قاسم سليماني.. قائد الظل(2 ـ 3)

By : أ. د. يوسف القرضاوي

ساعد "حزب الله" للسيطرة على لبنان

في الحلقة الثانية من تحقيق مجلة "ذي نيويوركر"، يتابع ديكستر فيلكينز كشف معلوماته عن سليماني وكيفية ترّقيه في صفوف الحرس الثوري الإيراني وصولاً إلى تبوئه منصب قائد "فيلق القدس" في العام 1998. ويقول الكاتب إنه في تلك الأثناء، كان لبنان يقبع تحت الاحتلال الإسرائيلي منذ أكثر من ستة عشر عاماً، وكان "حزب الله" يتوق إلى السيطرة على البلد، فأرسل سليماني إلى صديقيه نصرالله ومغنية عناصر من الفيلق لمساعدتهما على تحقيق ذلك، كما شجع النظام السوري على تسهيل تحرك المتطرفين السنة من سوريا الى العراق، وسمح لتنظيم "القاعدة" بمساحة من الحرية في ايران.

ترجمة: صلاح تقي الدين
كان ميزان القوى يميل بشدّة ضد الجيش الإيراني الذي كان ضباطه يلجأون إلى تكتيكات بسيطة ومكلفة. وباعتمادهم على الهجمات بواسطة "الأمواج البشرية"، كانوا يرسلون آلاف الجنود إلى خطوط المواجهة مع العراقيين، غالباً لتنظيف حقول الألغام، ما يؤدي إلى وفاة الجنود بمعدل متهوّر. وبدا سليماني مفجوعاً بالخسائر بالأرواح. وقبل إرسال جنوده إلى المعركة، كان يعانق كل واحد منهم ويودعه؛ وفي خطاباته، كان يمجّد الجنود الشهداء ويطلب منهم السماح لأنه لم يكن شهيداً معهم. وعندما أعلن رؤساؤه خططاً للهجوم على شبه جزيرة الفاو، انتقدهم ووصفهم بأنهم مسرفون ومتهورون. ويذكر العضو السابق في الحرس الثوري نفسه، أنه شاهد سليماني في العام 1985، عقب معركة عانت خلالها كتيبته خسائر كبيرة في الأرواح وأصيب سليماني نفسه بجروح، وكان جالساً بمفرده في زاوية خيمته. ويقول "كان غارقاً في صمته، ويفكّر بالجنود الذين خسرهم".


وقتل احمد، قريب سليماني الذي سافر معه إلى كرمان، في العام 1984. وفي مناسبة واحدة على الأقل، أصيب سليماني نفسه بجروح. ومع ذلك، لم يفقد حماسته للعمل الذي كان يقوم به. وفي ثمانينيات القرن الماضي، كان رويل مارك غيريشت عميلاً مبتدئاً في "السي آي أيه" ومقره اسطنبول، حيث جنّد أشخاصاً من بين آلاف الجنود الإيرانيين الذين أرسلوا إلى تركيا ليتعافوا. وقال غيريشت الذي كتب كثيراً عن الموضوع الإيراني "كان أمامك مجموعة متنوعة من جنود الحرس الثوري. كان بإمكانك اختيار رجال دين، أو جنود عاديين جاءوا ليتنفسوا أو ممارسة الزنى أو الشرب". وقسّم غيريشت قدامى الحرس الثوري إلى مجموعتين. "كان هناك المصابون بكسور والمصابون بحروق، الرجال الفارغون ـ هؤلاء الذين دمّرت حياتهم. ثم هناك الرجال التواقون إلى العودة إلى الجبهة بفارغ الصبر. سليماني كان من الفئة الأخيرة".
وكان لدى ريان كروكر السفير الأميركي السابق لدى العراق بين العامين 2007 و2009 الشعور نفسه. وخلال حرب العراق، كان كروكر يتعامل في بعض الأحيان مع سليماني بشكل غير مباشر، من خلال القادة العراقيين الذين كانوا يروحون ويأتون من وإلى طهران بصورة دائمة. ومرة سأل احد العراقيين عما إذا كان سليماني متديّناً بشكل خاص وكان الجواب "ليس حقاً. كان يؤم المسجد بصورة دائمة، لكن الدين ليس دافعه. القومية وحبه للقتال هما الدافع".


وتعلّم قادة إيران درسين من الحرب الإيرانية ـ العراقية. الدرس الأول هو أن إيران كانت محاطة بالأعداء القريبين والبعيدين. بالنسبة للنظام، لم يكن الغزو مؤامرة عراقية بقدر ما كان مؤامرة غربية. كان المسؤولون الأميركيون على علم بالتحضيرات التي يجريها صدام حسين لغزو إيران في العام 1980، وقاموا لاحقاً بتزويده بمعلومات حول أهداف يمكن مهاجمتها بأسلحة كيميائية؛ هذه الأسلحة تم تصنيعها بمساعدة من مصانع أوروبا الغربية نفسها. وذكرى هذه الهجمات مريرة بشكل خاص. وقال مهدي خالاجي، الخبير في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى "هل تعلم كم شخصاً لا يزال يعاني من آثار الأسلحة الكيميائية؟ آلاف الجنود السابقين. يعتقدون أنها كانت أسلحة زوّدها الغربيون لصدام". في العام 1987، وخلال معركة مع الجيش العراقي، هوجمت فرقة بقيادة سليماني بواسطة قنابل مدفعية تحتوي على مواد كيميائية. عانى أكثر من مئة من جنوده من آثار هذا الهجوم.


والدرس الثاني الذي تعلمه الإيرانيون هو عدم جدوى خوض المواجهات المباشرة. وفي العام 1982 وبعدما دحرت القوات الإيرانية الجيش العراقي، أمر الخميني رجاله بالاستمرار في القتال حتى "تحرير" العراق والتقدّم نحو القدس. وبعد ست سنوات ومئات آلاف الضحايا، وافق على وقف إطلاق النار. واستناداً لألفونيه، يعتقد العديد من الجنرالات من جيل سليماني أنه كان بالإمكان النجاح لو لم يتراجع الملالي. وقال "يشعر العديدون منهم كما لو أنهم طعنوا في الظهر. لقد غذّوا هذه الأسطورة لما يقارب الثلاثين عاماً". لكن قادة إيران لا يريدون حمام دم آخر، وعوضاً عن ذلك، عليهم أن يبنوا القدرة على شن هجمات غير متكافئة ـ مهاجمة قوى أكبر بطريقة غير مباشرة خارج إيران.


وكان "فيلق القدس" الوسيلة المثالية. كان الخميني قد أنشأ نسخة أولية من هذه القوة في العام 1979 بهدف حماية إيران وتصدير الثورة الإسلامية. والفرصة الأكبر جاءت في لبنان، عندما تم إرسال مجموعة من ضباط الحرس الثوري في العام 1982 لتنظيم الميليشيات الشيعية خلال الحرب الأهلية اللبنانية التي شاركت فيها أطراف عديدة. وأثمرت هذه الجهود بتأسيس "حزب الله" تحت توجيه إيران. وساعد القائد العسكري لـ "حزب الله" عماد مغنية اللامع والدموي على تأسيس ما عرف لاحقاً باسم "جهاز الأمن الخاص"، وهو أحد أجنحة "حزب الله" الذي يعمل بشكل وثيق مع "فيلق القدس". وبمساعدة من إيران، ساعد "حزب الله" على تنظيم هجمات على السفارة الأميركية ومقري القوات الفرنسية والأميركية. وقال دافيد كريست، المؤرخ في الجيش الأميركي ومؤلف كتاب "حرب الغسق" "في الأيام الأولى، وعندما كان حزب الله معتمداً بشكل كلي على المساعدات الإيرانية، مغنية وآخرون كانوا برغبتهم الكاملة ودائع إيرانية".


وعلى الرغم من كل العدائية التي كانت لدى النظام الإيراني، إلا أن بعض تعصبّه الديني بدأ يخفت. في العام 1989 توقف الخميني عن الطلب من الإيرانيين تصدير الثورة، ودعا عوضاً عن ذلك، إلى تسريع خطوات المحافظة على مكاسبها. والمصالح الذاتية الفارسية كانت أمر اليوم، حتى لو أنها كانت متمايزة عن حماسة الثورة. وفي هذه السنوات، عمل سليماني على الجبهة الإيرانية الشرقية في مساعدة الثوار الأفغان الذين كانوا يتصدون للطالبان. وكان الإيرانيون ينظرون إلى الطالبان بعدائية شديدة وذلك يعود في جزء كبير إلى اضطهادهم للأقلية الشيعية الأفغانية. ( في إحدى المراحل، كان البلدان على وشك خوض حرب بينهما حيث جنّدت إيران ما يقارب ربع مليون جندي، وشجب قادتها الطالبان على أنهم إهانة للإسلام). وفي منطقة ينمو فيها الفساد، بنى سليماني لنفسه شهرة على أنه حارب مهربي الأفيون على طول الحدود الأفغانية.


وفي العام 1998، سمّي سليماني على رأس "فيلق القدس" حيث تولى قيادة جهاز كان قد بنى لنفسه تاريخاً دموياً: يعتقد المسؤولون الأميركيون والأرجنتينيون أن النظام الإيراني ساعد "حزب الله" على تنظيم تفجير السفارة الإسرائيلية في بيونس أيرس في العام 1992 والذي أدى إلى مقتل 29 شخصاً، والهجوم على المركز اليهودي في المدينة نفسها والذي أدى لمقتل 85 شخصاً. وحوّل سليماني "فيلق القدس" إلى تنظيم ذات باع طويل وفروع متخصصة بالاستخبارات، التمويل، السياسة، التخريب والعمليات الخاصة. ومع مركز القيادة الذي اتخذه في مبنى السفارة الأميركية السابقة في طهران، يملك "فيلق القدس" ما بين عشرة وعشرين ألف عنصر، ينقسمون بين المقاتلين وأولئك الذين يشرفون على تدريب وإدارة الفروع الخارجية. ويتم اختيار عناصره من بين أصحاب المهارات وولائهم لعقيدة الثورة الإسلامية، (كما في بعض الأحيان بسبب انتماءاتهم العائلية). واستناداً إلى صحيفة "إسرائيل اليوم" يتم تجنيد المقاتلين في جميع أنحاء المنطقة، ويتم تدريبهم في مدينتي شيراز وطهران، وتلقينهم العقيدة في "جامعة عملية القدس" في مدينة قم، ثم يرسلون "لشهور طويلة في مهمات إلى أفغانستان والعراق ليحصلوا على خبرة في العمل الميداني. ويسافرون عادة تحت ستار عمال بناء إيرانيين".


وبعد توليه القيادة، عزز سليماني علاقاته في لبنان مع مغنية وحسن نصرالله، الأمين العام لـ "حزب الله". وفي تلك الأثناء، كان الجيش الإسرائيلي قد احتل لبنان لما يزيد عن ستة عشر عاماً، وكان "حزب الله" يتوق إلى السيطرة على البلد، فأرسل سليماني عناصر من "فيلق القدس" لمساعدته على ذلك. وقال كروكر "كان لديه حضور هائل ـ تدريب، نصح وتخطيط". وفي العام 2000، انسحب الإسرائيليون مرهقين نتيجة هجمات "حزب الله". كان ذلك إشارة انتصار للشيعة، وأضاف كروكر "كان مثالاً آخر حول كيف يمكن لدول مثل سوريا وإيران أن تخوص لعبة طويلة المدى، بناء على معرفتهم بأنه لا يمكننا فعل ذلك".


ومنذ ذلك الحين، وفّر النظام الإيراني المساعدات لمجموعات مختلفة من المقاتلين الإسلاميين التي تعارض حلفاء الأميركيين في المنطقة، مثل المملكة السعودية والبحرين. ولم تصل المساعدة إلى الشيعة فقط، بل أيضاً إلى مجموعات سنية مثل "حماس" ـ ما ساهم بتشكيل مجموعة تحالفات تمتد من بغداد حتى بيروت. وقال ديبلوماسي غربي في بغداد "لم ينطلق أحد في طهران قبل وضع خطة شاملة لبناء محور المقاومة، غير أن الفرص كانت مناسبة. في كل حالة، كان سليماني أذكى، أسرع ويملك موارد أكثر من أي جهة أخرى في المنطقة. من خلال اغتنام الفرص حين حدوثها، بنى هذا الشيء ببطء لكن بثبات".


وخلال الأيام الفوضوية التي تلت اعتداءات 11 أيلول، سافر ريان كروكر الذي كان أصبح أحد كبار مسؤولي وزارة الخارجية الأميركية، إلى جنيف للقاء مجموعة من الديبلوماسيين الإيرانيين. وقال كروكر "سافرت يوم الجمعة وعدت يوم الأحد، وكانت عطلة نهاية الأسبوع، فلم يعلم أحد في الوزارة أين كنت. كنا نسهر طيلة الليل خلال اجتماعاتنا". وبدا واضحاً لكروكر أن الإيرانيين كانوا يجيبون سليماني الذي كانوا يسمّونه "الحاج قاسم"، وكانوا يتوقون إلى مساعدة الولايات المتحدة الأميركية في القضاء على عدوهم المشترك، الطالبان. وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة وإيران كانتا قطعتا العلاقات الديبلوماسية في العام 1980 عقب أزمة الرهائن الديبلوماسيين الأميركيين في طهران، إلا أن كروكر لم يكن متفاجئاً بإحساسه بليونة سليماني. وقال "لا تعيش ثماني سنوات من الحرب الوحشية ولا تخرج منها براغماتياً". كان سليماني يمرر رسائل في بعض الأحيان لكروكر، لكنه كان يتجنّب في أن تكون خطية. وأضاف كروكر "الحاج قاسم أذكى بكثير من ذلك. لن يترك وراءه آثاراً ورقية للأميركيين".


وقبل بدء عمليات القصف على أفغانستان، شعر كروكر أن الإيرانيين كانوا يفقدون صبرهم مع إدارة الرئيس الأميركي السابق جورج بوش، ويعتقدون أن المسألة تأخرت كثيراً قبل المباشرة بقصف الطالبان. وفي اجتماع في مطلع تشرين الأول 2001، وقف كبير المفاوضين الإيرانيين ورمى برزمة من الأوراق على الطاولة وقال "إذا لم تتوقفوا عن بناء هذه الحكومات الخرافية في السماء، تبدأوا بالفعل ببعض القصف على الأرض، فلن يحدث أي من هذه الأشياء. عندما تصبحون جاهزين للحديث جدياً عن قتال حقيقي، تعرفون أين تجدوني". وغادر الغرفة بسرعة. وأضاف كروكر "كانت لحظة عظيمة".


واستمر التعاون بين البلدين طيلة المرحلة التحضيرية للحرب. وفي مرحلة معينة، سلّم كبير المفاوضين إلى كروكر خريطة تفصيلية عن مواقع قوات الطالبان. وقال "هذه نصيحتنا. اضربوهم هنا أولاً، ثم انتقلوا إلى هنا. هذا هو المنطق". وتوجه كروكر المندهش بسؤال "هل باستطاعتي تدوين ملاحظات؟" فأجاب المفاوض "يمكنك الاحتفاظ بالخريطة". وتدفقت المعلومات من الجانبين. وفي لحظة ما، قال كروكر إنه أعطى نظراءه الإيرانيين موقع أحد المخبرين من طالبان يعيش في مدينة مشهد في شرق إيران. اعتقله الإيرانيون وسلّموه إلى قادة أفغانستان الجدد الذين بحسب اعتقاد كروكر قاموا بتسليمه إلى الولايات المتحدة. وقال المفاوض لكروكر "الحاج قاسم سعيد جداً لتعاوننا".


ولم تستمر الإرادة الطيبة طويلاً. في كانون الثاني 2002، وكان كروكر أصبح في حينها نائب مسؤول السفارة الأميركية في العاصمة الأفغانية كابول، أيقظه مساعدوه ليلاً ليبلغوه أن الرئيس الأميركي جورج بوش سمّى إيران عضواً في "محور الشر". ومثل العديد من كبار الديبلوماسيين، فوجئ كروكر بهذا الموقف. وشاهد كروكر كبير المفاوضين الإيرانيين في اليوم التالي في مركز الأمم المتحدة في كابول وكان غاضباً. ويقول كروكر إن المفاوض افيراني قال له "لقد أسأت إلي بالكامل. أصيب سليماني بنوبة غضب. يشعر أنه قد فضح". وأضاف المفاوض لكروكر أن هذه لحظة خطر سياسي حقيقي وأن سليماني يقوم بإعادة تقويم شاملة للعلاقة مع الولايات المتحدة قائلاً "ربما حان الوقت لكي نعيد التفكير بعلاقتنا مع الأميركيين". لقد أوصل خطاب "محور الشر" الاجتماعات إلى نهايتها. ووجد الإصلاحيون داخل الحكومة الإيرانية الذين كانوا يدافعون عن التقارب مع الولايات المتحدة أنفسهم في موقف دفاعي. وحين يتذكر كروكر تلك الفترة يهز برأسه ويقول "كنا قريبين جداً. كلمة واحدة في خطاب غيّرت التاريخ".


وقبل انهيار الاجتماعات، تحدّث كروكر مع كبير المفاوضين الإيرانيين حول احتمال الحرب في العراق. وقال كروكر "اسمع، لا أعلم ما الذي سيحدث، لكن لدي بعض المسؤوليات في العراق ـ إنه ملفي _ ولا أستطيع قراءة الإشارات، و أعتقد أننا سنذهب إلى هناك". لقد شاهد الإيراني فرصة هائلة. الإيرانيون يكرهون صدام، واعتقد كروكر أنهم سيكونون على استعداد للتعامل مع الولايات المتحدة. وقال المفاوض لكروكر "لست مع الغزو. لكني أفكر أنه إذا كنتم ستقومون به، فلنر ما إذا كان بإمكاننا تحويل عدو إلى صديق ـ على الأقل تكتيكياً لهذه الغاية، ثم نرى أين نذهب بعد ذلك". وأشار المفاوض إلى أن الإيرانيين على استعداد للحديث، وأن العراق مثل أفغانستان، كان جزءاً من خطة سليماني. أضاف كروكر "كان الرجل نفسه يدير المسرحين".


وبعد بدء الغزو في آذار 2003، كان المسؤولون الإيرانيون مسعورين من جعل الأميركيين يعلمون أنهم يريدون السلام. وشاهد كثيرون منهم أنظمة أفغانستان والعراق كيف يطاح بها، واعتقدوا أن الدور المقبل سيكون عليهم. وقال ماغواير، مسؤول "السي آي أيه" السابق في بغداد "كانوا خائفين. كانوا يرسلون مفاوضين عبر الحدود العراقية إلينا ليقولوا إنهم لا يريدون المشاكل معنا. كنا نملك كل الأوراق الرابحة". وفي العام نفسه، اقتنع الأميركيون أن إيران أعادت رسم خططتها لتطوير سلاح نووي، والسير في هذه الخطة ببطء وسرية، خشية أن تدعو الغرب لضربها.


وبعد انهيار نظام صدام، أوفد كروكر إلى بغداد ليساعد على تنظيم الحكومة الوليدة التي دعيت باسم "مجلس الحكم العراقي". وأدرك كروكر أن العديد من السياسيين العراقيين كانوا يتوجهون إلى طهران للتشاور، واستغل مباشرة فرصة التشاور مع سليماني. وأثناء ذلك الصيف، مرّر له كروكر أسماء المرشحين الشيعة المحتملين، وكان الرجلان يدققان في كل اسم منهم. ولم يعترض كروكر على أي اسم، بل كان يستثني مباشرة اسم الشخص الذي كان سليماني يعترض عليه. وقال "كان تشكيل مجلس الحكم بروحيته، مفاوضات بين طهران وواشنطن".


وكان هذا التبادل قمة التعاون الإيراني ـ الأميركي. وقال كروكر "بعد تشكيل مجلس الحكم، انهار كل شيء". وفيما تعثّر الاحتلال الأميركي، أطلق سليماني حملة مكثّفة من التخريب. ويعتقد العديد من الأميركيين والعراقيين أن تغيير الإستراتيجية كان نتيجة الانتهازية: أصبح الإيرانيون عدائيين عندما بدأ خوفهم من الغزو الأميركي يتراجع.


وطيلة سنوات، كان سليماني يرسل عملاءه إلى العراق ليغذي الميليشيات الشيعية، فكان حين سقط صدام، يملك قوة مقاتلة لا بأس بها في مكانها: فصائل بدر، الجناح المسلح للحزب الشيعي المعروف باسم "المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق". وكان زعماء الحزب مرتبطين بالثورة الإيرانية لدرجة أن رجال ميليشيا بدر حاربوا إلى جانب القوات الإيرانية في الحرب الإيرانية ـ العراقية.


وأمضت "فصائل بدر" معظم وقتها وهي تشن هجمات انتقامية ضد البعثيين، ولم تطلق نيرانها كثيراً باتجاه الأميركيين. غير أن ميليشيا أخرى مدعومة من إيران تدعى "جيش المهدي" يقودها رجل الدين الشيعي الشعبي مقتدى الصدر، بدأت بمواجهة الأميركيين في وقت مبكر. في آب 2004، وبعد هجوم أميركي دموي ، شاهدت في مدينة النجف المقدسة إلى الجنوب من بغداد، عشرات المقابر الجوفاء، وضعت عليها كؤوس زجاجية فيها ورقة تحمل اسم المقاتل الشهيد وعنوانه، ومعظمها حمل عنواناً في "طهران".


ووجد سليماني أنه لا يمكن التنبؤ بتصرفات الصدر ومن الصعوبة إدارته، فبدأ "فيلق القدس" تنظيم ميليشيات أخرى كانت على استعداد لمهاجمة الأميركيين. وبدأ ضباط الفيلق بتدريب المقاتلين في إيران، وفي بعض الأحيان بمساعدة من رفاقهم في "حزب الله". وبدا في بعض الأحيان أن سلطة سليماني على بعض الميليشيات العراقية كانت مطلقة. وفي إحدى المراحل، ألقى مسؤول عراقي رفيع أثناء رحلة إلى واشنطن، اللوم على القائد الأعلى لتصعيد العنف في العراق. وبعد عودته إلى بغداد قال إنه تلقى رسائل من قائدي اثنيتين من الميليشيات الشيعية العراقية يطرحان عليه السؤال نفسه: هل تريد الموت؟


في العام 2004، باشر "فيلق القدس" بإرسال كميات كبيرة من الألغام والقنابل الموقوتة التي كانت تستهدف الآليات الأميركية، وشكلت لها قلقاً كبيراً. ولا يمكن سوى للخبراء المهرة تصنيع مثل هذه القنابل والتي تنفجر نتيجة أجهزة تحسس فائقة الدقة. وقال الجنرال ستانلي ماكريستال الذي كان في ذلك الوقت قائد العمليات الخاصة المشتركة "لم تكن لدينا أية شكوك حول مصدر هذه القنابل. كنا نعرف تماماً أن جميع مصانعها كانت في إيران. لقد أدت هذه القنابل إلى مقتل مئات الأميركيين".


وتخطت حملة سليماني ضد الولايات المتحدة الانقسام الشيعي ـ السني، الذي كان دائماً على استعداد لوضعه جانباً في سبيل هدف أسمى. وقال مسؤولون عراقيون وغربيون إنه في بدايات الحرب، شجّع سليماني رئيس استخبارات نظام الرئيس السوري بشار الأسد على تسهيل تحرك المتطرفين السنة من سوريا إلى العراق للقتال ضد الأميركيين. وفي العديد من الحالات، سمح لتنظيم "القاعدة" بمساحة من الحرية في إيران نفسها. وقال كروكر إنه في أيار 2003، حصل الأميركيون على معلومات بأن مقاتلي "القاعدة" يخططون لهجوم ضد أهداف غربية في المملكة العربية السعودية. لفت ذلك انتباه كروكر الذي قال "كانوا هناك، تحت حماية إيرانية يخططون لعمليات". أضاف أنه سافر إلى جنيف ومرر تحذيراً إلى الإيرانيين من دون جدوى. لقد فجّر المقاتلون ثلاثة مجمعات سكنية في الرياض ما أدى إلى مقتل 35 شخصاً بمن فيهم 9 أميركيين.


وكما تبيّن، فإن الإستراتيجية الإيرانية بتحريض المتطرفين السنة، انقلبت عليهم: بعد فترة قصيرة من الاحتلال الأميركي، بدأ المتطرفون أنفسهم مهاجمة المدنيين الشيعة، والحكومة العراقية ذات الهيمنة الشيعية. كان المشهد مقدمة للحرب الأهلية المقبلة. وقال ديبلوماسي غربي في بغداد "أهلاً بكم في الشرق الأوسط. أراد سليماني إلحاق الأذى بالأميركيين فدعا الجهاديين وخرجت الأمور عن السيطرة بشكل كامل".


ومع ذلك، لم تكن السياسة الإيرانية تجاه الأميركيين في العراق عدائية تماماً ـ في نهاية الأمر، كانت الدولتان تحاولان تعزيز سلطة الغالبية الشيعية في العراق ـ ولذلك، تناوب سليماني على المقايضة مع الأميركيين وقتلهم. وطيلة الحرب، استدعى سليماني القادة العراقيين إلى طهران لعقد صفقات معهم، كانت في معظمها تهدف إلى تعزيز السلطة الشيعية. وفي مرة واحدة على الأقل، سافر سليماني إلى قلب السلطة الأميركية في بغداد. وقال سياسي عراقي "سليماني جاء إلى المنطقة الخضراء للاجتماع إلى عراقيين. أعتقد أن الأميركيين ارادوا اعتقاله، لكنهم تصوروا أنه لن يكون بإمكانهم ذلك".


وفيما كان الطرفان يحاولان الحصول على افضلية، أدى تغيّر الولاءات في بعض الأحيان إلى مقابلات مثيرة. كان قائدا الحزبين الكرديين الأقوى مسعود برازاني وجلال طالباني يلتقيان بشكل مستمر مع سليماني والأميركيين. وفي حين أن العلاقات الكردية ـ الأميركية اتسمت عادة بالحرارة، إلا أن علاقة برزاني وطالباني بالقادة الإيرانيين مثل سليماني، كانت أعمق وأكثر تعقيداً؛ لقد وفّر النظام الإيراني الملجأ الآمن لأكراد العراق خلال حربهم مع صدام. لكنها لم تكن علاقات متساوية يوماً. يقول القادة الأكراد إن هدف سليماني كان دائماً إبقاء الأحزاب العراقية منقسمة وغير مستقرة، وضمان بقاء العراق دولة ضعيفة: الحرب الإيرانية ـ العراقية لم تغب يوماً عن باله. وقال مسؤول كردي رفيع "من الصعب جداً بالنسبة لنا أن نقول لا لسليماني. عندما نقول لا، يتسبب لنا بالمشاكل. تفجيرات. قتل. الإيرانيون جيراننا. كانوا هنا منذ زمن طويل، وسوف يبقون كذلك. علينا التعامل معهم".


اترك تعليق