هكذا يلبِّس الشيخ أو الجنرال علي جمعة.. وهكذا يدلِّس!

By : أ. د. يوسف القرضاوي

يبدو أن الأحداث التي تدور من حول المرء قد  تدفعه إلى أن يتحدث في أمور كان أولى به أن يعرض عنها، وتلجئه إلى الرد على أقوام كان السكوت عنهم أفضل من مناقشتهم، ولكنها المسؤولية التي تفرض على العالم، الذي جعل شعاره قول الله تعالى: { الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا } [الأحزاب:39 ]  أن يتجاوب مع الحق، وأن يقاوم الباطل، وأن يعمل على توعية الناس بالحقائق المؤيدة بالبراهين، وألا يدع الأفكار الخرافية تعشش في عقول الخلق، دون أن يردها العلماء الصادقون، وألا يترك هؤلاء من أدعياء العلم: يخوضون فيما يخوضون فيه، وقد ظنوا أن آلة البطش العسكرية، وقبضة الفتك الأمنية، ستكمم كل فم، وتكسر كل قلم، وتعتقل كل فكر، وتميت كل ضمير حي، وتخيف كل قلب شجاع، وأن الجو قد خلا لعملاء الشرطة، وعبيد السلطة، من لاعقي البيادة، وسدنة العسكر، الذين يموهون على الناس، ويخوفون الجبناء، ويخدعون البسطاء وعوام الناس، الذين لا يعرفون شيئا عن مكرهم وعمالتهم، والذين تخدعهم مسوح العلماء وأزياؤهم، وينطلي عليهم بهرجهم وزيفهم، ويؤثر فيهم أقوالهم وعباراتهم.

هؤلاء المتحدثون عن الإسلام من علماء السلطة، وعملاء الشرطة، الذين قال الله في أشباههم: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ} [ النساء:44]

وقال عنهم:{ إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ  } [ آل عمران:77]

ها قد عاد الشيخ أو الجنرال علي جمعة إلى المشهد من جديد، ليظهر في ركاب قائد الانقلاب الدموي، وقد صار رهن إشارته ، يسير معه أينما سار، ويمضي معه حيثما مضى، يقيم معه متى أقام، ويرتحل معه أنى ارتحل، فهو لسانهم الذي يزيفون الشرع به، وهو خطيبهم الذي يلوون أعناق النصوص بمنطقه، وهذه عادته الأولى قد رجع إليها، وسنته المعروفة  من أيام مبارك، الذي طالما أثنى عليه، وعلى من كان يظن أنه وريثه.

وقد اعتاد الرؤساء والمسؤولون، أن يحضر مناسباتهم السياسية، وأن يخطب بين أيديهم في الجمع والأعياد: شيخ الأزهر، أو مفتي الديار المصرية، أو وزير الأوقاف.

ولكن العسكر وجدوا ضالتهم في هذا الجنرال المطيع، صاحب الفتاوى المطاطة، التي تتسع وتضيق، بحسب اتساع أو ضيق الرؤية الأمنية!

فيحل لهم ما أرادوا، ويحرم لهم ما شاءوا، مستمدا معلوماته عن الشارع المصري من أجهزة الاستخبارات العسكرية، ومباحث أمن الدولة، وهذا ديدنه، وهؤلاء جلساؤه، وهو رجلهم!

وكما هي عادتي أني لا أرد على الإساءات الشخصية، ولا على التطاولات غير المنهجية، وحسب صاحبنا أني أترك جزاءه إلى الله، وأدخر القصاص منه عند الله سبحانه وتعالى يوم القيامة، وأردد ما قاله صالح ابني آدم:{ لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ } [ المائدة: 28].

وقفات مع الشيخ أو الجنرال علي جمعة:

بدأ الشيخ أو الجنرال خطبته، بذكر حديث مسلم، عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه

هكذا بدأ الشيخ خطبته، وظننا أنه سيقتدي بالنبي صلى الله عليه وسلم، في هذا الحديث النبوي الشريف، أو أنه سيتأدب بأدب ربه سبحانه وتعالى الذي  قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم، كما في الصحيحين، من حديث عائشة: " إن الله يحب الرفق في الأمر كله

ولكنه أخذ يتطاول ويتهم، ويسب ويشتم، ويكيل ويرجم، ليخرج شيئا من قاموسه الفكري الذي امتلأ حقدا، وبعضا من مكنونه النفسي الذي فاض كرها، ليوجه خطابه إلى قطاع عريض من أبناء الوطن، من الذين اعتدي عليهم .. الذين حاصرهم أتباعه من رجال الأمن والجيش، فلم يقاوموا أحدا، ولم يطلقوا رصاصة، ولا رفعوا سلاحا، واستقبلوا بقلوب محتسبة، ونفوس صابرة: ما تمخض عنه اقتحام مدينتهم، وما شاهدناه على شاشات الفضائيات الحرة، بينما أغمض الجنرال عينه عنه، أو تعامى عن رؤيته: من ترويع للأطفال، وإهانة للحرائر، واعتداء على الرجال، واعتقال للشباب، وإسكات لكل صوت.

وظهر للعالم كله: كذب ما سموها إمارة كرداسة، وبهتان من ادعى أنها محصنة بالأسلحة الثقيلة، وهم أنفسهم من تحدثوا عن رابعة قبل ذلك بمثل هذه الكلمات!!

ثم جاء الجنرال ليخاطب هذه المدينة المنكوبة، التي اعتقل أبناؤها، واعتدي على نسائها، وفزّع صغارها، وروِّع كبارها، وحمَّلهم دم اللواء نبيل فراج، قائلا: قدَّر الله على هؤلاء الأوباش، أن يكون دمه في أعناقهم جميعا، وفي أيديهم الملوثة، وفي عقولهم النتنة، وفي أرواحهم المحبوسة!

إي والله، هذه ألفاظ الشيخ علي، صدرت من فمه، على منبر الجمعة، في بلدة المشتومين المأسورين!

ويقول في موضع آخر من خطبته: إنني أذكر لكم هذه الرسائل أيها الأوباش، أيها الخارجون، أيها القتلة المجرمون، وأنا رؤوف بكم، وأنا أصفكم بأنكم من الأوباش.

وفي موضع ثالث: الأوباش الفجرة

وفي آخر خطبته: والله، لقد ملتكم الأرض، ولن تبكي عليكم السماء.

هذا هو التطبيق الأخلاقي لحديث الرفق في صحيح مسلم، الذي بدأ به الشيخ أو الجنرال خطبته. أن يسب المعتدى عليهم، من المدنيين العزْل، وأن ينعتهم بأبشع الأوصاف، ويتهمهم بأسوأ التهم! وحقا هذا هو الرفق عندهم، إذا قورن باقتحام رابعة العدوية والنهضة!!

ما كانت منابر المسلمين أحوج إلى أن تتنزه عن ذلك السباب، وما كانت أجدر أن تتطهر من هذا التعدي، ولكنه الرفق الذي أخذ الشيخ جمعة على نفسه أن يلتزم به!!

وجعل من خطبته للحديث عن مقتل اللواء نبيل فراج، الذي قُتل في بداية اقتحام مدينة كرداسة، وصب جام غضيه على أهل المدينة، الذين اتهمهم ظلما وعدوانا، دون أن تنتهي التحقيقات القضائية، أو تظهر الأدلة الجنائية؛ ولكنه قام بدور النيابة والمحكمة والشرطة في آن واحد! وقد شاع في أعراف القضاء: ( المتهم بريء حتى تثبت إدانته).

بل أكثر المحللين السياسيين يرون مقتل هذا اللواء كان بيد الشرطة، فيما يطلق عليه (النيران الصديقة)، بالعمد أو بالخطأ!! وهو ما قواه تقرير الطب الشرعي، الذي تحدث عن قرب المسافة التي أطلق  منها النار عليه، والمستوى الأفقي لجهة إطلاق الرصاص، بما يخالف ادعاءات الشرطة، وهو التقرير الذي تسبب في إقالة بعض المسؤولين في الطب الشرعي!!

وإن كنا نستنكر قتل اللواء نبيل فراج أو غيره. وقد أعلن قادة التحالف لدعم الشرعية: أن الثورة سلمية، وأن سلميتها أقوى من الرصاص.

ثم لا أدري هل الحديث في مثل هذا الأمر لا علاقة له بالسياسة، التي تريدون أن تطهروا منابر مصر منها؟! أم أن السياسة المحرمة، هي ما يقض مضاجع الانقلابيين، ويحث المصريين على المطالبة بحقوقهم، ويدعوهم إلى مقاومة الظلم، وعدم الركون إلى الظالمين؟! أما إذا كانت السياسة تصب في صالحهم، فأهلا بها ومرحبا على منابر مصر المحروسة؟!

ثم جاء الشيخ علي جمعة بما لم تأتِ به الأوائل، وأطلق العِنان لقول لا ينطلي إلا على الدراويش، الذين يقول لهم مشايخهم: أغمض عينيك ثم اتبعني. ويسيرون على قاعدة الشيخ مع مريديه عند الصوفية: من اعترض انطرد.

يقول الجنرال عن اللواء القتيل: قتل غيلة، جاد بنفسه لأنه تكلم بكلمة حق عند سلطان جائر.. وكثير من الناس يعتقد أن السلطان الجائر هي الحكومة، أو صاحب السلطة، لا أبدا، السلطان الجائر هو الذي أمسك كرداسة، فأرهب الناس، فأصبح ذا سلطان، لكنه سلطان ظالم جائر فاسد فاجر، ذهب إليهم حتى يقول لهم: قفوا أماكنكم، إني أحمي هذا الشعب الكريم، من هذه الأوباش الفجرة، فجاد بنفسه، فكان شهيدا.

هكذا قال الرجل .. وأنا أعجب من جرأته على الله، وعدم حيائه من الناس، يريد أن يلصق العنف بأهل كرداسة، وأمثالهم من معارضي الانقلاب، فيقلب الآية، ويخنق الدليل، ويذبح الحقيقة.

النبي صلى الله عليه وسلم يقول:"أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر".

فجعل الجنرال من المواطنين العُزْل في كرداسة: السلطان الظالم الجائر، المعتدي المتجبر. وجعل من هذا اللواء ومن معه من الجنود المدججين بالسلاح، الذين تحميهم المدرعات على الأرض، وتحرسهم الطائرات في السماء، ويشاركهم في اقتحامهم تشكيلات جنود النخبة، من القوات الخاصة، من أصحاب التدريبات القتالية العنيفة: جعل هؤلاء جميعا هم الطرف الضعيف، الذي وقف بشجاعة ليقول للطاغية الظالم: اتقِ الله!!

هكذا يلوث الجنرال عقول الناس بهذه الخرافات، وهكذا يريد أن يغير قوانين الكون، وقوانين الناس.. أن يرى الناس النجوم في الصباح، وأن تشرق الشمس في المساء!!

وقد كذبه الواقع، عندما عجزت شاشات الإعلام الحكومي مع حليفاتها من القنوات الخاصة: أن تظهر تصديا من أهل كرداسة لقوات الجيش والأمن، أو تظهر مسلحين يطلقون النار على المقتحمين. ولكن أهل البهت لا يقولون إلا ما تمليه عليهم القيادة العسكرية، بأوامر مدموغة بخاتم البيادة!!

وتحدث الجنرال علي جمعة عن أتباع الحق، القابضين على الجمر، الساهرين على حماية العدل، المقاومين لكل أصناف الظلم، الثائرين على الطغيان، المحاربين للباطل، الراكعين الساجدين القانتين، الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، والحافظين لحدود الله. فقال عنهم: إنهم أوباش!

وذكرت قول عروة بن مسعود الثقفي، وهو يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم، عندما كان يرقب أصحابه من حوله:  فإني لا أرى معك إلا أوباشا من الناس، لا أعرف وجوههم ولا أنسابهم.

فعلمت أن المعين واحد!  إنه معين من لا ينظر إلا إلى القوة المادية، التي لا يؤمن إلا بها .. إلى دانات الدبابات، وفوهات المدافع، التي يتترس بها الشيخ جمعة، ويفتي من خلفها!

هؤلاء الذين وصفتهم بالأوباش، هم طلائع هذا الوطن، وخيرة شبابه، وزهرة هذا المجتمع، وأطهر أبنائه، ليسوا أصحاب الليالي الحُمْر، من عباد الشهوات المحرمة، أو العلاقات الآثمة، ليسوا ممن لعبت برؤوسهم الكؤوس، أو أسرت قلوبهم الغواني، أو غيبت عقولهم المخدرات، من الذين كنت تعلمهم في دروسك يا شيخ جمعة: أن الولي قد  يزني، ويشرب المخدرات، ويتاجر في الحشيش، وأن هذا لا يقلل من ولايته!

هؤلاء الشباب الطاهر هم الذين قدموا أرواحهم خالصة دفاعا عن دينهم، وهانت عليهم أنفسهم رخيصة في سبيل كرامتهم، هم الذين أبوا إلا أن يعيشوا  أحرارا، أو يموتوا أطهارا.. أن يحيوا في هذه الحياة كراما، أو يرتقوا إلى ربهم عظاما، وهم  يؤمنون بقول الله تعالى: { إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّة } [التوبة:11 ]

ويرددون قول أبي فراس الحمداني:

تهون علينا في المعالي نفوسنا      ومن يخطب الحسناء لم يغلها المهر

ولكنها معاني لا يدركها من سار في ركب العبيد، ومشاعر لا يحياها إلا من آوى إلى ركن شديد.


ثم تحدث  الشيخ علي جمعة عن القانون المصري الذي يتحاكم إليه المصريون، مخاطبا المصريين: (هل تعرفون أن مصر حياتها لم تخرج عن الإسلام قيد أنملة؟ وعلى رأي الشيخ الشعراوي رحمه الله: (إذا لم نكن نحن المؤمنين، فمن المؤمنون؟ من المسلمون؟)

ثم قال: كُلِّف رفاعة الطهطاوي بترجمة القانون الفرنسي لمراجعته على المذهب المالكي، ولم يطبق أبدا القانون الفرنسي في مصر)!!

هكذا قال علي جمعة: لم يطبق القانون الفرنسي في مصر!! إنما يطبق ما راجعه رفاعة الطهطاوي على المذهب المالكي!!

فجريمة الزنى التي أظهر الشرع الحنيف بشاعتها، واستقر في قلوب المؤمنين قبحها، وأمر الله تعالى عباده ألا يقربوها في قوله سبحانه: { وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا } [ الإسراء:32].

جاء القانون المصري الذي يدعي الجنرال علي جمعة أنه متوافق مع الشريعة، ليقول كما في المادة: 273 : من قانون العقوبات - لا تجوز محاكمة الزانية إلا بناء على دعوى زوجها. وإذا زنى الزوج في المسكن المقيم فيه زوجته: لا تسمع دعواه عليها .

وفي المادة: 274 :-المرأة المتزوجة التي ثبت زناها يحكم عليها بالحبس مدة لا تزيد على سنتين، لكن لزوجها أن يوقف تنفيذ هذا الحكم برضائه معاشرتها كما كانت

فالقانون المصرى لا يعرف الزنى، إلا إذا كان أحد الزانيين متزوجا!

فى القانون المصرى، الذي يدعي الجنرال موافقته للمذهب المالكي  جاء تنظيم وتقنين شرب الخمر ، كما في قانون رقم 63 لسنة 1976

الذي حدد أماكن بيع الخمر وشربها في مصر، بما يتنافى مع حرمتها، ويتعارض مع قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } [ المائدة:90].

وقد أفاض كبار القانونيين والمفكرين في الحديث عن فرض القوانين الأجنبية على مصر فرضا، تحت وطأة الاحتلال الإنجليزي، مع معارضة الوطنيين والمخلصين من أبناء مصر لهذه القوانين، وما فتئ المناضلون من رجال القانون في مصر ينادون بالعودة إلى الاحتكام إلى الشريعة الإسلاميةفي مصر.

ويتحدثون عن تشكيل اللجان التي قامت بدراسة الأوضاع القانونية، وإعداد القوانين التي تحكم بها المحاكم الأهلية، فقد كان جل أعضائهما من الأجانب أو المسيحيين، كما أفاض في ذلك الدكتور محمد سليم العوا في كتابه: ( في أصول النظام الجنائي الإسلامي

وإذا كانت الشريعة الإسلامية  هي التي نتحاكم إليها كما يدعي هذا المدلس، وإذا كنا لا نتحاكم إلى القانون الفرنسي أبدا على حد زعمه، فلماذا قامت حركة تقنين الشريعة في عهد الرئيس الراحل أنور السادات، الذي عملت فيه لجان مجلس الشعب في أواخر السبعينيات، وانتهت منه تماما في أوائل الثمانينيات.

وأنقل لإخواننا المسلمين، الذين يسعى هذا الماكر إلى تضليلهم: جزءا من مقدمة لجان تقنين الشريعة، في مجلس الشعب عام 1983، وهي لجان لم يسيطر عليها الإسلاميون، وإنما جاءت وليدة شعور عام في مصر عند عموم الشعب ومثقفيه، وقد جاء فيها:

(لقد تاقت النفوس من أبناء شعب مصر العظيم، منذ فترة طويلة إلى تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية، كما تطلعت إلى اليوم الذي يكون فيه مرد الأمر إلى أحكام الله تبارك وتعالى، التي فطرت عليها طبيعة هذا الشعب. ولقد كانت ترتفع الأصوات مطالبة بضرورة تقنين أحكام الشريعة الإسلامية؛ لأن فيها وحدها صلاح حال أبناء هذا الوطن ... يقتضي بالضرورة العمل الدؤوب لإصلاح ما اعترى التشريعات من نقص وعيب، وتعديل النصوص التي تخالف أحكام الشريعة الإسلامية).

ثم تأتي كلمة الدكتور صوفي أبو طالب – رئيس مجلس الشعب - التي قال فيها: ( آن الأوان لإعمال نص المادة الثانية من الدستور، التي تقضي بأن مبادئ الشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع، بحيث لا يقتصر الأمر على عدم إصدار تشريعات مخالفة لهذا النص؛ بل يتعداه إلى مراجعة كل قوانينها السابقة، على تاريخ العمل بالدستور، وتعديلها بالاعتماد على الشريعة الغراء).


واعتبر الدكتور صوفي أبو طالب:  أن حادثة اغتيال السادات هي التي عطلت فعليا تطبيق قوانين الشريعة في مصر؛ لأن المشروع تم ركنه في أدراج مجلس الشعب بعد ذلك، مع عدم وجود قرار من القيادة السياسية لتفعيلها مرة أخرى. وليرجع من شاء إلى تقارير لجان تقنين الشريعة الإسلامية في مجلس الشعب عام 1983م.

ومع هذا يقول هذا الرجل: إن القانون الفرنسي لا يطبق في مصر، وإنما يطبق ما توافق منه مع المذهب المالكي!!

وهذا هو المستشار أحمد الزند، رئيس نادي قضاة مصر، المعروف بعدائه للتيار الإسلامي يقول، كما نقلت صحيفة المصري اليوم بتاريخ 25أكتوبر 2012 وغيرها: إن قانون العقوبات المصري يحتوي على مواد تخالف الشريعة الإسلامية، مطالبًا المشرع بأن «يخلصنا من تلك المواد التي قد تؤدي بنا إلى (التهلكة)»، وأن يصبح القانون «إسلاًميا بحتًا».

هكذا قال المستشار أحمد الزند، وهو من رجالكم أيها الجنرال!

وأخذ الجنرال يموه على المسلمين تمويها عجيبا، تحت شعارات المديح لهم، حتى يقبلوا هذا الزيف، عندما يرتدي الباطل ثوب الحق، وحتى يروج عليهم الكذب، عندما يلبس الذئب مسوح الحمل، فيقول: والله الذي لا إله إلا هو، إن هذه الديار المباركة، عبر عصور الإسلام، لم تقطع يد سارق، ولم ترجم زانيا، ولم تضرب أحدا، أتدرون لماذا أيها الشباب المغرر به؟ إن ذلك لتطبيق الإسلام، وليس للخروج عن الإسلام.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ادرأوا الحدود بالشبهات" فدرأوا الحدود بالشبهات، فلم يستطيعوا أن يقيموا حدا بأمر الله.

هكذا يخادع الجنرال علي جمعة، وكأن الحدود قد أقرت في هذا القانون، ولكن الذي أوقف تطبيقها عدم تيقن الجريمة، وكأن نصوص القانون قد أثبتت العقوبة، ولكن القضاة عجزوا عن تطبيقها!!

هل يوجد في قانون العقوبات المصري يا جنرال الأزهر حدود القتل، أو الزنى، أو شرب الخمر، أو القذف؟! ولكن القاضي لم تتوفر لديه شروط تطبيقها، أم أن قانون العقوبات خالٍ من ذلك؟! وأنت تكذب من فوق المنبر؟!

هذه الحدود التي قلت: إننا لا نطبقها لأن النبي صلى الله عليه وسلم هو من قال لنا ذلك، ونسيت أن الله سبحانه هو الذي شرعها لعباده من فوق سبع سموات، وقال عند ذكر جريمة الزنى في خاتمة الآية: { وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ  } [النور:2 ].

وعند ذكر حد السرقة قال سبحانه في خاتمة الآية:{ جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } [ المائدة:38].

وسنت النبي صلى الله عليه وسلم كانت تمثل التطبيق العملي لآيات القرآن الكريم، وقد طبق عليه الصلاة والسلام من الحدود ما ظهر دليلها، أو اعترف أصحابها بها الاعتراف المطلوب شرعا..

ألم يطبق رسول الله صلى الله عليه وسلم حد الزنى على ماعز والغامدية، لما اعترفا بالزنى؟!

ألم يطبق رسول الله صلى الله عليه وسلم حد السرقة، على المخزومية التي كانت تستعير المتاع وتجحده، ثم سرقت، فقطع يدها وقال مقالته الرائعة: " وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها

وأثر عن النبي صلى الله عليه وسلم، كما في الصحيحين، من حديث عائشة: " ما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه في شيء يؤتى إليه، حتى ينتهك من حرمات الله، فينتقم لله".

وإن كنا نرى أهمية التدرج في تطبيق هذه الحدود، ونرى ضرورة العمل على تهيئة المجتمع لذلك. وفارق كبير بين من يسعى لإبطال الحدود بالكلية، بمثل هذه الدعاوي، وبين من يراعي أخذ الناس بالرفق والتدرج، فلو اعتذر الشيخ جمعة بغير ذلك لكان أولى!

ولكن هكذا يتحدث فقيه الشرطة، وعالم السلطة: إننا نتحاكم إلى شريعة الله ولا نطبق الحدود؛ لأن رسول الله أمرنا بذلك!!

ولم يستحِ الجنرال الذي كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، عندما ذكر حديثا منكرا، وادعى أنه في صحيح مسلم، مع أننا ذكرنا ذلك في ردنا الأول عليه، بما لا داعي لتكراره، ولابد أنه قد بلغه، أو أن بعض طلبة العلم قد نبهه إلى خطئه، ولكنه يصر على ذلك، لا لشيء إلا أنه يريد تسويغ  الجرائم التي يقوم بها قادة الانقلاب، الذين يسير في ركابهم، بمثل هذا الحديث !! ولا لشيء إلا أن الآلة الإعلامية للانقلابيين ترى في ذلك تقوية لموقفهم الضعيف، وتجميلا لأعمالهم القبيحة، وتدعيما لطريقهم المعوج!

هكذا يكذب الجنرال على رسول الله صلى الله عليه وسلم، مرات ومرات، من أجل هدف دنيء، وغاية شوهاء، ولعاعة من الدنيا سرعان ما تزول، أو يزول هو عنها، ومنصب مأمول، يبيع دينه من أجله والنبي صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث الصحيح المتواتر: " إن كذبا علي ليس ككذب على أحد، من كذب علي متعمدا، فليتبوأ مقعده من النار".

يقول الشيخ الجنرال أو الجنرال الشيخ: نصدق من؟! نصدق رسول الله؟ أم نصدق أناسا قد أصابهم الله في أرواحهم وقلوبهم وعقولهم وسلوكهم، حتى أصبحوا مجرمين؟. ونحن نصدق رسول الله.

هكذا قال، وكبرت كلمة بهتان تخرج من فمه، وعظمت كذبة نكراء نطق بها لسانه. يأتي بحديث منكر، ثم يدعي أنه في صحيح مسلم، ثم يدافع عنه، ويوالي فيه، ويعادي عليه، ويطلق السباب على من فضح كذبه!

ولا أدري كلمة (الخوارج) التي ملأ الجنرال علي جمعة برامجه بها، وأقام الدنيا وأقعدها من أجل إلصاقها بخصومه، والتي رد عليه في استخدام مدلولها: قامات كبيرة، أمثال الدكتور حسن الشافعي: مستشار شيخ الأزهر، ورئيس مجمع اللغة العربية، والمفكر الإسلامي الكبير: الدكتور محمد عمارة، و المرشح الرئاسي والخبير القانوني، والمفكر الإسلامي القدير: الدكتور محمد سليم العوا، وغيرهم، وهم من كبار العلماء والمفكرين في مصر، هذه الكلمة التي يريد أن يلصقها بمعارضيه، وأن يصم بها كل من خالفه الرأي؛ لما يعلم من أثر هذه الكلمة على العامة، متخذا من أخلاق الصالحين وعباداتهم، وتمسكهم بدينهم وعقيدتهم مدعاة لتشبيههم بالخوارج، لذا نجده يقول: نصدق من وصفهم رسول الله فصدق فقال: "تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم، وصيامكم إلى صيامهم، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية، يقولون من كلام خير البرية، لا يجاوز إيمانهم تراقيَهم"؟!

وكأنه لا يريد أن يصدق إلا  دعاة الفجور، ورعاة الشرور، الذين يرحبون ويصفقون لعاريات الصدور، وكاشفات النحور، وداعيات السفور، وأن لا يضع ثقته إلا في شاربي الخمور، ومنكري النشور!

وكأن كل من أكثر الصيام، وداوم على قراءة القرآن، وأمر بالمعروف، ونهى عن المنكر، واحتفظ بسمت الإسلام: قد أصبح من الخوارج!

وفي بادرة فريدة، يتساءل علي جمعة، موجها حديثه للشباب: هل أنتم تذكرون الله؟ اسأل نفسك، ربنا قال: { وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ} [الأحزاب:35]. هل تذكر الله كثيرا؟ { وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [ الأنفال:45]، وقال: { أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ } [الرعد:28 ].، هل أنتم تذكرون الله؟ ليراجع كل واحد منكم نفسه ... لماذا لا تذكرون الله؟ إنهم لا يذكرون الله إلا قليلا.

انظر: صلاته تطول، وصيامه يطول، ولا يذكر الله، حاجة غريبة، صدق رسول الله. { وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ } [الأنفال:24].

ولا أدري ماذا يقصد بذكر الله، وقد اعترف أنهم يصلون طويلا، ويصومون كثيرا، وذكر قبل ذلك أنهم يكثرون تلاوة القرآن، فأي ذكر لله أرقى من الصلاة، التي هي مناجاة العبد لربه، أو من تلاوة القرآن الذي هو خطاب الله لخلقه؛ إلا أن يريد بذكر الله ما يقوم به بعض ... الذين يعلقون أشياء في أعناقهم، ويتمايلون يمنة ويسرة، في ذكر جماعي مخصوص، اشتهرت به طائفته!!

وفي تهديد صريح، إلى من عارض الانقلاب، يدعو علي جمعة إلى التراجع عن معارضة الانقلاب، ويسمي ذلك توبة، وقد سمى المعارضين (خوارج) كعادته، ثم أعلن أن جنرالات الانقلاب، سيكونون مضطرين إلى شن حرب على من لم يتب، ويعود إلى رشده، لأن هذا هو أمر الله تعالى، فهو الذي كتب ذلك على المؤمنين، من أنصار علي جمعة!!

يقول الشيخ جمعة: تب إلى الله أيها المجرم، تب إلى الله أيها الخارجي، تب إلى الله؛ لأنك لو تبت إليه قبِلَك وقبلناك.

فإذا أخذتك العزة بالاثم، كما هو متوقع، وكما تجري سنن الله في أمثالهم، فإنا لله وإنا إليه راجعون، { كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ } [ البقرة:216].

فقد قسم المصريين إلى مؤمنين (وهم أتباع الانقلاب على الرئيس الشرعي)، وخوارج (وهم من عارضوا الانقلاب)، ثم دعا هؤلاء الخوارج إلى أن يعودوا إلى الإيمان العسكري، وألا يخرجوا عن طاعة الانقلابيين، وإلا فالويل والثبور، فرابعة العدوية والنهضة، ومن قبلهما مجزرة  شارع النصر، أو الجندي المجهول، ومذبحة الساجدين: نماذج ماثلة أمام الأعين، لمن أراد معرفة جزاء من لا يتوب إلى العسكر، ويندم على المشاركة في ثورة يناير، ويعلن براءته من كل عمل يؤدي إلى الحرية!!

وفتح الجنرال جمعة الباب على مصراعيه، أمام الطغاة من المتجبرين في الأرض، من قادة الانقلاب على الشرعية الدستورية ، ليزدادوا قتلا، ويعطي فتاوى الاعتداء على الحرمات، وتصاريح ترويع الآمنين، وإزهاق الأنفس باسم الإسلام، وإن كان بشعا في القلوب، فظيعا على النفوس، كريها في العقول!!

هكذا يلبس الشيخ أو الجنرال علي جمعة، وهكذا يدلس!  ولا حول ولا قوة إلا بالله!

{رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ * رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [ الممتحنة:4-5 ].

يوسف القرضاوي

رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

 رواه مسلم في استتابة المرتدين  ( 6927) عن عائشة.

 متفق عليه: رواه البخاري ( 6024)، ومسلم (2165)، كلاهما في الأدب، عن عائشة.

 في أصول النظام الجنائي الإسلامي للدكتور محمد سليم العوا (31-62).

متفق عليه: رواه ابخاري في أحاديث الأنبياء (3475)، ومسلم في الحدود (1688)، عن عائشة.

 متفق عليه: رواه البخاري في الحدود ( 6853) ، ومسلم في  الفضائل ( 2328) عن عائشة.

 متفق عليه: رواه البخاري في  الجنائز (1291)، ومسلم في المقدمة (4 ) عن المغيرة بن شعبة.


اترك تعليق