الحركات السیاسیة الإسلامیة بین الثورات والثورات المضادة:

By : أ. د. يوسف القرضاوي

قراءة في رؤى أكادیمیة وفكر یة للحال والمآل


أ. د. نادیة مصطفى
أمجد أحمد جبریل
شیماء بهاء الدین


على مدار أكثر من سبعة أشهر، دار في مصر والوطن العربي جدال جدید/قدیم
على الصعیدین العلمي لوافكر ي، حول مستقبل الحركات السیاسیة الإسلامیة بعد
انقلاب 3 یولیو 2013 . وفي هذا السیاق انعقد عدد من الندوات العلمیة، وتواترت
بعض الكتابات الأكادیمیة والصحفیة التي تحاول استشراف مستقبل هذه الحركات.
وهذا التقریر یحاول استعراض بعض هذه الإسهامات وتلخیص نتائجها، بغیة
استشراف مستقبل الحركات السیاسیة الإسلامیة في مصر والوطن العربي، مع
التركیز خصوصا على الحالة المصریة، وذلك سعیا نحو اكتشاف الجدید في هذا
الجدال بعد الثورات وخاصة بعد انقلاب 3 یولیو؛ الذي انكشفت معه كل تحدیات
الثورة المضادة أمام الحركات السیاسیة الإسلامیة، لیس في مصر فحسب، ولكن في
بقیة الحالات أیضا.


وإ ذا كان السؤال المطروح منذ ثلاث سنوات كان: "ما هو مستقبل الثورات في ظل
الصعود الإسلامي المصاحب لها؟"، فإن السؤال المطروح الآن: "ما هو مستقبل
الحركات السیاسیة الإسلامیة في مواجهة الثورة المضادة؟". ومن هنا أهمیة المفصل
الحالي من مفاصل تطور مسار الحركات السیاسیة الإسلامیة في تفاعلها مع التطور
في المجتمعات والدول القومیة.


بید أن هذا التقریر سیبدأ أولا باستعراض خمس ملاحظات منهجیة قبل الخوض في
تفاصیل موضوعه المباشر، وهي ملاحظات مهمة في إدراك طبیعة المشهد المصري
والعربي الراهن، فیما یتعلق بالعلاقة بین الدیني والسیاسي عموما،ً و مستقبل
"الحركات السیاسیة الإسلامیة" المنتشرة في ربوع العالمین العربي والإسلامي.
أولى الملاحظات أن هذا التقریر یتجنب استخدام مصطلح "الإسلام السیاسي"،


2
ویفضل استخدام مصطلح "الحركات السیاسیة الإسلامیة"، انطلاقا من منظور
حضاري یرى أن البعد السیاسي- على أهمیته- هو أمر جزئي یتم تسكینه في إطار
منظومة حضاریة شاملة. ورغم شیوع مفهوم "الإسلام السیاسي" في الأدبیات
والخطابات الحدیثة حول الظاهرة السیاسیة الإسلامیة، فإننا لا نفضل استعماله من
باب أنه یشیر إلى "الإسلام" على عادة الغربیین، بینما المقصود مسلمون أو
إسلامیون. كما أن فیه إشارة إلى تجزئ الإسلام، وتفكیك التصور الإسلامي المتكامل
إلى إسلامات مختلفة. وهو ما نتحفظ علیه، لأنه لا یعبر عن منظورنا الحضاري
الإسلامي بتكامل مجالاته ومستویاته وأبعاده. وبناء علیه نفضل في التعبیر عن هذه
الظاهرة مفهوم "الحركات السیاسیة الإسلامیة"، إشارة إلى الكیانات الحركیة العاملة
في المجال السیاسي من مرجعیة إسلامیة متعددة الاجتهادات.


وثاني الملاحظات أن كثیرا من الأكادیمیین والمثقفین طالبوا - بعد انقلاب 3
یولیو- الحركات الإسلامیة وخصوصا حركة الإخوان المسلمین، بالقیام بمراجعة
ذاتیة ونقد الأخطاء التي وقع فیها الإسلامیون أثناء تجربتهم القصیرة في السلطة،
التي لم یتمكنوا من مفاصلها مطلقا في ظل حالة تجمع بین الأخطاء من جهة وبین
الشكوك المضخمة وتصید الأخطاء والتربص بالإسلامیین من جهة أخرى. والمؤكد
أن مراجعة الذات وممارسة النقد الذاتي وتصحیح الأخطاء هي أمور مطلوبة دائما،
لكن لا یجب أن تقتصر على الإسلامیین وحدهم، وإ نما أن ت طُالب بها القوى
السیاسیة والمؤسسات جمیعها أیضا، التي ارتكب بعضها أخطاء تفوق بمراحل
أخطاء الإخوان. ناهیك عن الفارق بین المراجعة في إطار من الحوار الوطني،
ومراجعة في إطار الحل الأمني والاتهام بالإرهاب.


لقد كان هناك شكوك كبیرة واتهامات (بغض النظر عن مصداقیتها) فیما یمكن أن
تفعله الحركات السیاسیة الإسلامیة بعد أن تصل إلى السلطة. "ولم یتردد خصوم
الحركة الإسلامیة في التوظیف الفعال لهذه الشكوك والاتهامات من أجل ترتیب
تحالفات مضادة للإسلامیین قبل وبعد وصولهم إلى السلطة. وتأثر بهذه الشكوك
عدد لا بأس به من الكوادر المثقفة والسیاسیة للیسار ومن أصحاب الاتجاه اللیبرالي؛


3
إذ قامت أعداد كبیرة منهم بإسناد جهاز الدولة في عدد من الأقطار العربیة التي
. رفضت القیام بإصلاحات دیمقراطیة عمیقة" 1
أما الملاحظة الثالثة فتتعلق بحال الإسلامیین قبل الثورات الذي یتلخص في أنه
جرى صوری اً إدماج الإسلامین "المعتدلین" في بعض النظم السیاسیة العربیة (الكویت
والأردن والمغرب)ع بر مشاركة مقننة لتوفیر الشرعیة السیاسیة لهذه النظم داخلی ا
وخارجی اً. وذلك في الوقت الذي ظل فیه نظراؤهم الإسلامیون في مصر وغیرها جزءا
من المعارضة ولكن المحظورة.ف ي حین جرت هندسة حملة دولیة وإ قلیمیة لمحاربة
الإسلامیین "المتشددین"، بینما أُلحق "السلفیون التقلیدیون" كدعائم مساندة لنظم
الاستبداد السیاسي بالمنطقة. وكان التمییز آنذاك واضحا بین الإرهاب (الإسلامیین
المتشددین والمسلحین من جهة، وبین الإسلامیین المعتدلین والإسلامیین التقلیدیین).
أما عقب اندلاع الثورات، وهذه هي الملاحظة ال ا ربعة، فقد صعد الإسلامیون
"المعتدلون" عبر استحقاقات انتخابیة بإرادة شعبیة، وهنا واجه الإسلامیون نوعین من
التحدیات؛ أحدهما یتصل بالأزمات المتراكمة في دول الثورات، وما كان في المقابل
من ثورة توقعات لدى الجماهیر لكسر هذه الأزمات. أما النوع الآخر، فهو قوى الثورة
المضادة بشكل مباشر وغیر مباشر، بما تشمله من أطراف داخلیة وخارجیة.و إ ذا ما
تحدثنا عن الحالة المصریة على وجه الخصوص، فقد تضافر التحدیان لأجل إسقاط
الإسلامیین وقبلهم إسقاط الثورة المصریة، وذلك عبر انقلاب 3 یولیو 2013 . ثم
إلصاق تهم الإرهاب والتشدد والعنف بهم من خلال ربط مقصود وبدون أدلة
بالحركات المسلحة في سیناء وسوریا.


إ لا أن ما ی ثُیر التساؤل حق اً هو انخراط قوى شاركت في ثورة 25 ینایر في إسقاط
الدیمقراطیة قبل أن تسقط الإسلامیین. فهل كانت سیاسات الإسلامیین تستحق إسقاط
الدیمقراطیة، بل ومساندة الثورة المضادة؟! ومن ثم تأتي أهمیة رصد ما قالته هذه
النخب -الأكادیمیة والفكریة- وخاصة شركاء الانقلاب في مصر عن ما یسمونه
1 - بتصرف عن: د. محمد السید سعید، "التیار الإسلامي ومستقبل السیاسة العربیة"، شؤون عربیة، العدد
. 125 ، ربیع 2006 ، ص 81


4
حركات الإسلام السیاسي؟ أي الحركات التي یشاركون في -أو یسكتون عن- عملیة
تصفیتها وتقیید وجودها السیاسي والمجتمعي تحت ذریعة "الإرهاب" وتهدید "الأمن
المصري"؟


أما الملاحظة الخامسة فهي أن أغلب كتابات الأكادیمیین والمفكرین العلمانیین عن
مستقبل الحركات السیاسیة الإسلامیة بعد انقلاب 3 یولیو اتسمت بالجزئیة وعدم
الموضوعیة، كأنما كانت تستعید المنظورات الجزئیة في دراسة الظاهرة الإسلامیة
التي ظهرت منذ السبعینیات من القرن العشرین؛ فالبعض أو الاتجاه الأول فس رّ
ظهور الحركات الإسلامیة بأنها نتاج مجتمعات متأزمة وجامدة ومسكونة
بالصراعات، ومن ثم أسقط عیوب المجتمع على هذه الحركات دون دراسة جادة أو
تمحیص. أما الاتجاه الثاني فرأى أن أحداث أو متغیرات عقد السبعینیات من القرن
العشرین هي تفسیر ظهور هذه الحركات، بما یعني أنها صنیعة السلطة وتابعة لها
في معظم إن لم یكن كل الحالات. أما الاتجاه الثالث (وهو المنظور الحداثي
التنموي) فرأى أن هذه الحركات هي ظاهرة حداثیة تعكس مسیرة الحداثة في
. المجتمعات الإسلامیة التي لم تستطع تقبل تغیرات فاقت قدرتها على الاستیعاب 2
ومجمل هذه الاتجاهات وغیرها أن هذه الحركات لیست "طبیعیة" وتطرح من الأزمات
والمشاكل أكثر مما تطرح من الحلول، لعوامل كامنة في ذاتها بالأساس، كما أن
مجمل هذه الاتجاهات تنبني على "مقیاس أو میزان" علماني بالأساس، أي تقوم على
التقییم من خارج "الظاهرة" ذاتها، وباستعلاء یعتبر الحداثة والمدنیة العلمانیة هي
"المرجعیة". إذن ما الجدید بعد الثورات المضادة والانقلاب في مصر؟


ویمكن القول إن نتائج القراءة في عدد من أوراق المؤتمرات -التي عقدت طیلة
الأشهر الستة الماضیة-، وفي عدد من الدراسات والمقالات المنشورة في الفترة نفسها
حول مستقبل الحركات السیاسیة الإسلامیة في العالم العربي تتلخص في المحاور
2 - حول هذه المنظورات: راجع: محاضرة د. عماد شاهین، "نماذج من علم السیاسة من منظور حضاري
إسلامي مقارنة بالمنظورات الأخرى للعلم: دراسة الحركات الإسلامیة"، مركز الحضارة للدراسات السیاسیة، القاهرة
2013/10/5 . على الرابط:
https://www.youtube.com/watch?v=9neBHNO7wGk


5
الآتیة:
أولا- هل الصعود الإسلامي تهدید للدیمق ا رطیة أم إنقاذ لها؟ وهل كان التخلص من
الإسلامیین یستحق الإضرار بالدیمق ا رطیة أم هو إنقاذ لها؟
یمكن التمییز بین أكثر من مرحلة في الحدیث عن الإسلامیین، مع صعودهم في
البرلمان، وفي أثناء وجودهم بالحكم، وبعد انقلاب 3 یولیو.و إ جمالا یمكن القول
بوجود اتجاهین رئیسین؛ أحدهما یقول بفشل مطلق للإسلامیین. وعلى نحو قریب
من هذا الاتجاه هناك من یرى أن الإسلامیین نعم قد استجابوا لبعض المطالب
الشعبیة والمعارضة، وخففوا من مواقفهم المتشددة، إلا أن هذا الاتجاه یرفض إرجاع
ذلك إلى تنامي حس دیمقراطي لدى الإسلامیین، ولكنه ینسب هذا التغیر إلى أسباب
أخرى أدت إلى تراجع شعبیة الإسلامیین، وهي من وجهة نظر هذا الاتجاه: رغبة
الإسلامیین في السیطرة على السلطة بشكل كامل جعلتهم یدخلون في مواجهة مع
مؤسسات الدولة كالقضاء والإعلام، عدم القدرة على اختراق المؤسسة العسكریة،
رفض المجتمع فرض نمط ثقافي معین علیه. ولا شك أن هذا الاتجاه یتغافل عن
كثیر من الحقائق التي توضح كیف أن سبب المواجهة الأساسي مع هذه المؤسسات
هو أنها جزء من الثورة المضادة، كما لا یوجد ما یستدل منه على توجه لفرض نمط
.( ثقافي معین على المجتمع( 3


أما الاتجاه الآخر، فینتقد مقولة فشل الإسلامیین في الحكم، خاصة أن البعض
یطرحها وكأنها مسلمة أو أطروحة لا جدال فیها، فضلا عن اختراع نظریة جدیدة
هي "شرعیة الشارع لا شرعیة الصندوق". ویرى هذا الاتجاه أن تجربة الإسلامیین في
الحكم لم تبدأ بعد بالمعنى ال حقیقي، وإ ذا كانت مدة حكمهم تعد بالأشهر، فإن غیرهم
من القومیین والیساریین أخذوا عقودا من الزمن في الحكم قبل أن ی حُكم على
تجاربهم. كما أن تجربة الإسلامیین في الحكم لم تتوفر لها الشروط الموضوعیة
للنجاح أصلا، أكثر من ذلك، فقد تعرضوا وما یزالون لشبكة معقدة من الفخاخ من
ق بِل الدولة العمیقة التي عمل رجالها على إفشال تجربة الإسلامیین بالتنسیق مع كافة
3 - سعید رفعت، "الحكم الإسلامي بین كفاءة الأداء الداخلي وواقعیة التعامل الخارجي"، شؤون عربیة، العدد
. 154 ، صیف 2013 ، ص 6


6
القوى السیاسیة المناهضة لهم في الداخل والخارج. وفي الوقت ذاته لا ینفي ذلك
الاتجاه أن الإسلامیین أخطأوا في فترة حكمهم قصیرة المدى، فقد أخطأوا وأصابوا
كما هو شأن غیرهم من القوى السیاسیة.ول كن اللافت أن أخطاء الإسلامیین ت ضُخ مّ
.( عن عمد ویجري تحویلها في الآونة الأخیرة بشكل ممنهج إلى خطایا عظیمة( 4
وفي هذا الصدد كتبت د. مروة فكري إن تصور القوى المدنیة (العلمانیة) التي ألحت
في طلب تدخل الجیش لإنهاء حكم الإخوان المسلمین، یقوم على أربع ركائز في
الحقیقة؛ أولها التقلیل من شأن نتائج الانتخابات، وعدم الاعتراف بأي وضع متمیز
للتیار الإسلامي استنادا إلى تلك النتائج. وثانیها التركیز على وضع الإطار القانوني
والدستوري (أي قواعد اللعبة) الذي یضمن الحقوق والحریات قبل أي دمج
للإسلامیین في الحیاة السیاسیة، أو ما یعرف أحیانا ب "الدستور أولا". وثالثها وجود
تصور أو أفكار ضمنیة لدى هذه القوى العلمانیة "تتعلق بعدم القدرة على التطبیع مع
التیارات الإسلامیة بمعنى التعامل معها على أنها مكون طبیعي في النظام السیاسي
والمجتمع المصري. ورابعها أن تصور القوى العلمانیة یقوم على افتراض أن الأساس
في الحیاة السیاسیة هو عدم إدماج التیار الإسلامي فیها، ومن ثم إذا كان لا بد من
هذا الادماج، فلا بد من أن یجري وفق القواعد التي تضعها القوى السیاسیة غیر
. الإسلامیة" 5


ثانیا- أبرز الإشكالیات محل الجدال في الحكم على الإسلامیین:
وسیجري هنا عرض خمس نقاط جدلیة؛ أولها العلاقة بین السیاسي والدیني والدعوي
والحزبي. وثانیها فلسفة الدیمقراطیة وآلیاتها. وثالثها الإسلامیون من المعارضة إلى
الحكم. ورابعها الجدل حول إدارة العلاقة بین الدین والمجتمع والدولة. وخامسها علاقة
الإسلامیین بالخارج ومشروعات تقسیم المنطقة.
2013 . على /10/ 4 - عبد الرحمن محمد فرحانة، "هل فشلت تجربة الإسلامیین في الحكم؟"، الجزیرة نت 16
الرابط:
http://www.aljazeera.net/opinions/pages/3cfcb1b1-b4bd-434f-bef0-c0b850376c


5 - مروة فكري، "صعود إسلامي أم فشل علماني؟ محاولة لفهم نتائج الانتخابات المصریة بعد ثورة 25 ینایر"،
في: مجموعة مؤلفین، الإسلامیون ونظام الحكم الدیمق ا رطي: اتجاهات وتجارب، بیروت: المركز العربي للأبحاث
.119 - ودراسة السیاسات، 2013 ، ص 118
7


أ-العلاقة بین السیاسي والدیني والدعوي والحزبي:
یبدو أن تداخل السیاسي بالدعوي والحزبي بالدیني في الخطاب السیاسي
للإسلامیین، قد أثار حفیظة القوى المناوئة لهم، وفج رّ مخاوف القوى الغربیة المراقبة
للمشهد العربي كذلك، وفي نهایة المطاف تحالف الداخل والخارج ضد تجربتهم،
تحت ذریعة المخاوف من الدولة الدینیة والتهدیدات لمدنیة الدولة.
وقد كتب د. نصر عارف موجها نقدا لاذعا لتنظیم الإخوان "الذي كان على مدى
ثلاثة أرباع القرن في مواجهة مستمرة مع الدولة، وأحیانا مع المجتمع، بصورة جعلت
من المنتمین لهذا التنظیم یعیشون حالة دائمة من الاستنفار، والحذر والترقب،
تجعلهم لا یثقون في أي طرف خارج إطار الجماعة والتنظیم، ویتعاملون مع باقي
المجتمع بمنهج التقیة الذي اتبعته بعض طوائف الشیعة. وبهذا لجأ الإخوان إلى
العزلة الشعوریة عن المجتمع، مما أدى إلى ظهور خطاب إخواني أحادي البعد،
تجلى في خطابات الرئیس محمد مرسي أثناء حملته الانتخابیة؛ إذ قدم خلالها وبعد
تولیه المنصب بقلیل، قدم خطابا أحادي البعد كأنه في مسجد، وكأن المجتمع الذي
یخاطبه لیس فیه إلا الإخوان المسلمون. فكان الخطاب ذا رطانة فقهیة، متقعرة
الألفاظ بلاغیة، تركز على المثالیات، لا ترى إلا الحقائق اللغویة، وكأن الكون عبارة
. عن منظومة من الكلمات إذا قیلت تحولت إلى حقائق واقعیة" 6


ب- الدیمق ا رطیة: الفلسفة والآلیات:
قبل عشر سنوات تقریبا كتب د. محمد السید سعید في موضوع الجدل حول دمقرطة
حركات الإسلام السیاسي، وأشار إلى "ثلاث حقائق: أولها أن جمیع حركات الإسلام
السیاسي بدأت بموقف یرفض أو على الأقل ینظر بتوجس وارتیاب للدیمقراطیة(..)
وغالبا ما فضلت هذه الحركات بما فیها الحركة الأم في القرن العشرین (أي حركة
الإخوان المسلمین) أن تتحالف مع المؤسسة الملكیة أو الحكام القائمین وخاصة الذین
یحكمون باسم شرعیة دینیة عن التوافق مع القوى الدیمقراطیة العلمانیة. ثانیها أن ثمة
قدرا واضحا من التنوع في موقف حركات وتیارات الإسلام السیاسي من قضیة
6 - د. نصر عارف، "نهایة الإسلامویة الحداثیة للإخوان المسلمین"، السیاسة الدولیة، العدد 194 ، اكتوبر
. 2013 ، ص 64


8
الدیمقراطیة. فبنما ترفضها بعض هذه الحركات، تقبلها حركات أخرى. والحقیقة
الثالثة أنه لا توجد حركة إسلامیة في العالم العربي حسمت تماما تبنیها للدیمقراطیة
بالمعنى الممیز لهذا المصطلح في النظریة السیاسیة الحدیثة. كما أن مفهوم هذه
الحركات للدیمقراطیة قابل للتراجع والانتكاس في الممارسة العملیة، نظرا لأنه لم
ینغرس حقا بصورة كاملة في النظریة السیاسیة. إذ یظل مفهوم الشریعة البؤرة
المركزیة للخطاب وتتم التضحیة بأیة قیمة أو معنى آخر عندما یبدو وكأنه یتعارض
.( مع الشریعة"( 7


ویشیر باحث آخر إلى أنه من المآخذ على الإسلامیین في هذا السیاق، استخدام
أسالیب الحشد بدلا من بناء الشراكة مع القوى الأخرى، مما عظم من حالة
الاستقطاب، وأدى لعدم قدرة كافة الأطراف على ممارسة العمل المشترك، والعجز
.( عن تبني خطاب قومي جامع( 8


وبناء على ما هو معروف من خصوصیة التجربة العربیة والإسلامیة، فهناك من رأى
. ضرورة أن یكون للعرب و للإسلامیین إسهامهم الذاتي في المسألة الدیمق ا رطیة 9
ج- الإسلامیون من المعارضة إلى الحكم:


كان الإخوان أكبر قوى المعارضة في عهد مبارك، بل یمكن القول إنها كانت القوة
المعارضة الوحیدة فعلی اً، لاسیما في ظل ضعف الأحزاب السیاسیة، إلا أن مفاتیح
الدولة ظلت حبیسة أدراج نظام مبارك، وبالتالي فإن الاندلاع المفاجئ للثورات، ثم
وصول الإسلامیین للحكم جعلهم یواجهون هذه الدولة دون معرفة كافیة بأسرارها،
فضلا عن حجم الفساد بها.


7 - د. محمد السید سعید، "التیار الإسلامي ومستقبل السیاسة العربیة"، شؤون عربیة، العدد 125 ، ربیع
.80 - 2006 ، ص 75


8 - عبد الرحمن محمد فرحانة، مصدر سابق.


9 - راجع في هذا الصدد: د. نادیة مصطفى، الدیمق ا رطیة العالمیة من منظورات غربیة ونحو منظور حضاري
، إسلامي في العلاقات الدولیة، القاهرة: مركز الحضارة للدراسات السیاسیة ودار البشیر للثقافة والعلوم، ط 2
2013 . وأیضا: د. عز مي بشارة، في المسألة العربیة: مقدمة لبیان دیمقراطي عربي، بیروت: مركز دراسات
.2010 ، الوحدة العربیة، ط 2


9
وقد اعترفت قوى إسلامیة وصلت للحكم في وقت سابق عن الثورات بالفارق بین
تصور الحكم في موقع المعارضة؛ فعلى سبیل المثال قال خالد مشعإلن هناك فرق اً
بین موقع المعارضة والكحم، بین التخی لّ والافتراض والمعایشة والمعاناة. وفرق بین
الناقد والممارس. وقال:عل " ى الإسلامیین أن یعترفوا أن الحكم أعقد مم اّ كانوا
.( یتصو رّون وهذا ینطبق علینا في حماس"( 10


أما خلیل العناني فیرى في تقییمه عقب الانقلاب لأداء الإخوان المسلمین أنه انطلاق اً
مما حدده مؤسس الجماعة –حسن البنا- من مراحل ثلاث: الدعایة والتبشیر بالفكرة،
التكوین واختیار الأنصار والأعضاء، التنفیذ والعمل والإنتاج، وعلى ضوء ما حققته
الجماعة من نجاح في المرحلتین الأولیین (اللتین كانت الأیدیولوجیا حاضرة فیهما)،
فإنه كان من الأجدر في المرحلة الثالثة (التي بدأت وانتهت سریعا بسقوط د. محمد
مرسي) الانتقال من عالم الأفكار إلى الواقع، أو الانتقال من الأیدیولوجیا إلى
المیثودولوجیا، وذلك بما یتناسب مع الانتقال من المعارضة إلى الحكم. "أما على
مستوى السیاسات والتكتیكات، فقد فشل الإخوان في التصرف كقوة حاكمة واثقة
ولدیها رؤیة واضحة للمستقبل؛ فعلى مدار عام حكم الرئیس مرسي اعتمدت جماعة
الإخوان آلیة وحیدة لتحقیق التوازن مع القوى السیاسیة المنافسة وهي الحشد والتعبئة
حتى وهي في الحكم. ولذا فإن الجماعة ورغم امتلاكها للآلاف من الكوادر المهنیة،
لم تعرف منذ نشأتها كیف تتعامل مع البیروقراطیة المصریة، أو أن یكون لدیها
"رجال حكم ودولة"، فهؤلاء الكوادر هم ناشطون اجتماعیون ودعویون بالأساس. ولا
شك أن نظام مبارك حرم جماعة الإخوان من أن تدیر أي مؤسسة عامة أو أن
یحصل كوادرها على خبرة تكنوقراطیة وبیروقراطیة. ولذا واجه الإخوان مقاومة شدیدة
من هذه البیروقراطیة حین حاولوا إصلاحها. وعلى عكس نظرائهم في تركیا، لم یتول الإخوان الإشراف على المحلیات والبلدیات طیلة العقود الثلاثة الماضیة. وفي
المحصلة أضعفت هذه المشكلات وغیرها من قدرة الإخوان على التحول من مربع
المعارضة إلى مربع السلطة، وقللت من قدرتها فهم تعقیدات الدولة المصریة التي
10 - المصدر نفسه.


10
.( ظلت تعاملهم لأكثر من ستة عقود كقوة خارجیة( 11
ومن المآخذ أیض اً التي رصدها الباحثون على أداء الإسلامیین أن الشارع السیاسي
المصري لم ینس الأداء الضعیف لهم في البرلمان الأول للثورة والذي حلته المحكمة
الدستوری ة، ولم یرق الأداء فیه إلى مستوى یلیق بالثورة، ولا إلى ما یلبي مطامح
.( الجماهیر التي منحت ثقتها الإسلامیین، فجاء تمثیلهم البرلماني حینها كاسح اً ( 12
بید أن البعض یضیف نقدا آخر؛ إذ قال قاسم قصیر إن وصول الإسلامیین إلى
السلطة أثبت أنهم لا یملكون مشروعا سیاسیا واضحا، أو كوادر سیاسیة قادرة على
. إدارة الحكم 13


وفي نقد أشد من هذا، كتب د. محمد السید سلیم أن "المعضلة الكبرى للتیارات
الإسلامیة هي عدم توافر الخبرة اللازمة للعمل بأمور الحكم؛ إذ قفزت تلك التیارات
بشكل مفاجئ من "تطلیق" السیاسة، أو الاعتقال، أو المعارضة، إلى مقاعد البرلمان
وسدة السلطة السیاسیة. جاءت تلك التیارات إلى الحكومة والبرلمان وهي مسلحة
بأفكارها الأیدیولوجیة التي حاولت أن تؤكد اشتقاقها من الدین. ومعلوم أن رفع
الشعارات الأیدیولوجیة أمر یختلف عن العمل من داخل الجهاز التشریعي والتنفیذي
للدولة. ومن ثم فإن مستقبل تلك التیارات مرهون بمدى قدرتها على تقدیم خطاب
11 - د. خلیل العناني، "جماعة الإخوان المسلمین في مرحلة ما بعد مرسي"، سیاسات عربیة، العدد 4، الدوحة:
.19- المركز العربي للأبحاث ودراسة السیاسات، سبتمبر 2013 ، ص 18
2013 . على الرابط: /2/ 12 - نبیل الفولي، "مصر بین خیاري الإسلامیین والدكتاتوریة"، الجزیرة نت 14
http://www.aljazeera.net/opinionspages/592cb33f-4a67-4e20-9b30-


55b8db645a83
،2013/11/ 13 - ریاض زكي قاسم، تقریر عن: ندوة "مستقبل الإسلام السیاسي في الوطن العربي"، بیروت 30
المستقبل العربي، العدد 419 ، ینایر 2014 ، ص 179 . ویلاحظ أن هذا الرأي یتفق في مضمونه مع تصریح
لوزیرة الخارجیة الأمریكیة هیلاري كلینتون أدلت به في ینایر 2013 . راجع: "كلینتون للكونغرس: "الربیع العربي"
2013 . على الرابط: /1/ جاء بقادة بدون خبرة"، الشرق الأوسط 24
http://www.aawsat.com//details.asp?section=1&issueno=12476&article=714440


11
توافقي عام یضعها في قلب العملیة السیاسیة الدیمقراطیة من خلال التخلي عن
ادعاء امتلاك الدین والتعبیر عنه، ومن خلال الإدارة الرشیدة لخلافاتها مع القوى
الأخرى وخلافاتها الداخلیة التي بدأت في الظهور على السطح، كما حدث في حالتي
. الإخوان وحزب النور 14


د- ماذا بعد 30 یونیو؟ هل نحن بصدد مرحلة جدیدة لإدارة العلاقة بین الدین
والمجتمع والدولة؟ و ما الجدید في هذا الجدل؟ (قضیة تجفیف منابع الإرهاب)
بدایة ینبغي الإشارة إلى أن المجتمع القوي هو أساس البناء الدیمقراطي السلیم عبر
ما یشكل من مؤسسات، إذ تحول قوة المجتمع دون استبداد الدولة به، مقابل توفیر
أقل القلیل من احتیاجاته. أما الدین –وبحسب القائم على تفعیله- فهو إما یتم تأمیمه
لصالح الدولة المستبدة (وذلك بأشكال مختلفة تقلیدیة أو أقرب إلى العلمانیة،) وإ ما
یفع لّه المجتمع بأفراده وجماعاته لإدراك ذاته وبنائها. وقد اعتبر حسن البنا أن جماعة
الإخوان تشمل "كل نواحي الإصلاح في الأمة، فهي دعوة سلفیة، وطریقة سنیة،
وحقیقة صوفیة، وهیئة سیاسیة، وجماعة ریاضیة، ورابطة علمیة ثقافیة، وشركة
اقتصادیة، وفكرة اجتماعیة". ذلك التصور الذي یعني في حال تفعیله سواء من
جانب الإخوان المسلمین أو غیرهم إقامة مجتمع قوي عبر تفعیل إیجابي للدین. وهو
ما حاولت الأنظمة المستبدة في العالم الإسلامي أن تحول دونه.


و بشكل عام، فإن هذه العلاقة ثلاثیة الأبعاد في مصر هي محل إشكال منذ ثورة 25
ینایر، بین من یرید تحیید ایلدن تمام اً عن المشهد والاكتفاء بتفعیل المجتمع ولكن
وفق مرجعیة علمانیة، وبین من یرید تأمیم الدین لصالح الدولة لتحكم من خلاله
سیطرتها على المجتمع، ومن یرید تقدیم رؤیة مختلفة متوازنة للعلاقة بین المتغیرات
الثلاثة. وقد تبنى كل من التوجهات السابقة أطراف سیاسیة و فكریة على السواء.
14 - د. محمد السید سلیم، "الأداء السیاسي للتیارات الإسلامیة في مصر منذ ثورة 25 ینایر"، في: مجموعة
مؤلفین، الإسلامیون ونظام الحكم الدیمق ا رطي: اتجاهات وتجارب، بیروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة
.460 - السیاسات، 2013 ، ص 459


12
أما عن الوضع عقب 30 یونیو على وجه الخصوص، فرغم وجود اتجاه یقول
بأن التضییق على الإخواسنی اسی اً سیجعلهم یتجهون لتدعیم قواعدهم المجتمعیة، وإ ن
كان ذلك سیكون أكثر صعوبة مما مضى. إلا أن ما غلب على الآراء اتجاه یرى أنه
بعد 30 یونیو، ستؤثر الأوضاع المأزومة التي تعاني منها الجماعة (بشكل سلبي)
على شبكات الرعایة الاجتماعیة الخاصة بها. وهو الأمر الذي ینال من قواعدها
:( المجتمعیة. ویدفع هذا الاتجاه بالحجج التالیة ( 15


- تآكل المخزون الجماهیري: ظلت جماعة الإخوان خلال عقود تحظى بدعم
وبمساندة جماهیر یة، وكان من ثمار هذه المساندة وصول الجماعة إلى سدة الحكم
بعد ثورة ینایر 2011 ، ولكن سرعان ما اصطدمت الجماعة بواقع ومعطیات مغایرة،
. ( وانكشف عجزها عن إدارة شئون الدولة ( 16


- المباراة الصفریة، باتت السمة الغالبة للصراع بین السلطة الحاكمة في مرحلة ما
بعد 3 یو لیو 2013 وجماعة الإخوان الصدام والتصعید لمرحلة القطیعة، في حالة
أشبه ما تكون بالمبار اة الصفریة.


-حل جماعة الإخوان، صاحب تراجع الدعم المجتمعي والضغط من جانب
السلطة الحاكمة على جماعة الإخوان المسلمین طرح سؤال المشروعیة القانونیة
للجماعة، وخاصة مع صدور حكم قضائي یوم 23 سبتمبر 2013 من محكمة
15 - محمد بسیوني عبد الحلیم، "تآكل شعبي: مأزق شبكات الرعایة الاجتماعیة لإخوان مصر بعد 30 یونیو"،
2013/9/30 . على الرابط:
http://rcssmideast.org/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%AD%D9%84%D9%8A%D
9%84%D8%A7%D8%AA/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%AD%D9%88%D9%84
%D8%A7%D8%AA-
%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%A7%D8%AE%D9%84%D9%8A%D8%A9/%D8%
AA%D8%A2%D9%83%D9%84-%D8%B4%D8%B9%D8%A8%D9%8A.html


16 - تم الاستدلال باستطلاع للرأي أجراه مركز "بصیرة" خلال شهر أغسطس 2013 إلى أن 69 % من
المصریین (من العینة الذي أُجري علیها الاستطلاع) لا یوافقون على استمرار جماعة الإخوان المسلمین في
الحیاة السیاسیة، كما أن 78 % من المصریین یرون أن حكم الإخوان كان أسوأ مما كانوا یتوقعو ن، علاوة على
ذلك فإن 57 % من المصریین یعتبرون أن جماعة الإخوان مسئولة عن كل أحداث العنف منذ فض اعتصامي
رابعة العدویة والنهضة.


13
القاهرة للأمور المستعجلة بحظر أنشطة جماعة الإخوان بكافة المحافظات، وكذلك
الجمعیة المنبثقة عنها، وأي مؤسسة متفرعة منها، أو تابعة لها، أو منشأة بأموالها،
ا، یضاف إلى ذلك فقد قررت المحكمة التحفظ على جمیع 􀄎 أو تتلقى منها دعم اً مالی
أموال الجماعة العقاریة والسائلة والمنقولة، سواء كانت مملوكة أم مؤجرة لها.
وإ ذا كان ما سبق یتحدث عن القوة المجتمعیة للإخوان، فإن على الجانب الآخر،
هناك من یركز على البعد الدیني، وهذا هو الأخطر، حیث الدعوة إلى إصلاح
دیني. فهناك من یرجع ما یعتبره فشلال لإخوان لیس إلى الغباء السیاسي، وإ نما إلى
تلك القیود المتنامیة التي تضعها حركة التاریخ الإنساني أمام دور الدین في العالم
المعاصر، والتي تحد من قدرته على صوغ الواقع أو التعاطي الجدي مع
.( معضلاته( 17


والواقع أن دمغ تجربة الإخوان المسلمین في السلطة بالفشل لم یكن محلا لإجماع
الباحثین؛ إذ یعتقد عبد الوهاب الأفندي في ورقة بعنوان "الإخوان إعادة تقییم.
الإخوان المسلمون وتحدي دمقرطة الدین في زمن مضطرب" أن تنظیم الإخوان
المسلمین هو أحد أكثر الحركات السیاسیة نجاحا في الأزمنة الحدیثة، إن لم یكن
أنجحها على الإطلاق. فقد مارست التنظیم في السنوات الأخیرة نقدا ذاتیا تركز على
محاولات القیادة العلیا فرض سیطرتها، ومنع أي حوار، وهي المشكلة عینها التي
تجلت في فترة رئاسة محمد مرسي، "أي العجز عن الانفتاح وبناء التحالفات، أو
السیر في برنامج یجعل بناء التحالفات أمرا غیر ضروري". ولكن الأفندي یعتقد
أیضا أن الإخوان سوف یستفیدون، من أخطاء نظام 3 یولیو، ومن غیر المستبعد
أن یلجأ الناس إلیهم مرة ثانیة، باعتبارهم المعارضة الموثوقة الوحیدة. ویورد الأفندي
ملاحظتین نقدیتین؛ إحداهما تتعلق بمسألة المواطنة؛ فعلى قاعدة قبول الإسلامیین
بواقع الدولة الوطنیة الحدیثة، كان على الإسلامیین الاجتهاد لتوفیر حل لمعضلة
المواطنة. والأخرى أن یبادر الإسلامیون باتخاذ الخطوات الضروریة لتخفیف حدة
17 - صلاح سالم، "إخفاقات الإسلام السیاسي تؤسس للإصلاح الدیني"، الدیمق ا رطیة، العدد 52 ، أكتوبر
. 2013 ، ص 122


14
. الاستقطاب، وإ زالة التهدیدات المتوهمة ضد تماسك كل من الدولة والمجتمع 18
بید أن النقطة الأهم في رأي الأفندي هي الطریقة التي تم بها إسقاط الدیمقراطیة من
أجل إسقاط الإخوان، وهو ما أدى إلى الأزمة الحالیة في مصر، واستبعد أن یكون
الإخوان أو غیرهم من الإسلامیین یریدون إقامة دولة دینیة في مصر، فقد كان
. خطابهم غیر ذلك 19


ه- علاقة الإسلامیین بالخارج ومشروعات تقسیم المنطقة:
كان الخارج في قلب كل ما سبق من جدالات و تساؤلات حول تجربة الإسلامیین في
الحكم، وما تولد عن هذه الجدالات من اتجاهات. وبینما رأى اتجاه أن صعود
الإسلامیین إلى الحكم خاصة في مصر من شأنه تشكیل سیاسة خارجیة أكثر
استقلالیة وأكثر انفتاح اً على مختلف الدوائر في الوقت ذاته، حتى لو استغرق ذلك
بعض الوقتو حدث تدریج اً بسبب التحدیات الداخلیة. على جانب آخر، هاجم قسم
من التحلیلات السیاسة الخارجیة للحركات الإسلامیة متهم اً إیاها بأمور تبدو
متناقضة في كثیر من الأحیان من قبیل الاتهام بالتبعیة للغرب، وفي الوقت ذاته
الاتهام بالمبالغة في الانافتح على تركیا وإ یران ومساندة حركات المقاومة، واعتبار
ذلك یضر بالمصالح الوطنیة.


وبالتالي فإن الخارج هنا لیس الغرب فقط، كما انعكس اختلاف التوجهات السابق
تناولها على تناول تفاعل الخارج مع الانقلاب. و في هذا السیاق یمكننا الحدیث عن
،2013/11/ 18 - ریاض زكي قاسم، تقریر عن: ندوة "مستقبل الإسلام السیاسي في الوطن العربي"، بیروت 30
. المستقبل العربي، العدد 419 ، ینایر 2014 ، ص 177


19 - المصدر نفسه، ص 180 . ولمزید من التفاصیل عن أفكار عبد الوهاب الأفندي في هذا الصدد راجع
؛2013/6/ المصادر الآتیة: د. عبدالوهاب الأفندي، "العودة إلى تونس في عصر النهضة"، القدس العربي 11
د. عبدالوهاب الأفندي، "بین ولایة الفقیه وولایة العسكري في المشهد المصري: لیبرالیة الوصایة"، القدس العربي
2013/7/23 ؛ د. عبدالوهاب الأفندي، "قبیلة بني یسار وحداثة داحس والغبراء في تونس الخضراء"، القدس
2013 ؛ د. عبدالوهاب الأفندي، "مشكلة الدیمقراطیة في تونس لیست الإسلامیین"، القدس العربي /7/ العربي 30
د. عبدالوهاب الأفندي، "في ؛http://www.alquds.co.uk/?p= 2013/11/12 . على الرابط: 102414
2013 . على الرابط: /11/ الصراع الطائفي المفتعل: معسكر "السنة" یقوده المنافقون"، القدس العربي 26
http://www.alquds.co.uk/?p=107052


15
أكثر من مستوى: دول مؤیدة للانقلاب (ویمثلها بشكل أساس دول الخلیج (ما عدا
قطر)، دول ترفض الانقلاب (تركیا وقطر، الدول الإفریقیة)، دول تنتظر وتترقب
ومنها من یدعم الانقلاب بشكل مستتر (الولایات المتحدة والغرب).
بالنسبة لمستوى تناول موقف دول الخلیج: فقد ساد اتجاه بین مؤیدي الانقلاب یقول
بأن ما حدث من انقلاب على الإسلامیین هو أمر جید من شأنه استعادة مصر
علاقاتها بدول الخلیج التي یرى هؤلاء أن الإخوان قد أضروا بها، بسبب ما وصفوه
بدعم الإخوان لأفرع الجماعة في هذه الدول. ویرى هؤلاء أن ما تحقق من مكاسب
إزاء هذه الاستعادة للعلاقات: الدعم المالي، والدعم السیاسي، متخذین مساندة دول
الخلیج لفض اعتصامي رابعة والنهضة مثالا. وفي هذا الإطار، یأتي التأكید على
أهمیة مواجهة ما یسمونه إ "رهاب اً" في مصر لتعزیز العلاقات مع دول الخلیج التي
.( تخشى انتقال ممارسات العنف إلیها( 20


وعلى مستوى الموقف التركي: فقد كنا بصدد اتجاهین كذلك، حیث هناك من یفسر
الموقف التركي الرافض للانقلاب بأنه نابع من اعتبارات ضیقة نتیجة الانتماءات
الإسلامیة لحزب العدالة والتنمیة، كما یعتبر الموقف التركي تدخلا في شئون مصر
الداخلیة( 21 ).ب ینما هناك من فسر من منطلق أوسع ی سُكن الموقف التركي في إطار
الحرص على احترام مبادئ حقوق الإنسان والدیمقراطیة، فضلا عن التخوف التركي
من إعادة تشكیل المنطقة على نحو ربما أسوأ مما كانت علیه قبل الثورات العربیة
.(22)


أما على مستوى الموقف الغربي (وقد كان التركیز على موقف الولایات المتحدة):
20 - إیمان رجب، أبعاد "الانفتاح الخلیجي على مصر بعد سقوط حكم الإخوان"، ملف الأه ا رم الاست ا رتیجي،
.98 - العدد 225 ، سبتمبر 2013 ، ص 97


21 - انظر على سبیل المثال: د. حسنین توفیق إبراهیم، "الرهانات المتباینة: قراءة في الموقفین التركي والإیراني
.83 - تجاه 30 یونیو"، السیاسة الدولیة، العدد 194 ، أكتوبر 2013 ، ص 80
22 - انظر على سبیل المثال: علي حسین باكیر، "مستقبل العلاقات التركیة – المصریة بعد الانقلاب
2013 . على الرابط: /12/ العسكري"، مركز الجزیرة للد ا رسات 8
http://studies.aljazeera.net/reports/2013/12/2013128104942110833.htm
16


لما كان عدم الوضوح هو السمة الحاكمة للموقف الأمریكي، فقد كتبت د. أمل حمادة
أن تعقیدات وتنوع المشاهد المحیطة بالتجربة الإسلامیة في كل دولة أدت إلى
اختلاف مواقف الإدارة الأمریكیة بل وتخبطها تجاه الإسلامیین من دولة لأخرى ومن
مرحلة لأخرى في الدولة ذاتها، فعلى سبیل المثال في الحالة المصریة بعد الثورة،
أحیان اً تمیل واشنطن إلى العسكر وأخرى تمیل إلى الإسلامیین.


وهو ما ربطته د. أمل حمادة بتعقد الأوضاع الأمریكیة الداخلیة، لاسیما ما یتصل
بالصعود الإسلامي في الداخل الأمریكي متمثلا في تزاید أعداد المسلمین لأسباب
مختلفة في الوقت الذي تختلف فیه رؤى المجتمع الأمریكي للإسلام وكذلك المراكز
البحثیة بین من یرى في الإسلام تهدید اً ومن یقبله في نطاق القیم الغربیة، فضلا عن
الوضع الاقتصادي الذي لم یمك ن السیاسة الأمریكیة من الاستجابة بفاعلیة للتطورات
المتسارعة وعلى رأسها صعود الإسلامیین. فكل ما سبق أثر على إمكانیة وجو د
إستراتیجیة موحدة للتعامل الأمریكي مع الإسلامیین وغیر ذلك من تطورات
.( أیض اً( 23


ویمكن القول أیض اً إن عدم نجاح الانقلابیین في حسم الأوضاع لصالحهم حتى
الآن، فضلا عن جرائمهم المتلاحقة هي من أهم أسباب تخبط الموقف الأمریكي،
وإ ن كان لا یجب إغفال مواقف واضحة تؤشر على دعم الانقلاب أهمها العمل على
تمریر قوانین بالكونجرس تضمن استمرار المساعدات لمصر.و إ ن كان ما سبق
یخضع لمتغیرات، فإن الثابت في الموقف الأمریكي هو دعم السلطة الراهنة طالما
أنها تحافظ على السلام مع إسرائیل وغیرها من المصالح الأمریكیة.


إذن، فكل من الأطراف الخارجیة، كان له رؤیته لما یجري بمصر، هذه الرؤى منها
ما كان یلتقي والثورة المصریة، وما كان یرید إجهاضها، كما كان لكل من الأطراف
الخارجیة موقفه من الإسلامیین.


والملاحظ في هذا الصدد أیضا أن بعض الأكادیمیین سار خطوات كبیر في دعم
نظم الحكم ما قبل الثورات العربیة، وأخذ یقدم تبریرات متنوعة لضرورة حل جماعة
23 - د. أمل حمادة، "الاستراتیجیة الغائبة: تداعیات الانقسام الأمریكي في مواجهة الإسلام السیاسي"، السیاسة
.14 - الدولیة، العدد 194 ، أكتوبر 2013 ، ملحق تحولات استراتیجیة، ص 13
17


الإخوان المسلمین بعد تولي د. محمد مرسي مباشرة؛ وفي هذا الصدد أشار خالد
الحروب إلى عدم ترسخ مفهومي المواطنة والدولة الوطنیة في وعي الإسلامیین،
. الذي یقوم على فكر ما فوق دولتي؛ أو فكرة أممیة ما بعد الدولة الوطنیة 24
ثالثا- على من سیأتي الدور من الإسلامیین بعد الإخوان؟ وهل تتسامح الدولة مع
السلفیین بالفعل؟


كتب د. حسنین توفیق إب ا رهیم أن "من المرجح أن رؤى بعض الأحزاب السلفیة
بشأن قضیة المواطنة یمكن أن تصبح أكثر نضجا وتوازنا مع استمرار المشاركة في
العملیة السیاسیة، والانفتاح على التیارات والأحزاب الأخرى، والتعامل مع الحكومات
الغربیة؛ فخلال شهر مایو 2013 قام وفد یمثل حزب النور السلفي، الذي یرفض
رموزه مفهومي الدولة العلمانیة والدولة المدنیة لیل نهار، قام بجولة أوروبیة شملت
عدة دول علمانیة، وكان من اللافت أن یصرح نادر بكار مساعد رئیس الحزب
لشئون الإعلام بأن الصراع لا ینبغي أن یكون بین العلمانیین والإسلامیین، بل بین
الدیمقراطیة والدكتاتوریة. وتعد الجولة الأوروبیة لممثل حزب النور، وتصریح بكار
من المؤشرات الدالة على فرص واحتمالات التطور والنضج في رؤى ومواقف
،2013/11/ 24 - ریاض زكي قاسم، تقریر عن: ندوة "مستقبل الإسلام السیاسي في الوطن العربي"، بیروت 30
المستقبل العربي، العدد 419 ، ینایر 2014 ، ص 179 . ولمزید من التفاصیل حول دعوة هذا الباحث إلى حل
جماعة الإخوان المسلمین بدواعي الضرورات الوطنیة والتنظیمیة والإقلیمیة والدولیة راجع سلسلة مقالاته في
صحیفة الحیاة على النحو الآتي.


٢٠١٢ . على الرابط: /10/ - خالد الحروب، "حل جماعة الإخوان المسلمین: الضرورة الوطنیة ( 1)"، الحیاة ٢١
http://alhayat.com/Details/446285
٢٠١٢ . على /11/ - خالد الحروب، "حل جماعة الإخوان المسلمین: الضرورة الإقلیمیة والدولیة ( 2)"، الحیاة ٤
الرابط:
http://alhayat.com/OpinionsDetails/449597
٢٠١٢ . على الرابط: /11/ - خالد الحروب، حل جماعة الإخوان المسلمین: الضرورة التنظیمیة ( 3)"، الحیاة ١٨
http://alhayat.com/OpinionsDetails/453814
18


الأحزاب السلفیة، لا سیما إذا نجحت هذه الأحزاب مع مرور الوقت في التمییز بشكل
.( واضح بین الدعوي والسیاسي"( 25
وأضاف الباحث نفسه، "أما بخصوص مستقبل القوى والأحزاب السلفیة في مصر
یمكن القول: إنه من المرجح أن تشهد الساحة السلفیة تطورین مهمین خلال الأجلین
القصیر والمتوسط.


التطور الأ ول إعادة الفرز والتشكیل في الخارطة السلفیة عبر حدوث انشقاقات
وتنافسات واندماجات في صفوف السلفیین وبخاصة عند مواجهة الاستحقاقات
الانتخابیة. وهذا الوضع یمكن أن یمثل في حد ذاته عاملا لتطویر الخطاب السلفي
في تعامله مع قضایا المواطنة والدیمقراطیة وغیرها.


أما التطور الثاني فیتمحور حول مقولة إن انخراط السلفیین المصریین أو قطاعات
منهم في العمل السیاسي سوف یؤدي تدریجیا إلى فك أو على الأقل تقلیص الارتباط
بالمرجعیات السلفیة في الخارج، وبخاصة تلك التي تمثل السلفیة التقلیدیة في المملكة
العربیة السعودیة، والمعروفة بمواقفها المعلنة بشأن رفض خوض غمار العمل
السیاسي، ورفض الدیمقراطیة والتعددیة الحزبیة، والتشدید على طاعة ولي الأمر
.( وعدم الخروج علیه، لذا فهي ترفض التظاهر والاحتجاج باعتباره باب اً للفتنة"( 26
وفي رأي آخر بشأن مستقبل السلفیین( 27 )، رأى علي بكر أنه رغم انتشار ظاهرة
الأحزاب السلفیة عقب اندلاع الثورات، فإنها لم تقم بأي دور مؤثر في الحیاة
السیاسیة داخل دولها -باستثناء حزب "النور" في مصر- حیث لم تحقق أي مكاسب
سیاسیة تذكر، كما أن معظمها لم یتمكن من صدارة المشهد السیاسي، وبالتالي لم
تنجح في تحقیق أي من الأهداف التي تأسست من أجلها، مع أنها قد ضحت بالعمل
25 - د. حسنین توفیق إبراهیم، "السلفیون والمواطنة: اضطراب الرؤیة وغیاب المراجعات الفقهیة"، ك ا رسات
. 2013 ، ص 45 ، است ا رتیجیة، العدد 241 ، السنة 23


26 - المصدر نفسه.
2013 . على الرابط: /9/ 27 - علي بكر، "مستقبل غامض للأحزاب السلفیة في المنطقة العربیة"، 27
http://rcssmideast.org/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%82%D8%AF%D9%8A%D8
%B1%D8%A7%D8%AA/%D8%B7%D8%B1%D9%8A%D9%82-
%D8%B4%D8%A7%D8%A6%D9%83.html
19


الدعوي من أجل العمل الحزبي، ولا یبدو في الأفق أنها قادرة على تطبیق رؤاها في
المستقبل، الأمر الذي یدل على فشل هذه التجربة حتى الآنن،ظ ر اً لعدم إجادتها
لقواعد العملیة السیاسیة، وتقید حركتها بثوابتها الفكریة التي تحتاج على الدو ام إلى
التجدید حتى تستطیع التعاطي مع المتغیرات والمستجدات السیاسیة، وهو ما لم تقم
به هذه التیارات، فضلا عن فشلها في توسیع قاعدتها الشعبیة، نتیجة الغموض الذي
تتسم بها مواقفها وتفاعلاتها، إلي جانب تصاعد الدعوات في بعض الدول العربیة
لحل الأحزاب الدینیة.


وقد أدى ذلك في مجمله إلى ظهور اتجاه داخل التیارات السلفیة یدعو إلى عدم
تأسیس أحزاب سلفیة جدیدة في المنطقة نتیجة عدم جدوى العمل الحزبي، في رؤیته،
مما یزید من احتمالات عودة هذه التیارات إلى العمل الدعوي من جدید، رغم أن ذلك
لا یبدو أمر اً سهلا في الفترة الحالیة.


أما د. محمد أبو رمان فكتب أن "دخول السلفیین إلى المرحلة الانتقالیة بعد الثورات
العربیة، یمثل إشكالیة حقیقیة، فهم یعلنون منذ البدایة أنهم یقبلون الدیمقراطیة
بوصفها مرحلة انتقالیة نحو الدولة الإسلامیة، أو أنهم سیعملون على أسلمة الدولة
والمجتمع، ویمیزون بین الفلسفة والقیم الدیمقراطیة من جهة، والآلیات من جهة
أخرى، مما یثیر المخاوف أننا نواجه لاعبا غیر دیمقراطي حتى الآن داخل اللعبة
. الدیمقراطیة، یمكن أن یتسبب في إعاقة أو فرملة المرحلة الانتقالیة الحساسة" 28
"أما السیناریوهات المتوقعة لمشاركة السلفیین السیاسیة أو حدود دورهم السیاسي
وأبعاده المختلفة فتتباین ما بین الأكثر إیجابیة والأكثر سوءا؛ إذ تبدأ من سیناریو أول
یتم فیه تكریس نظام دیمقراطي تكون القوى والأحزاب السلفیة لاعبا فیه، ومن ثم
تطو رّ خطابها السیاسي والأیدیولوجي للقبول بقیم اللعبة الدیمقراطیة ومخرجاتها.
مرورا بسیناریو آخر تعجز فیه الأحزاب السلفیة عن إحداث تطویر حقیقي جوهري
على خطابها السیاسي لكنها تبقى جزءا من اللعبة الدیمقراطیة والسیاسیة، وتمثل
جناح یمین الیمین ضمن الخطاب الدیني والإسلامي، وصولا إلى السیناریو الثالث
28 - د. محمد أبو رمان، السلفیون والربیع العربي: سؤال الدین والدیمق ا رطیة في السیاسة العربیة، بیروت:
.220- مركز دراسات الوحدة العربیة، 2013 ، ص 219


20
وهو انشطار التیارات السلفیة ما بین النزعة البراجماتیة والمحافظة. أما السیناریو
الرابع فهو الأكثر خطورة وسلبیة، فیتمثل في نجذر الصراع العلماني-الإسلامي،
واتخاذه أبعادا اجتماعیة وسیاسیة مختلفة، مما یؤثر على سیر العملیة الدیمقراطیة،
ویفسح المجال لتدخل المؤسسة العسكریة، وربما توقف المسار الدیمقراطي أو حظر
. الأحزاب السیلفة، انتهاء بانكفائها مرة أخرى نحو العمل الاجتماعي والدعوي" 29


ا ربعا- ماذا عن مستقبل الحركات السیاسیة الإسلامیة :
كان واضحا في كتابات منتقدي الإخوان المسلمین (وهم من اللیبرالیین والیساریین
والقومیین وبعض الإسلامیین)، الاتفاق على احتمال تراجع الدور السیاسي للإخوان
في المدى المنظور.


وفي هذا كتب د. حسنین توفیق إب ا رهیم، "في ضوء المحنة الحالیة التي تمر بها
جماعة الإخوان المسلمین، والتي تعد الأخطر في تاریخها في نظر الكثیرین، فإنه
من المتوقع أن یتراجع الدور السیاسي للجماعة خلال المستقبل المنظور، مما یفسح
. المجال لتمدد الدور السیاسي للسلفیین وبخاصة الدعوة السلفیة وحزبها (النور)" 30
وفي ورقة بعنوان: "بدایة خسوف ظاهرة الإسلام السیاسي"، استنتج د. سعد الدین
إب ا رهیم من مشهد إزاحة الإخوان المسلمین منتصف 2013 أربع نتائج مهمة؛ "أولاها
أن الإخوان هم التنظیم السیاسي الوحید الذي یستخدم الدین كوسیلة للتأثیر والسیطرة
السیاسیة. وثانیتها أن الإخوان یمثلون التنظیم السیاسي الأول في مصر الحدیثة الذي
لجأ إلى العنف المسلح لفرض إرادته على المجتمع والدولة. وثالثها أن الإخوان
مارسوا وتمرسوا في تأدیة دور "الضحیة"؛ فهم یدعون أنهم مستهدفون، و أنهم دائما
في المعتقلات، وأنهم دائما أبریاء، وعلى صواب، وأن من استهدفهم هو عدو للإسلام
والوطن. ورابعها أن أي صدام یجري بین الإخوان المسلمین والدولة المصریة ینتهي
. 29 - بتصرف عن: المصدر نفسه، ص 220


30 - د. حسنین توفیق إبراهیم، "السلفیون والمواطنة: اضطراب الرؤیة وغیاب المراجعات الفقهیة"، ك ا رسات
. 2013 ، ص 5 ، است ا رتیجیة، العدد 241 ، السنة 23


21
بانتصار الدولة علیهم، كما على غیرهم من الجماعات الإسلامیة المتشددة، على
. امتداد ثمانین عاما، ومع ذلك لا یتعلم الإخوان المسلمون الدرس" 31
وقد عقب د. علي الدین هلال على هذه الورقة، ورأى أن عنوان "خسوف الإسلام
السیاسي مبتكر، لكن على سعد الدین إبراهیم أن یربطه بمفهوم الدورات التاریخیة.
لكن هلال أكد أن خسوف تیار الإسلام السیاسي لا یؤثر في المجتمع وثقافته العامة؛
فالخسوف بهذا المعنى ینصرف إلى التوظیف السیاسي للإسلام بهدف الوصول إلى
السلطة والاحتفاظ بها، واستخدام الإسلام السیاسي كسلاح ضد الخصوم السیاسیین.
ورجح أن انتهاء حكم الإخوان في مصر وجه ضربة كبیرة إلى أحزاب وتنظیمات
تیار الإسلام السیاسي في مجمل الوطن العربي. وخلص إلى القول إن سلوك النخبة
في عهد الإخوان اتسم ب "الهوایة" وعدم التصرف كرجال دولة، وعدم إدراك حدود
.( سلطة الحكم في المرحلة الانتقالیة" ( 32


وفي معنى قریب كتب د. نصر عارف: "یكتشف المتابع لحركة تنظیم الإخوان
المسلمین الطبیعة الدائریة لهذه الحركة التاریخیة، حیث یمر تاریخ الإخوان في دورات
متشابهة أو متطابقة، وكأن تكرار الدورات هدف في حد ذاته. ولا یخرج عن هذه
الدائرة الجبریة إلا تنظیم الإخوان التركي الذي استطاع ان یكسر هذه الحلقة، ویتحرك
في دورات متصاعدة، تستفید فیها الدورة اللاحقة من السابقة، وتتجاوز أخطاءها،
وتبني على ثمرات إنجازها (..) وتعود مرونة التنظیم التركي وحیویته إلى انفتاحه
الفكري على صوفیة سعید النورسي، وتجربة الأحزاب التركیة العلمانیة. أما في حالة
إخوان مصر بعد 3 یولیو فستكون هذه الدورة من التاریخ الدائري للإخوان مختلفة
عن سابقاتها، لأن المحیط الاجتماعي والسیاسي والدولي قد تغیر جذریا، وطبیعة
العمل السیاسي ذاتها قد تبدلت، في ظل ظهور وسائل جدیدة للاتصال السیاسي
والمعارضة والوصول للمعلومات، وعلیه ستكون هذه اللحظة هي الفارقة: إما النهایة
أو المراجعة (..) والسیناریو المرجح هو الخروج من التاریخ، والدخول في استنساخ
،2013/11/ 31 - ریاض زكي قاسم، تقریر عن: ندوة "مستقبل الإسلام السیاسي في الوطن العربي"، بیروت 30
.185 - المستقبل العربي، العدد 419 ، ینایر 2014 ، ص 184


. 32 - المصدر نفسه، ص 185


22
دورات العنف والتقوقع والمظلومیة التاریخیة، والابتزاز العاطفي لجماهیر المسلمین،
وهو الأقرب للتحقق لأن القیادات الحالیة لا تستطیع أن ترتقي إلى مرحلة النقد
.( والمراجعة والتصحیح لخلق تنظیم جدید"( 33


والواقع أن مثل هذا التحلیل یقفز على أسس العلمیة ومعاییر التقییم الموضوعیة،
فضلا عن كونه یتناقض مع تحلیلات أخرى ركزت على عنصر براغماتیة حركة
الإخوان المسلمین وأثره في مسار الحركة المستقبلي. وفي هذا كتب د. عبد الغني
عماد أن "سقوط نظام حكم الإخوان بهذه السرعة لا یعني نهایة تیار الإسلام
السیاسي، وخاصة في مصر، فمثل هذه التصورات تنطوي على تفكیر یحمل نزعة
إقصائیة لا تدرك بعمق دینامیكیات عمل وتطور الحركات الإسلامیة وخبرتها طیلة
السنوات الماضیة، وخاصة التیار الإخواني الذي یتمیز بنزعة براغماتیة واضحة لا
یخطئها من یقرأ تاریخ وتجربة هذا التیار الذي سیشهد على الأرجح في المرحلة
القادمة تحدي "المحنة" و"المفاضلة"، والتي ستضعه أمام خیارین؛ أحدهما المراجعة
والتعلم من دروس التجربة والفشل في الحكم وإ دارة الدولة، في اتجاه تعمیق مفاهیم
الدیمقراطیة والمواطنة والتعددیة وحقوق الإنسان والمشاركة واحترام الآخر، ویرسخها
في الخطاب والممارسة. أما الخیار الآخر فیتمثل في ارتداد شرائح إخوانیة عن
المضامین المدنیة والدیمقراطیة التي كانت الجماعة قد بدأت في تبنیها منذ ثمانینیات
القرن العشرین، والعودة بالتالي إلى استلهام خطاب سید قطب، والقطیعة مع المجتمع
. والدولة واعتماد العمل السري المقرون بالعنف" 34


. 33 - بتصرف عن: د. نصر عارف، مصدر سابق، ص 65


34 - د. عبد الغني عماد، الإسلامیون بین الثورة والدولة: إشكالیة إنتاج النموذج وبناء الخطاب، بیروت:
. مركز دراسات الوحدة العربیة، 2013 ، ص 25


23
والملاحظ هنا أن بعض الباحثین حاول تحمیل التیارات الأخرى غیر الإسلامیة قسطا
من مسئولیة التدهور في الحالة المصریة، غیر أنه لم یستطع في النهایة إخفاء
انحیازه لخصوم الإسلامیین. وفي هذا المعنى أشار د. محمد السید سلیم إلى أن
"التیارات الإسلامیة لا تتحمل وحدها مسئولیة الإخفاق الذي انتهت إلیه ثورة 25
ینایر؛ فكل التیارات تتحمل نصیبها من المسئولیة. ومن ثم یبدو أن المخرج الأساس
من المأزق الراهن هو المصالحة الوطنیة بین التیارات المصریة كلها، باعتبارها
طریقا لخروج مصر من أزمتها الحالیة (..) والواقع أن مصر تمر بمرحلة مفصلیة
في تاریخها؛ فإما أن تنزلق إلى الصراع الدیني والتقسیم الطائفي الذي سیؤدي بدوره
إلى الانهیار والتقسیم السیاسي (كما حدث في السودان)، أو تتقدم في طریق بناء
نموذج تنموي تكاملي توافقي (كما حدث في مالیزیا). وتدل المؤشرات على أن
المشهد الأول هو الذي یتخلق أمامنا؛ إذ إن جزءا لا یستهان به من التیارات
الإسلامیة ی غُلب منظور الأمة والشریعة على منظور الوطن والمواطنة من دون إدراك
منه أنه إذا ضاع الوطن لن تنهض الأمة ولن تطبق الشریعة، وأن ذلك سیعمل
لمصلحة العدو الصهیوني.ك ما أن جزءا لا یستهان به من تلك التیار ات غیر قادر
على التمییز بین المكسب في المدى القصیر والخسارة في المدى البعید. فما یعد
مكسبا الآن قد یتضح في ما بعد أنه خسارة محققة. والمدهش أن هذا العجز في
الحساب السیاسي الاستراتیجي تكرر في تاریخ الحركات الإسلامیة في القرن
العشرین، (الجهاد ضد السوفیات في أفغانستان، والعمل على تطبیق الشریعة في
. السودان وغیرها) لكن القلیل منها هو الذي فهم الدرس وتعلم منه" 35
ومن الواضح أن أحد العوامل الأساسیة في تحدید مستقبل حركة الإخوان المسلمین
35 - د. محمد السید سلیم، "الأداء السیاسي للتیارات الإسلامیة في مصر منذ ثورة 25 ینایر"، في: مجموعة
مؤلفین، الإسلامیون ونظام الحكم الدیمق ا رطي: اتجاهات وتجارب، بیروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة
.461- السیاسات، 2013 ، ص 460


24
هو عامل شباب الإخوان واتجاه تطورهم؛ إذ تطوع أحد الباحثین تحت زعم إنقاذ
الشباب من القیادات لتوجیه النصیحة لهؤلاء الشباب؛ إذ یبقى "من الضروري على
القوى المعارضة للإخوان، أو المعادیة لهم، تحقیق الفصل بین الإخوان والإسلام،
وكذلك الفصل بین إخوان الدعوة وإ خوان التنظیم، والفصل بین ماضي الإخوان
وحاضرهم، وذلك لإنقاذ أكبر عدد من شباب الإخوان أصحاب النوایا الحسنة، من
الذین سلموا عقولهم لقیادات فاشلة مكابرة، لعلنا نسترجع لمصر بعضا من خیرة
.( أبنائها" ( 36


ویكتب باحث آخر، "إنها الآن فرصة تاریخیة لشباب الإخوان للخروج من شرنقة
السمع والطاعة إلى فضاء العقل والحریة. إنها فرصة التغییر الذي لا مفر منه،
فرصة التخلص من القیادات المترهلة التي لا یمكنها التفاعل مع المتغیرات الكبرى
حولها وتركن إلى الفعل النمطي، فتكون الخسارة والبلاء. یا شباب الاخوان، إنها
فرصتكم لكي تستردوا حریتكم وعقولكم وإ نسانیتكم. استمروا في التنظیم ولكن بشرف
وكرامة الإنسان. تحرروا وغیروا وتعلموا كیف تنقدون الماضي وتتخلصون من
القیادات التي تدفعكم إلى الهلاك في سبیل بقائهم هم انفسهم على قمة التنظیم. وفي
كل الاحوال تذكروا أن مصر تعي جیدا من أنتم، وتقدم لكم الفرصة الأخیرة، غیروا
أنفسكم واطیحوا بالقیادات الفاشلة، وتخلصوا من الأفكار الأممیة الوهمیة، وتمسكوا
.( بالوطنیة المصریة والتزموا القانون والدستور. فلا بدیل ولا مفر"( 37
وفیما یتعلق باحتمالات اللجوء إلى العنف، یرصد د. كمال حبیب عدد اً من
المدخلات التي یراها تنشئ سیاق اً جاذب اً للعنف، إذ یتحدث عن أن الدولة المصریة
وضعت التیار الإسلامي وتحالفه في خانة ما یعرف بلحظات العنف التي قد تؤدي
بشكل تدریجي إلى العنف، وذلك مع طلب التفویض لمحاربة الإرهاب، ما تنتجه
الاعتصامات وفق علم نفس الحشد من استعداد للتضحیة في سبیل أفكاره( 38 ). وهو
36 - نقلا عن: المصدر نفسه.


2013 . على الرابط: /7/ 37 - حسن أبو طالب، "إلى الإخوان .. قدر الله وما شاء فعل"، الأه ا رم 8
http://www.ahram.org.eg/News/874/4//قضایا-واراء/إلي- الإخوا ن -قدر-الله-وما-شاء- 219845
فعل. aspx
، 38 - د. كمال حبیب، "الإسلامیون والعنف بعد 30 یونیو"، مجلة الدیمق ا رطیة، العدد 52 ، أكتوبر 2013
25
یرى أن التحالف الوطني لدعم الشرعیة لا یبدو قادرا على تغییر موازین القوى عبر
النضال السلمي. وهنا یتساءل عن احتمالات اللجوء إلى العنف، ویجیب بعدد من
:( الاحتمالات تتلخص فیما یلي( 39


أولا: من المستبعد أن تتبنى جماعة الإخوان خیار العنف كموقف استراتیجي،
خاصة أن قیاداتها أكدت على السلمیة كخیار استراتیجي، وتم القبض على العدید
منهم دون مقاومة أو سلاح.


ثانی اً: من المحتمل أن تنشأ شبكات عنیفة من الشباب، بحیث نكون أمام جماعات
عنف منفصلة عن جسد التنظیم.


ثالثاً: یمكن لجماعة الإخوان وتحالفها تحریك جماعات ذات طابع عنیف تحمل
الفكر السلفي الجهادي كما هو الحال في سیناء، حیث تلاشت الحدود بین جماعات
التیار الإسلامي بعد 30 یونیو باعتبار أن ما حدث كان ضد الإسلام والمسلمین،
ومن هنا زیادة العملیات في سیناء في هذه المرحلة.


ا ربعمً ا ن: ا لوارد أن تتخذ الجماعة الإسلامیة مسار اً متراجع اً عن التحالف إذا ما تبین
لها أن الاستمرار یهدد مستقبلها السیاسي.


خامس اً: یبدو مشایخ التیار السلفي مثل أبي إسحاق الحویني ومحمد حسان أقرب إلى
القبول بحلول وسط مع الجیش، وعدم الدخول في مواجهة مفتوحة مع الدولة.


ویرى د. كمال حبیب الأخذ بخیار دمج الحشود لعدم الدخول في مزید من المواجهة.
وهذه الافتراضات تجافي الحقیقة في عدد من الأمور أهمها الأخذ بمسلمة العلاقة
بین الإرهاب في سیناء، والحراك الرافض للانقلاب، والأجدى الربط بین الانقلاب
العسكري وما سببه من إغفال مناطق الحدود.


ذلك وإ ن بقى الخوف من الانجرار إلى العنف قائم اً، حیث حذر مفكرون وأكادیمیون
على رأسهم د. نادیة مصطفى من استخدام العنف، فتقول لمقاو مي الانقلاب: ارفعوا
صوتكم عالی ا: لا للإرهاب والتفجیرات.... إذا فقدتم سلمیتكم ...ضاعت مقاومتكم ..
.117- ص 116


.119- 39 - المصدر نفسه، ص 118
26
!( وهذا هو مبتغى الانقلاب( 40


خاتمة:
رغم السیاق السلبي المعرقل الذي أحیطت به تجارب الإسلامیین في الحكم،
وخصوصا في الحالة المصریة، یجد البعض أنه لا مناص من التأكید على ضرورة
أن ترتقي الحركات الإسلامیة بمستوى فكرها وممارساتها ولا تكتفي بالإقرار بآلیات
التحو لّ الدیمقراطي من تنافس سیاسي نزیه وتداول للسلطة واحترام للدساتیر والتنو عّ
والاختلاف، وهو ما وصف بأنه الفهم الأداتي للدیمق ا رطیة. وهنا كانت المطالبة بأن
تنتقل الحركات الإسلامیة إلى استیعاب التعریف والماهیة الفلسفیین للدیمقراطیة
ومركزیة مسألتي الحر یّة والمساواة بمعناهما الفلسفي أیض اً. وفي هذا أشار د. عزمي
بشارةل إ ى أن الدیمقراطیة لیست لها هةو یدینیة، ولذلك فإن الإسلامی یّن مؤه لّون مثل
غیرهم للمساهمة في التحو لّ الدیمقراطي في الدول العربیة شریطة أن یستوعبوا في
.( فكرهم وممارساتهم المقتضیات الفكریة والعملیة للدیمقراطیة ( 41
وفي هذا السیاق أیضا، أشار الشیخ ا رشد الغنوشي إلى أن حركة النهضة في تونس
اقتنعت بضرورة الحفاظ على حر یّة واختیار قسم من المواطنین الذین لا یطمئن وّن
لجعل ال ریشعة مصدرا للتشریع، ووافقت على عدم نص الدستور على أن تكون
الشریعة مصدر التشریع، فالدیمقراطیة لیست فقط ضمان حق الأغلبیة، بل هي أیضا
احترام لرأي الأقل یّة.


وعلى الجانب الآخر، فقد أقر أن فكرة التعددیة السیاسیة لا تزال في التنظیر
الإسلامي في حاجة إلى المزید من الاهتمام والتوسیع عند المفكرین الإسلامیین.
والأمر نفسه ینطبق على فكرة المساواة في المواطنة، والتي تقتنع بها غالبیة التیار
الإسلامي. وأشار الغنوشي إلى أن حركة النهضة استفادت من المكتسبات الحقوقیة
2014 . على الرابط: /1/ 40 - الصفحة الشخصیة لد. نادیة مصطفى على "الفیسبوك"، 24
https://www.facebook.com/Prof.Nadia.Mustafa?fref=ts


41 - المركز العربي للأبحاث ودراسة السیاسات یختتم مؤتمر ا "لإسلامی وّن ونظام الحكم الدیمقراطي،
:2012/10/8
.http://www.dohainstitute.org/content/80c6fbc5-e215-4020-9480-a94c8585f423
27
.( التي نالتها المرأة عبر التاریخ النضالي الطویل في تونس( 42
أیض اً أوضح الغنوشي كیف بنت حركة النهضة على المشترك، حیث دخلت من
باب مواجهة الاستبدا،د لذلك ظلتّ الحركة تدور مع الحری ة وتحالفت مع كل أنصار
الحریة، حتى أنها أسست مع العلمانی یّن المعتدلین وثیقة ثقافیة دیمقراطیة، سه لّت
".( علیها التحالف مع القوى الدیمقراطیة العلمانیة( 43


وعلى النمط ذاته أك دّ خالد مشعل في مؤتاملإر س"لامی وّن ونظام الحكم الدیمقراطي "
أن النموذج الأوروبي الذي یتحول فیه صاحب الأغلبیة إلى السلطة وصاحب الأقل یّة
إلى المعارضة أ(و حكومة الظل لا) ی صلح للحالة العربیة، ولا بد من عدم التفر دّ في
الحكم مهما حاز الفائز على أغلبیة مریحة. وقال: "یجب أن نذهب إلى الانتخابات،
ومهما كانت النتائج یجب أن تنشأ حكومات شراكة، وعلى صاحب الأقل یّة أن یسلم
.( لتجربة صاحب الأغلبیة"( 44


وعبر قراءة جامعة للمشهد المصري تلخص أ. د. نادیة مصطفى، الجدید في موقف
التیار العلماني من الإسلامیین خصوصا في الأشهر الستة الماضیة، بالإشارة إلى
عدد من النقاط الجوهریة:


-1 إن الدراسات المكتوبة بعد انقلاب 3 یولیو في مصر، لا تعكس تغیرا جوهریا في
مواقف العلمانیین من التیار الإسلامي، فهذه المواقف لیست ناتجة من خبرة
ممارسات الحركات الإسلامیة في الحكم فحسب، بل هي مواقف معرفیة كامنة توالى
ظهورها بأشكال مختلفة وفي سیاقات متوالیة في المجتمعات والنظم العربیة. وهي في
مجملها تستدعي الشبهات الاستشراقیة ضد الإسلام (اللا تعددیة، واللا تسامح،
واضطهاد المرأة والأقلیات، وتوظیف الدین للوصول إلى الحكم... إلخ). والتي تربى
علیها العلمانیون وبدون تمییز بین "فقه الواقع وأسبابه"و بین ضرورة التجدید، وإ لى
حد وصل بهم إلى الدعوة إلى الاستبدال الكامل للنموذج، وتبني مفهوم علماني
للشریعة بقصد التجمیل.
42 - المصدر نفسه.
43 - المصدر نفسه.
44 - المصدر نفسه.


28
ولقد احتاجت هذه الشكوك والاتهامات منذ الثورات، فرصة لإظهارها وتظهیرها، ومن
هنا التربص بالإسلامیین وتعظیم أخطائهم وتوظیفها للانقلاب علیهم وعلى الثورة
وعلى الدیمقراطیة.


-2 ینكر التیار العلماني ینكر على الإسلامي أن یعمل بأي صورة من الصور، ولا
یریده أن یكون موجودا إلا في إطار الدیكور الدیمقراطي العلماني ووفق شروط
علمانیة تحت ذریعة المدنیة والوطنیة والحریات. صحیح أن الحركات الإسلامیة لدیها
مشكلات على الصعید الحركي، لكن العلمانیین یریدون أیضا ضرب مصداقیة هذه
الحركات وأسس وجودها، ولیس مجرد نقدها. فلم یعد "الإسلامیون المعتدلون"
السلمیون إلا متطرفین یهددون الدیمقراطیة. ولا ظهیر للدیمقراطیة (العلمانیة) إلا
الإسلام الرسمي للدولة الذي تمثله المؤسسات الإسلامیة الرسمیة. وفي المقابل -أي
بالنسبة للعلمانیة- فلا حمایة للمشروع الحداثي العلماني في مصر إلا بالتحالف مع
العسكر، ولا مساعد لاستمرار تدخل المؤسسة العسكریة في الحیاة السیاسیة إلا
بالتحالف مع مشروع حداثي علماني (بظهیر إسلامي).


-3 انتهى زمن الإخوان بسقوط حكم الإخوان في مصر، وتم إنقاذ "الدیمقراطیة"
بإسقاطهم. ولقد واجهوا أكبر تحدٍّ في تاریخهم بالمواجهة لأول مرة مع "الشعب
المصري" ولیس الدولة المصریة فحسب. وعلیهم القبول بالأمر الواقع والمراجعة من
أجل الانخ ا ر ط وإ لا مواجهة النهایة.


إن هذه القراءة تطرح أسئلة مستقبلیة كثیرة ومنها ماذا یترتب على نجاح الجیش في
إزاحة الإسلام سیاسیا؟ وكیف سیكون شكل العلاقة بین العسكر والإسلامیین
مستقبلا؟ وما العلاقة بین الإسلامیین والثورات؟ وهل صحیح أن السفیرة الأمریكیة
السابقة في القاهرة آن باترسون كانت ترید إنجاز النموذج الباكستاني في مصر، أي
إسلامیین مسنودین بالعسكر؟ وما الذي حال دون ذلك؟ وما هو البدیل الذي كان
یقبل بالإسلامیین؟.


وهل الوضع الراهن في مصر یقید الإسلامیین أكثر من حالتي تركیا وباكستان؟ وهل
نعیش في مصر النموذج التركي قبل حكم حزب العدالة والتنمیة؟ أي أن یكون


29
مسموحا لإسلامي بالوصول للحكم شكلیا، ولكن مع تضییق المؤسسة العسكریة علیه
عبر خلق مشكلات عدیدة له؟.


وعلى سبیل الإجابة عن بعض هذه التساؤلات تطرح أ. د. نادیة مصطفى ثلاث
مجموعات من الاستنتاجات المترابطة حول الجدید في الرؤیة المدنیة (العلمانیة)
لمستقبل الإسلام السیاسي:


أولا- طرح علماني اخت ا زلي للمفاهیم یدعم ویشرعن إقصاء الإسلامیین
تحت مقولات اختزالیة من قبیل: "الإسلامیون شئ واحد ولا وزن للاختلاف بین
روافدهم: الحرب على الإرهاب"، "المفهوم الاختزالي للمشروع الإسلامي:ا لإخو ان لا
یمثلون الإسلام"، "المفهوم الاختزالي للإرهاب: إرهاب معارضي الفاشیة العسكریة".
وبتفصیل أكبر یمكن الإشارة إلى النقاط الست الآتیة:


-1 الإسلامیون "المعتدلون" لیسوا إلا متطرفین یهددون الدیمقراطیة، ولا ظهیر
للدیمقراطیة العلمانیة إلا المؤسسات الدینیة الرسمیة، والإخوان تنظیم فاشي منغلق لا
یتطور، وهو منعزل عن الواقع والحیاة.


-2 الإخوان هم القوة المنظمة القویة والقادرة على أن تمثل تحدیا للتدخل العسكري
في الحیاة السیاسیة، والتیار الإسلامي یتجه نحو التوحد، ولا حمایة للمشروع الحداثي
العلماني في مصر، إلا متحالفا مع العسكر، ولا حمایة لدور المؤسسة العسكریة إلا
بتحالف مع مشروع حداثي علماني.


-3 الدیمقراطیة العلمانیة تحتاج "دیكورا تعددیا"، لذا لا بد الإبقاء على مشاركة
إسلامیة ولكن بشروط تحت حجة أن عهد الإخوان قد ولىّ (السلفیون هنا هم القوى
البدیلة التي یجري الرهان علیها).


-4 المؤسسة العسكریة، ولیس الحركات الإسلامیة أو الأحزاب العلمانیة، هي مناط
الحمایة للمواطنین: الأمن فوق الحریات.


5 ا -ن تهى زمن الإخوان، وعلیهم المراجعة والانخراط، وإ لا تكون نهایتهم.
-6 المعاییر المزدوجة في التقییم: إسقاط المبادئ من أجل الغایة.


30
ثانیا: ماذا و ا رء هذه الاتجاهات المتقابلة في تقییم الخبرة: الأسس الفكریة


المفهوم العلماني للإسلام: اللعب بالدین في السیاسة، لا دیمقراطیة ولا سلمیة.


المفهوم العلماني للدیمقراطیة: خطورة الفاشیة الدینیة لفرض قسري لنمط من أعلى.


المفهوم التقلیدي للدولة القومیة (حدود الوطن): الخیانة والتآمر هو جوهر ما یقوم به


الإسلامیون مع امتداداتهم الخارجیة ضد مصلحة الوطن.
المفهوم الاختزالي الضیق للتنظیم لجماعة أو حزب: مفهوم السیاسة ونطاق
ممارستها، لا علاقة بین حزبي وجماعة، لا علاقة بین الحركات والأحزاب والدولة

.
المفهوم الاختزالي للشرعیة: الشارع ولیس الصندوق.


ثالثا: ماذا بعد؟ مواجهة تداعیات الانقلاب على المشروع الإسلامي: فك ا ر وحركة.


بعد تحلیل جمیع هذه الجزئیات یمكن القول إن المسكوت عنه في الخطاب العلماني
الأكادیمي والفكري یتعلق باتهام صنادیق برلمان الثورة وصنادیق الرئیس المدني،
لأنها أوصلت التیار الإسلامي إلى السلطة. وفي المقابل یتهم التیار الإسلامي
صنادیق الاستفتاء على دستور 2013 بالانقلاب على ثورة 25 ینایر، والنكوص إلى
ثورة مضادة علیها تتجلى في خارطة المستقبل. وفي الحالتین تبقى ثقافة الدیمقراطیة
غائبة عن النخبة، مع تكرار جدلیة الدیني أم العسكري.و إ ذا كان من استنتاج حول
خصوصیة التجربة المصریة في الدیمقراطیة وتداعیاتها على الحالتین، فهو التلاعب
بالشعب، ودور الإعلام وتأثیره الواضح في صنع هذه التحولات الانقلابیة ضد الثورة
وضد الحركات السیاسیة الإسلامیة خلال مفصل جدید من مفاصل تطور مسارها
بین المطرقة والسندان: تحدیات التجدید الذاتي، وتهدیدات المشروع المضاد
الحداثي/العلماني.


إننا نعیش حلقة جدیدة من حلقات المواجهة بین مشروعین حضاریین یتصارعان على
روح هذه الأمة وقلب وعقلها وجسدها. ولكن الحلقة الراهنة اقترنت بثورات شعبیة
وثورات مضادة، كما اقترنت حلقات سابقة (عبر أكثر من ثلاثة قرون) بمحفزات
أخرى لتیارات فكر وحركات المشروع الإسلامي للتغییر والتجدید الذاتي الحضاري
لهذه الأمة بعیدا عن مثالب المشروع المقابل ونقائصه، وبانفتاح على كل خبرة
وحكمة. والجدید والظاهر بقوة في هذه المرحلة وبحكم طبیعتها هو ضرب المكون
31


السیاسي في المنظومة الحضاریة للمشروع الإسلامي وتجفیف منابعه الفكریة
والمجتمعیة تحت ذریعة واتهام، لم یستهدف من قبل الحركات السیاسیة والمجتمعیة
الإسلامیة السلمیة، ألا وهي تهمة "الإرهاب". هذا هو الجدید، وهذا هو الخطیر بقیادة
أذرع الثورة المضادة الأمنیة والإعلامیة وللأسف الشعبیة أیضا. فالجدید في هذه
الحلقة ذلك التمایز الواضح والبین في الفجوة بین "إسلامیة الفرد"، و"إسلامیة
المجتمع"، و"إسلامیة المؤسسات"، و"إسلامیة الدولة". فكیف لنا أن نفسر ذلك العداء
الصارخ لدى جانب من المصریین لما یسمونه "الإسلام السیاسي"، وفي قلبه الإخوان
المسلمون، وبمساعدة ظهیر دیني لا یمكن أن ینكر وجود سیاسة (بالمعنى
الإسلامي) في الإسلام.


إن أحداث الحلقة الراهنة من هذه المواجهة القدیمة/الجدیدة بقدر ما تقدم دروسا
للحركات السیاسیة الإسلامیة، بقدر ما تبرز الحاجة لبذل جهود مكثفة في التربیة
والثقافة الإسلامیة لعموم المصریین.


على أي حال، فإن هذه الصعوبات والتحدیات الماثلة أمام الحركات السیاسیة
الإسلامیة قد تكون دافعة لها للتعلم وتصویب المسار، مع التأكید على أن منظومة
الفكر الإسلامي یمكن أن "تقدم صورة إنسانیة خلاقة للعمل السیاسي، وعلى قدرة
العامل الدیني والوازع الأخلاقي، على تهذیب القیم الإنسانیة والحد من النزوات
الأنانیة، وكبح النزعة البشریة في الاستعلاء والتكالب على المنافع المادیة والخاصة.
فبمحاربة كل مظاهر الفساد والرشوة والتكالب على المناصب، قد یسهم الإسلامیون
إذا ما نجحوا في تقدیم أنفسهم كقدوة صالحة ورمز للاستقامة والثبات على المبادئ
والأخلاق، وأن یقدموا صورة جدیدة على قدرة الإسلام على الإصلاح والتغییر البناء،
. بدل اتباع خیار العنف الدموي" 45


45 - د. رشید مقتدر، الإسلامیون: د ا رسات في السیاسة والفكر، بیروت والدار البیضاء: المركز الثقافي العربي،
. 2013 ، ص 212


اترك تعليق