البنا.. وفن صناعة الحياة والموت

By : إسماعيل حامد

في ذكرى استشهاد الإمام حسن البنا (12 فبراير 1949) يطيب لنا أن نتذاكر بعضا من حياته ومماته لتكون لنا عبرة على الطريق "لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب"، هي وقفات سريعة تبين لنا كيف اختار البنا حياته وكيف اختار طريق مماته؟ ومدى نجاحه في صناعة الاثنين معاً "الحياة والممات"، في رسالة واضحة لكل أبناء الدعوة والسائرين على الدرب والمقتدين بالحبيب المصطفى أن هذا هو سبيل أصحاب الدعوات.


لقد اختار البنا رحمه الله أن يسير على خطى الحبيب صلى الله عليه وسلم والصحب الكرام بأن جعل حياته وقفاً لله تعالى، وسيراً على منهجه وشريعته، وتبليغاً لدعوته وإعادة لخلافته في الأرض وتجديداً لدينه في نفوس الناس، ونهضةً بأمته من حياة التبعية للشرق أو الغرب إلى الاستقامة على الدين لتحقيق أستاذية العالم، فحمل على كاهله مسئولية إحياء الأمة من مواتها وهدايتها من ضلالها.


نشأ الإمامُ وبداخله هذه الفكرة، وسيطرت عليه ونمت وكبرت بداخله، كتبها في موضوع الإنشاء عند تخرجه فقال: "وأعتقد أنَّ خير النفوس تلك النفوس الطيبة التي ترى سعادتها في سعادة الناس وإرشادهم، وتعد التضحية في سبيل الإصلاح العام ربحًا وغنيمة" وكررها وهو يتحدث عن أمنيته "أنْ أكون مرشدًا معلمًا إذا قضيتُ في تعليم الأبناءِ سحابةَ النهار ومعظم العامِ قضيتُ ليلي في تعليم الآباءِ هدفَ دينهم"


هكذا اختار ومنذ نعومة أظفاره أن يكون شغوفاً بدعوته حريصاً عليها، ساعياً لنشرها بين الناس، ففي طفولته اشتغل بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله، فأنشأ مع زملائه بالمدرسة بالبحيرة (جمعية الأخلاق الدينية)، وبعدها (جمعية منع المحرمات) و( دعاة الصباح) و(الإخوان الحصافية) وفي القاهرة أثناء دراسته الجامعية اعتمد أسلوب الدعوة عبر المقاهي، وكذلك في الإسماعيلية بعد تخرجه، حتى أسس جماعة الإخوان المسلمين وانطلق يجوب مصر فخاطب أمته قائلا "إلى الأمة الحيرى على مفترق الطريق، إلى كل مسلم يؤمن بالسيادة في الدنيا والسعادة في دار القرار، أقدم رسالةَ الماضي القوي الملتهب إلى الحاضر الفتي المضطرب، وعدة الحاضر الثائر للمستقبل الزاهر"، ولا زال صدى دعوته يدوي "إن الزمان يتمخض الآن عن كثير من الحوادث الجسام، وإن الفرص سانحة للأعمال العظيمة، وإن العالم ينظر دعوتكم دعوة الهداية والفوز والسلام لتخلصه مما هو فيه من آلام، وإن الدور عليكم في قيادة الأمم وسيادة الشعوب" وطاف بدعوته القرى والنجوع وخاطب بها الأمم والشعوب وراسل بها السلاطين والأمراء والملوك فقدم لهم الإسلام بشموليته وفهمه الوسطي المعتدل "الإسلام نظام شامل يتناول مظاهر الحياة جميعاً"، فكان يعمل أكثر من عشرين ساعة لا يتعب ولا يجهد ولا ينام إلا قليلا، كان يسعي ويطوف ويذهب إلي كل قرية وكل نجع يفتش عن الشباب، ويحدث الشيوخ ويتصل بالعظماء والعلماء، فالتف حوله شباب الأمة ورجالها ونساؤها حتى بلغ أتباعه قرابة النصف مليون بعدما زار أكثر من 4000 قرية وأسس أكثر من 2000 شعبة لجماعته في كل ربوع مصر إضافة إلى 50 شعبة بالسودان و18 شعبة بدول العالم، وتقاطرت علي بيته الذي ينزل فيه وفود المسلمين من إندونيسيا وسريلانكا والهند ومدغشقر ونيجيريا والكاميرون وإيران والأفغان تتعرف عليه، وحارب الإباحية ووقف أمام حملات التنصير وواجه الأحزاب، وجابَهَ الأنظمة الفاسدة وخاض الانتخابات مرتين وجاهد المحتل البريطاني وعصابات اليهود، كل ذلك في نحو 20 عاما، مما جعل حياته تتمثل دعوة ابن سينا" اللهم ارزقني الحياة العريضة".


 هكذا كانت صناعته للحياة وفق منهج دعوته القائم على أهداف محددة تبدأ ببناء الفرد المسلم فالبيت المسلم فالمجتمع المسلم، فالحكومة الإسلامية فالدولة فالخلافة الراشدة على منهاج النبوة فأستاذية العالم، تلك الأهداف التي كان يقول غيره عنها إنها أضغاث أحلام، فكم من نفوس ضالة أرشدها ومن عقول جاهلة بصّرها، ومن لبس في الفهم أزاله ومن مفاهيم غائبة أوجدها ومن معانٍ ميتة أحياها.


وكما أتقن البنا صناعة الحياة أجاد أيضاً في صناعة الموت، فهو الذي قال "إن الأمة التي تحسن صناعة الموت وتعرف كيف تموت الموتة الشريفة، يهب الله لها الحياة العزيزة فى الدنيا والنعيم الخالد فى الآخرة" ويعلمنا البنا أن صناعة الموت هي نفسها صناعة الحياة فيقول "إذًا كيف تصنع موتتك؟ أن تكون دائما علي طاعة، أن تحسن استقبال الزائر الأخير في الدنيا، أن تجعل دنياك مزرعة لآخرتك، أن تتذكر الموت والبلى، أن تبني قبرك بالخيرات، وأن تترك دنياك علي الصالحات، وأن ترضي ربك بالطاعات" بهذه الكلمات ربَّى البنا تلامذته وأتباعه في الجماعة المباركة، وصاغهم على حب الجهاد ونية الاستشهاد، وعلمهم أن هذه الدعوة لا تقبل إلا التضحيات العزيزة التي لا يحول دونها طمع ولا بخل، وأكثَر من ترديد الدعاء: "اللهم ارزقنا الموتة الطاهرة"، وسألهم: أتدرون ما الموتة الطاهرة؟ ثم قال لهم: "والله ما أراها إلا تلك.. وحزَّ بأصابع يده على رقبته، في مشهد تمثيليٍّ يجسِّد لهم الموتة الطاهرة بأنها التي تُقطع فيها الرقاب فداءً لهذا الدين، وجعل شعار الدعوة يختم بقوله "والموت في سبيل الله أسمى أمانينا"، وحينما حدّث إخوانه عن عُدة تحقيق الأهداف قال "وقد أعددنا لذلك إيمانا لا يتزعزع، وعملا لا يتوقف، وثقة بالله لا تضعف، وأرواحا أسعد أيامها يوم تلقى الله شهيدة في سبيله" هكذا أعد نفسه وهكذا أراده الله، وشاءت إرادة الله أن يكون الإمام البنا أول شهيد للدعوة على أرض مصر ليعطي النموذج العملي لدعوته في فن صناعة الموت، ولقي الله شهيدا في أول شارع شهد له بأول عمل دعوي في القاهرة (شارع رمسيس- الملك نازلي سابقا)، حتى قال عنه صاحب كتاب الرجل القرآني "كان لابد أن يموت هذا الرجل الذي صنع التاريخ وحول مجري الطريق شهيدا، كما مات عمر وعلي والحسين، فقد كان الرجل يقتفي خطواتهم.. ولقد كان خليقا بمن سلك مسلك أبي حنيفة ومالك وابن حنبل وابن تيمية مواجهةً للظلم ومعارضةً للباطل، أن تختتم حياته علي هذه الصورة الفريدة المروعة، التي من أي جانب ذهبت تستعرضها، وجدتها عجيبة مدهشة.. إنه كان يدهش الأجيال بختام حياته".


فلما مات كان غريبا غاية الغرابة في موته ودفنه، فبعدما أطلق عليه الرصاص ونقل للمستشفى وتُرك ينزف حتى الموت بها، نقلوه إلي بيته في جوف الليل ومنع أهل البيت من إعلان الفاجعة، وغسله والده وحده، وخيم علي القاهرة تلك الليلة كابوس مزعج كئيب، فلم يُصلّ عليه في المسجد غير والده، ومازالت صورة جنازته ماثلة أمام العين، الرجل الذي جدد لهذه الأمة دينها، والذي وصلت دعوته إلى مشارق الأرض ومغاربها، والذي كان يتبعه نصف مليون، ورغم ذلك يحال بينه وبين أتباعه أن يشيعوه، وتسير جنازته محمولة على أعناق النساء، في مشهد يحدث لأول مرة في التاريخ، وابنته الكبرى تتقدم أخواتها في حمل النعش وتردد: "فلتقر عينك يا أبتاه.. فإنا على الدرب سائرون.. ولئن حالوا بينك وبين أتباعك أن يشيعوك.. فعزاؤنا أن أهل السماء يشيعون معنا ما عجز عنه أهل الأرض".


هكذا أتقن الإمام البنا صناعة الحياة وصناعة الموت، وهكذا تربت أجيال الدعوة الأولى، وهكذا نحن من خلفهم نستكمل مسيرة الدعوة، ملتفين حول فكرتنا بائعين الدنيا بالدين، واهبين ما بقي من عمرنا على الحق الذي تحملناه، ونتحمل التبعات والمسئوليات من أجله ونحن منتصرون، ونحن في شدتنا ونصرنا نهتف: "الله غايتنا، والرسول قدوتنا، والقرآن دستورنا، والجهاد سبيلنا، والموت في سبيل الله أسمى أمانينا" فنم قرير العين يا إمام فإنا على الدرب سائرون، ودعوتك ترتفع بنورها في كل مكان.


اترك تعليق