أميركي بسعر الصرف في حينها ـ ولم يستطع أن يسدد المتوجب عليه. وفي مذكراته الموجزة، كتب سليماني أنه ترك منزله مع أحد أقربائه ويدعى أحمد سليماني، كان يعاني من الوضع نفسه. وقال "في الليل، لم يكن باستطاعتنا النوم بسبب الحزن من أن يأتي عملاء الحكومة لاعتقال والدينا". وسافرا معاً غلى كرمان، المدينة الأقرب، في محاولة لتخليص عائلتيهما من الدين. ولم تكن المدينة مرحّبة بهما. أضاف "كنا في الثالثة عشرة وأجسامنا ضعيفة، وحينما ذهبنا لم يكن أحد يقبل بتوظيفنا. إلى أن حل يوم تم توظيفنا بصفة عاملين في موقع بناء مدرسة في شارع خاجو، وهو كان في آخر أطراف المدينة. لقد دفعوا لنا تومان يومياً". وبعد ثمانية أشهر، وفّرا من المال ما يكفي للعودة إلى منزليهما، لكن الثلج كان كثيفاً. قيل لهما أن يفتشا عن سائق محلي يدعى بهلوان ـ البطل ـ والذي كان "رجلاً قوياً قادراً على رفع بقرة أو حمار بأسنانه". وأثناء الرحلة، ، كان حينما تعلق السيارة "يرفعها ويعيدها إلى المكان المناسب". ووفقاً لما كتبه سليماني، فإن بهلوان كان من أشد المتحمّسين للشاه. وبعد وصولهما إلى المنزل، كتب سليماني يقول "مع بدء أضواء منازلنا في القرية تلوح أمامنا. بمجرد انتشار الخبر في القرية، ساد هرج ومرج".


وفي سن الشباب، بدأت تظهر على سليماني بعض ملامح الطموح الكبير. واستناداً لعلي ألفونيه، الخبير في الشؤون الإيرانية لدى مؤسسة "الدفاع عن الديموقراطيات"، وصل سليماني إلى مرحلة الشهادة الثانوية فقط، وعمل في دائرة مياه بلدية كرمان. لكن الزمن كان زمن ثورة، وكانت الفوضى التي تسود البلاد قد وصلت إلى القمة. وبعد انتهائه من العمل، كان سليماني يمضي أوقاته في أحد الأندية المحلية لرفع الأثقال، ومثل العديد من رجال الشرق الأوسط، كان ذلك ضرورياً لتوفير البنية الجسدية والإلهام الضروري لروح المقاتل. وخلال شهر رمضان، كان يستمع إلى المحاضرات الدينية التي يلقيها أحد الواعظين ويدعى حجة كمياب ـ أحد المحظيين لدى خامنئي ـ وخلال هذه المحاضرات، أصبح مؤمناً بإمكانية قيام الثورة الإسلامية.


وفي العام 1979، عندما كان سليماني في الثانية والعشرين من العمر، تمت الإطاحة بنظام الشاه على يد الشعب بقيادة الخميني تحت اسم الاسلام. ونتيجة تحيّزه إلى الثورة، انضم سليماني إلى الحرس الثوري، القوة العسكرية التي تم تأسيسها من قبل القيادة الدينية الجديدة في إيران، لمنع الجيش من القيام بانقلاب ـ وترقّى في صفوف الحرس بسرعة. وكحرس شاب، تم إرسال سليماني إلى شرقي غرب إيران حيث ساعد على قمع انتفاضة نظّمها الأكراد.


وبعد 18 شهراً على الثورة، ارسل صدام حسين الجيش العراقي ليخرق الحدود آملاً باستغلال الفوضى الداخلية في إيران, عوضاً عن ذلك، ساهم الغزو العراقي بتعزيز قيادة الخميني ووحّد الدولة في المقاومة، وأدخلها في حرب وحشية راسخة. وأرسل سليماني إلى الجبهة بمهمة بسيطة، تأمين المياه للجنود هناك، ولم يغادر الجبهة مطلقاً. وقال "دخلت إلى الحرب بأمر مهمة لخمسة عشر يوماً، وانتهى الأمر ببقائي حتى نهاية الحرب". وتظهر صورة التقطت في تلك الفترة سليماني مرتدياً الزي العسكري الأخضر اللون من دون أي إشارة إلى رتبته، وعيناه تحدقان إلى البعيد. وقال لأحد الصحافيين في العام 2005 "كنا جميعنا شباناً، وأردنا خدمة الثورة".


واكتسب سليماني سمعة الشجاعة والحماسة، خاصة بعد قيامه بمهمات استطلاع خلف خطوط العدو العراقي. وكان يعود من عدد من المهمات حاملاً معه عنزة يقوم جنوده بذبحها وشيّها. وقال مسؤول سابق في الحرس الثوري فرّ إلى الولايات المتحدة "حتى العراقيين، أعداؤنا، كانوا يعجبون به لقيامه بذلك". وأصبح يعرف سليماني عبر أثير الإذاعة الإيرانية بـ "سارق الماعز". وقال ألفونيه إنه تقديراً لفعاليته، أوكلت إليه مهمة قيادة كتيبة من كرمان مؤلفة من رجال كان التقى بهم في نادي رفع الأثقال المحلي.


اترك تعليق