انتخابات الرئاسة "لعبة هزلية" لتجميل وجه النظام

By : نادية مصطفى

قالت الدكتورة نادية مصطفى أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة - عضو في الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين - إن الرئاسة في مصر تمثل محكًا أساسيا في الصراع السياسي الذي اندلع عقب إسقاط مبارك، بل ومحكًا لمستقبل الثورة برمتها.

وذكرت في دراسة لها بعنوان "بين انتخابات الرئاسة الانقلابية وانتهاكات الأمن في ذكرى إسقاط مبارك" أن مصر تعيش مشهدًا هزليا في انتخابات الرئاسة القادمة، مضيفة أن النظام يحاول تجميل وجهه أمام الإدانات الدولية الأمنية والسياسية.

وإلى نص الدراسة:

تمثل "الرئاسة" في مصر وفق خبرة الثلاث سنوات من عمر الثورة محكًا أساسيا في الصراع السياسي الذي اندلع عقب إسقاط مبارك، بل ومحكًا لمستقبل الثورة برمتها.

وها نحن نصل في ذكرى إسقاط مبارك وتصفية مشروع التوريث إلى مشهد من مشاهد اللعبة الهزلية؛ أي ما يسمى انتخابات الرئاسة بعد الانقلاب، وهي اللعبة التي تدور حول مرشح واحد هو: قائد الانقلاب. وأقصد مشهد محاولات أذرع الانقلاب تجميل وجهه القبيح في مواجهة تصاعد الإدانات الدولية للسياسات الأمنية الانقلابية التي تنضح بالانتهاكات والممارسات القمعية.

وها نحن نصل في ذكرى إسقاط مبارك وتصفية مشروع التوريث إلى مشهد من مشاهد اللعبة الهزلية؛ أي ما يسمى انتخابات الرئاسة بعد الانقلاب، وهي اللعبة التي تدور حول مرشح واحد هو: قائد الانقلاب. وأقصد مشهد محاولات أذرع الانقلاب تجميل وجهه القبيح في مواجهة تصاعد الإدانات الدولية للسياسات الأمنية الانقلابية التي تنضح بالانتهاكات والممارسات القمعية.

فلقد توالت خلال الأسبوع الماضي تقارير وتصريحات هيئات دولية بهذا الشأن، كان آخرها تقرير البرلمان الأوروبي عقب جلسة نقاش حول الأوضاع في مصر.

ورغم أن مثل هذه الإدانات ليست بجديدة، حيث تكررت من قبل على فترات متتالية وفي مناسبات عدة، إلا أن الحملة الراهنة من الإدانات تختلف في أمور عدة؛ من أهمها: تزامنها مع تصاعد التكهنات عن أسباب تأخر إعلان السيسي عن ترشحه رغم تكرار التوقعات بحدوث ذلك بين لحظة وأخرى منذ فوضه المجلس العسكري بالترشح في 26 يناير 2014.

ومن ناحية ثانية: اقترن بهذه الحملة الخارجية، حملة داخلية لنفس الأسباب تشارك فيها –ولأول مرة منذ الانقلاب- وبصورة جماعية، عدد من منظمات حقوق الإنسان المصرية فضلاً عن المجلس القومي لحقوق الإنسان.

ومن ناحية ثالثة: تتزامن هذه الحملة مع أحداث متقاطعة ومتشابكة ذات دلالة واضحة عن الحالة المصرية الانقلابية داخليا وخارجيا لحظة اقتراب انتخابات الرئاسة: الخطوة الثالثة في خارطة الطريق (بعد تشكيل الحكومة الانقلابية، وإقرار الدستور الانقلابي) وهذه اللحظة تسجل ضعف الانقلاب وعدم شرعنته؛ لعدم قدرته على تصفية خصمه السياسي من خلال الحل الأمني؛ ونظرا لاستمرار هذا الخصم في المقاومة.

ولهذا المشهد الدال وجهان، لكل منهما ملامح واضحة:

الوجه الأول من العملية: مشهد الإدانات الخارجية والداخلية للسياسات الأمنية الانقلابية

من ناحية: تعددت تفسيرات تواتر الإدانات الدولية في هذا التوقيت، ما بين قائل إنها أوراق ضغط على السيسي إما لعدم الترشح أو للترشح بشروط مفادها أمران: أولهما- أن "الغرب" مازال لا يقبل إقصاء الإخوان من على الساحة أو تصفيتهم باعتبارها جماعة إرهابية، ويرجع ذلك لعديد من الأسباب المتصلة بالمصالح الأوروبية والأمريكية بالأساس وليس مساندة فصيل محدد. والأمر الثاني- أن على السلطة في مصر أن تراعي معاييـر دولية حتى لا تحرج الغرب في قبوله للانقلاب وعدم معاقبته له حتى الآن.

وفي المقابل، قال البعض إن من شأن هذه الإدانات أن تدعم من مقاومة رافضي الانقلاب الذين يوظّفون بنجاحٍ سواء في الداخل والخارج، الجرائم التي يرتكبها الانقلاب ضد الإنسانية. في حين رأى البعض الآخر أن هذه الإدانات تأتي لصالح العلمانيين شركاء ثورة 25 يناير الذين بدأت معارضتهم للانقلاب منذ صدور قانون التظاهر وتبلورت هذه المعارضة في ذكرى ثورة 25 يناير الثالثة؛ حيث من الملاحظ تنامي وتوالي الإدانات الدولية –مصحوبة بأخرى داخلية- منذ هذه الذكرى التي شاركت فيها قوى أخرى غير القوى المعارضة للانقلاب منذ البداية.

ومن ناحية أخرى: نشطت على نحو غير مسبوق -على الصعيد الداخلي جهودٌ لإدانة الممارسات البوليسية ضد المصريين، اشتركت فيها بعض منظمات حقوق الإنسان المصرية التي صمتت طويلا من قبل، وكذلك المجلس القومي لحقوق الإنسان وحركة 9مارس في جامعة القاهرة. فبعد أول استقالة من المجلس القومي لحقوق الإنسان (أ.نجاد البرعي)، جاءت تصريحات راجية عمران وجورج إسحاق بأن ممارسات الشرطة أشرس وأعنف مما قبل 25 يناير. وتقدم أعضاء من هيئة تدريس جامعة القاهرة (9مارس) بتظلمات للنائب العام بشأن 500 طالب و70 عضوًا من هيئة تدريس محتجزين. والعجيب أن تجرى هذه المواقف في نفس الوقت الذي يتم فيه محاكمة مبارك للمرة الثانية بقتل المتظاهرين بعد قبول نقض الطعن على الحكم الأول بإدانته. وهي المحاكمة التي تتوالى فيها الشهادات أمام المحكمة بتبرئته من دماء المتظاهرين. في نفس الوقت الذي تتكاتف فيه جهود قوى الثورة المضادة لإدانة الرئيس د.محمد مرسي بقتل (2) من المتظاهرين في أحداث الاتحادية. وبالطبع يظل القتلة الانقلابيين خارج الأسوار، على الأقل حتى الآن، وعلى رأسهم: السيسي.

ومن ناحية ثالثة: امتدت الاحتجاجات ضد الداخلية إلى أبنائها ذاتهم؛ حيث انتفض في عدة محافظات أمناء للشرطة، يطالبون بإقالة وزير الداخلية ومساعديه لفشلهم في إقرار الأمن وحماية رجال الشرطة من الإرهاب، كما طالبوا بتحسين أوضاعهم المالية والخدمية. ورأى البعض في ذلك المشهد جزءا من هجوم ممنهج بدأ يتعرض له وزير الداخلية تمهيدًا لتقديمه كضحية في حال ارتأى السيسي أن يقدم رسائل طمأنة لشركاء الانقلاب الذين تحولوا للمعارضة، أو تهدئة وتصالح تجاه مقاومي الانقلاب. وكلها إن صدقت، رسائل موجهة للخارج أكثر من كونها تغييرًا حقيقيًّا في المواقف الانقلابية.

ومن ناحية رابعة: وفي مقابل هذه الصحوة من جديد ضد شرطة نظام مبارك والارتداد عن حالة التصالح معها منذ 30 يونيه 2013، فإن أذرعا انقلابية من الإعلاميين ومن المثقفين ومن شباب الناشطين بل ومن القضاء، نشطت بدورها لتحتوي هذه الحالة –الداخلية والخارجية- والتي رأت فيها تهديدًا للتحالف الانقلابي سواء من داخله أو خارجه.

هذا، وإذا كان معارضو الانقلاب قد رأوا أن الهجمة الراهنة على ممارسات الداخلية مبعثها ما ارتكبته في حق "شركاء ثورة 25 يناير من العلمانيين الذين بدءوا معارضة السلطة الانقلابية التي ساندوها من قبل، في حين أن المجازر التي وقعت في حق معارضي الانقلاب منذ بدايته لم تلق إدانة قوية واضحة وحاسمة من هؤلاء الشركاء، فإن الأذرع الانقلابية -وإن لم تشارك بالطبع في حملة الإدانات من الداخل- إلا أنها اجتهدت للتخفيف من وطأتها؛ لأنه لم يعد بالمقدور السكوت عن المعلن عنها. فلقد اجتهدت لاختلاق الأعذار والمبررات أو الاتهامات المضادة.

وتأتي أكثر الدفاعات غرابة من الناصريين: فنجد البعض يدعي محدودية حجم الانتهاكات مقارنة بعصر مبارك، كما يرى البعض الآخر أن حملة الإدانة ليست أكثر من نقد داخلي في التحالف الانقلابي وليست تفككًا، بل وصل الأمر بالبعض للقول إن اتساع نطاق الاعتقالات والانتهاكات أمر طبيعي من موجة ثورية إلى أخرى (الثورات تأكل أبناءها)، كأنه يعترف بذلك أن
"30يونيه-3يوليه" هو ثورة مضادة لثورة 25 يناير.

أما ما يسمى التيار الليبرالي فكانت مواقفه أكثر انتهازية. فإذا كان البعض اضطر -ولكن باستحياء شديد- إلى ادعاء عدم التمييز في الإدانة بين "إخواني" وغيره، فقد حرص البعض الآخر على التمييز بين إدانة الممارسات ضد نشطاء وشباب ثورة 25 يناير (منذ صدور قانون التظاهر) وبين دور الداخلية في مكافحة الإرهاب، كأن "الإرهابيين" –تجاوزا- لا حقوق إنسانية لهم. واجتهد فريق ثالث لتذكرة الداخلية وتحذيرها، بأن هذه الانتهاكات تصب في صالح مواقف "الجماعة الإرهابية". كأنهم لا يتكلمون إلا على الانتهاكات ضد غير الإخوان الإرهابيين!!. وكان هذا هو بيت القصيد من البداية مع صدور حكم المحكمة باعتبار جماعة الإخوان جماعة محظورة ومع صدور قرار أو بيان مجلس الوزراء باعتبار الجماعة جماعة إرهابية، وكذلك –وهو الأهم- مع الربط المتكرر –بدون أدلة- بين معارضي الانقلاب السلميين وبين  "الإرهاب" في سيناء والذي امتد إلى الدلتا والعاصمة (التفجيرات والاغتيالات لرجال الشرطة والجيش).

وفي حين اتجه أعضاء حركة 9مارس من أساتذة الجامعة للنائب العام بتظلمات للإفراج عن المحبوسين من الطلبة والأساتذة حبسًا احتياطيًا يتجدد بلا توقف منذ أشهر دون إحالة للمحاكم، فلقد ارتفع صوت بعض الإعلاميين الانقلابيين مزايدًا بدعوة أهالي الطلاب أو "الذين قبض عليهم في الزحمة" للتظلم... وهكذا وبدون استحياء يتم الاعتراف بأن القبض على الناس يتم عشوائيًا. والأكثر خطورة -استمرارًا لمنهج "نحن شعب وأنتم شعب"- لا يتورع الإعلام في تصدير تصريحات بعض أهالي المعتقلين مؤكدين أنهم من مؤيدي السيسي أو ممن صوتوا بنعم للدستور أو أنهم ليسوا (إخوانا)!!! فلماذا تعتقلون أولادنا؟ كأن الاعتقال والانتهاك أمر مقبول لكل من كان (إخوانا) أو قال "لا للدستور" أو عارض ترشح السيسي.

ومن ناحية خامسة: وفي بادرة هي الأولى من نوعها منذ الانقلاب يصدر وزير الداخلية بيانًا يؤكد فيه "عدم تعذيب" المسجونين. فيضيف بذلك إلى سوءات الانقلابيين سوءة "الكذب" فيما لم يعد بالإمكان الكذب بشأنه، ألا وهو انتهاكات حقوق الإنسان البارزة والفجة والمرصودة والتي تصل لدرجة الجرائم ضد الإنسانية. ولم يساعد السماح لمنظمات حقوق الإنسان الموالية بزيارة بعض السجون من التغطية على الكذب. ففي حين استخدم الإعلام الانقلابي هذه الزيارات لتجميل وجه الانقلابيين، فإن رفض الداخلية السماح لمنظمات وطنية أخرى ودولية بالزيارة يحمل أكثر من معنى مؤكد لارتكاب هذه الجرائم.

كذلك وافق وزير الداخلية على مقابلة مبعوث الاتحاد الأوروبي لحقوق الإنسان. ومما لاشك فيه أن هذه المقابلة بعد توالي البيانات الأوروبية المنفردة (من وزير الخارجية البريطاني مثلا) أو الجماعية (من البرلمان الأوروبي) تحمل كثيرا من الدلالات وخاصة من حيث حرص سلطة الانقلاب على تحسين الصورة لدى الخارج وضمان استمرار مساندة الاتحاد الأوروبي لخارطة الطريق في وقت يقترب فيه الاستحقاق الانتخابي الرئاسي.

وفي المقابل اعتبر البعض من الناصريين (مدعي الاستقلال والوطنية) أن هذه المقابلة بمثابة قبول للتدخل الخارجي في الشأن المصري لا يجب تكرارها. وفي هذا إيماء بالطبع لما سبق، ومازال يروجه البعض عن مساندة الغرب للإخوان ضد أمن ووحدة مصر. ومهما قيل عن دوافع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وراء رفض اعتبار الإخوان جماعة إرهابية (وهو ما يثير حنق الانقلاب) أو توالي الإدانات الخارجية للممارسات القمعية، وهي كثيرة، فليس من بينها بالطبع مساندة الغرب لحكم الإسلاميين في مصر (بلا شرط) أو قبول الإسلاميين التآمر معه.

ذلك لأن "الغرب" في واقع الأمر لم يعارض الانقلاب بل وافق عليه ومازال يناور معه ليحقق مصالحه بالأساس. إلا أنه مع تلك  المواقف المناورة يظل ملف "الإسلاميين" والإخوان مفتوحًا لم تغلقه الحلول الأمنية ولا الاتهامات المرسلة بالإرهاب. وسيظل يمثل تحديًا -في الداخل ومن الخارج –لسلطة الانقلاب وهي تتعثر على مسار خارطة الطريق دون شرعنة حقيقية حتى الآن ودون تمكين.

ومن ناحية سادسة: يجتهد القضاء الشامخ لينأى بنفسه عن هذه الإدانات والاتهامات مؤكدًا عدم مسئوليته عن أفعال قوات الأمن. كيف بالله عليكم؟ ومن الانتهاكات المرصودة ما يتصل بقانون الإجراءات الجنائية؟ ألم يستقل أ.نجاد البرعي بسبب هذا الأمر؟ واستكمالاً لذر الرمال في الأعين فإن القضاء الشامخ يشن حربا مضادة مدعيا حماية الحقوق والحريات. فللمرة الثانية يحيل النائب العام المستشار هشام جنينة- رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات للمحاكمة بتهمة سب وقذف وزير العدل في حديث صحفي، كذلك أحال وزير العدل، المستشار طلعت عبد الله النائب العام السابق ومساعده المستشار حسن ياسين لمجلس تأديب بتهمة تركيب كاميرات وأجهزة تنصت في مقر النائب العام.

ومن ناحية سابعة: لا يكل الظهير الديني للانقلاب عن المشاركة في حملة تجميل الوجه شديد القبح، ولدرجة تصل ببعض منافقي الأزاهرة إلى تشبيه السيسي وإبراهيم بالنبييْن موسي وهارون "عليهما السلام"، وصولاً إلى تشبيه إبراهيم بسيدنا إبراهيم عليه السلام حين أنقذه الله من نار الكفار. وفي المقابل يستمر ظهير ديني آخر، في تشويه "الإخوان" والحض على كراهيتهم لدرجة الإفتاء بتطليق الرجل لزوجته الإخوانية أو عدم الارتباط أصلاً بإخوانية. وللأسف لم يلق جميع هؤلاء المنافقين الذين يوظفون الدين لنفاق الحاكم، إلا أقل العتاب من مشيخة الأزهر. في حين كان من الأجدر التحقيق معهم أو عقابهم وخاصة لحساسية مواقعهم الأكاديمية والإعلامية فما قاموا به ليس من باب حرية الرأي والتعبير العام والسياسي الواجب ضمانه لكل مواطن.

خلاصة القول عن "الإدانات الداخلية والخارجية" للانتهاكات الأمنية:

عفوا أيها السادة: الحل الأمني مهما ازداد قمعه ليس الحل.

ومن ناحية أخرى: عفوا أيها السادة الفرحون بهذه الإدانات!! فهي وإن كشفت الانقلاب إلا أن قضيتنا ليست إنسانية، ولكن أصل الداء هو الانقلاب ذاته. فالأصل هو قضية اغتصاب سلطة شرعية وعودة لحكم العسكر من جديد.

الوجه الثاني للعملة:

لعبة الانتخابات الرئاسية الهزلية (بين ديكور التعددية وبين الشرعنة من الخارج)

للأسف الشديد فإن مشهد الإدانات للانتهاكات يقع في سياق ينضح بمعاناة المصريين من كل الفئات وتصاعد احتجاجاتهم ومطالبهم واعتصاماتهم واضطراباتهم الفئوية (عمال شركات قطاع الإعمال، هيئة النقل العام، المهنيين من الأطباء والصيادلة..) وتدهور الخدمات، والبطالة مع استمرار غلق المصانع والأعمال الصغيرة والمتوسطة، وتدهور القدرة الشرائية وجمود الأسواق....). ويتم ذلك في إطار من النقد والهجوم المستمر على أداء الحكومة الانقلابية وتخبط قراراتها وعدم وضوح سياسات إنقاذ الاقتصاد المصري... .

ألا يمثل ذلك السياق المتردي قنبلة موقوتة يمكن أن تنفجر بنوع آخر  من العنف، غير هذا الذي تتهم الداخلية به معارضي الانقلاب؟ ألا يجدر أن تبذل هذه الحكومة في مواجهة أسباب هذا الغضب العام قدر ما تبذله من جهد في قمع معارضي الانقلاب المتهمين بكل أنواع العنف والإرهاب؟ وأي سياق هذا يمكن أن تجرى فيه استعدادات انتخابات رئاسية؟

وبعد إعلان الرئيس المؤقت الانقلابي في 26 يناير عن تعديل خارطة الطريق، ومع تكرار الإعلان منذ 26يناير أيضا عن قرب إصدار مشروع بقانون لتعديل قانون انتخابات الرئاسة، وبعد تفويض المجلس العسكري الفريق السيسي للترشح للرئاسة وبعد ترقيته لرتبة المشير، ومع توالي ما يسمى الحملة الشعبية والإعلامية لمساندة ترشح السيسي، ... بعد كل ذلك دخلت لعبة الانتخابات الرئاسية مرحلة أكثر هزلية وامتهانًا لإجراءات الديمقراطية، ناهيك عن قيمها وثقافتها (المهدورة أصلاً منذ الانقلاب).

فعبر 18 يوم من الذكرى الثالثة لأحداث ثورة 25 يناير المجيدة وصولاً إلى ذكرى  إسقاط مبارك 11فبراير2011، وإلى جانب كل ما يتصل بمشهد الإدانات الداخلية والدولية السابق شرحه في وجه العملة الأولى، تراكمت المؤشرات الكاشفة والمؤكدة أن ما حدث في 3يوليو 2013 هو انقلاب متكامل الأركان لاغتصاب السلطة من "المدنية المنتخبة". اذن عن أية انتخابات رئاسية يتحدثون؟

فمن ناحية:  لا يعلن السيسي ترشحه، تاركًا الساحة للتكهنات ومطلقًا بالونات اختبار عديدة، ينشغل بها الرأي العام، عما هو أكثر أهمية؛ ألا وهو تردي أداء السلطة الانقلابية. وبذا تتحول الأنظار عن القضية الأساسية؛ ألا وهي مآل "المدنية والديمقراطية في مصر مع ترشح المشير"، وينشغل الجميع بالفرع: لماذا لا يعلن الترشح وما سبب التأخر؟ إنها مرة أخرى ألاعيب الحرب القذرة التي تمارسها الأجهزة الأمنية منذ الإعداد للانقلاب وحتى الآن.

ولقد وصل الهزل أقصاه مع واقعة "جريدة السياسة الكويتية"، ثم تصريحات السيد عمرو موسى عن اتخاذ السيسي قرار الترشح وقرب إعلانه له. ومع كل هذا، التكذيب للجريدة والتجاهل لما أعلنه عمرو موسى، يبقى السيسي في الصورة وكأنه الوحيد الذي يدير سياسة مصر.

وتقدم الصورة عن زيارته لروسيا أحدث الأدلة على ذلك. فهو ليس مجرد وزير دفاع يسافر مع زميله وزير الخارجية في زيارة رسمية، ولكنه المشير السيسي الذي يذهب في زيارة تاريخية لمقابلة بوتين يرافقه وزير الخارجية نبيل فهمي!!! ومهما قيل عن أهداف الزيارة ومآلاتها، فإن الحصول على مساندة روسية "للسيسي رئيسًا" ولانقلابه ليس هدفًا خافيًا على أحد. ومن ثم لا تعليق من مصدر عسكري أو سياسي على تدعيم بوتين لترشح السيسي.

ومن ناحية ثانية: لا يعدم السيسي من بين مؤيدي الانقلاب ممن يدعون الليبرالية، من يتطوع خيرًا ليؤكد على ضرورة "تعددية الانتخابات الرئاسية" حفاظًا على مستقبل الديمقراطية. ففي حين يزايد الناصريون واليساريون وغيرهم في تأييد ترشيح السيسي، فإن بعض أدعياء الليبرالية يستحثون النخب والقيادات (أو ما تبقى منها) للإقدام على الترشح والمشاركة في الانتخابات الرئاسية بفرض أنها ستكون حرة نزيهة مثل الاستفتاء على الدستور!!! يالها من دعوات منافقة بدورها، لا تعرف أو لا تريد أن تعترف أن زمن الديمقراطية التعددية قد ولى منذ الانقلاب؛ فإن غياب التعددية الحقيقة، كما حدث في الانتخابات الأولى، ليس مرده بوار ارض مصر ولكن مرده أمران لا ثالث لهما: أولهما- أن مصير أي رئيس مدني، مهما كان توجهه، سيكون مآل ومصير الدكتور مرسي إذا لم يكن "خاضعًا للجيش" قلبًا وقالبًا. الأمر الثاني هو أن النخب مدعية المدنية تريد من السيسي أن يكمل جميله، فهي ترى فيه "اختيار الضرورة" لأكثر من اعتبار انقلابي.

ومن ناحية ثالثة:  إن تأخر إعلان السيسي ترشحه يساعده على عدة أمور حرثًا للتربة وتمهيدًا لها قبل دخوله الساحة الرسمية.

أول هذه الأمور اختبار مدى تماسك التحالف الانقلابي وراء رئاسته المقبلة. فالانقلابات التي تتمسح بأردية الشرعية الثورية والمسار الديمقراطي، لابد وأن توفر ديكورات مدنية وتعددية (كما حدث في مشهد الإعلان عن الانقلاب)؛ ولذا لابد من إعطاء الفرصة للجميع ليراجعوا حساباتهم، بحرية أو تحت ضغط للترشح من عدمه في إطار الشروط التي يحددها قائد الانقلاب، وخاصة استمرار الحل الأمني القمعي ضد المعارضين المتهمين بالإرهاب من جانب، والقبول بإجراء انتخابات رئاسية في ظل "حرب على الإرهاب".

 وهنا نواجه نموذجين:

نموذج حمدين صباحي الذي أعلن منذ أسبوع عزمه الترشح رسميا باسم الثورة ممثلاً للتيار الشعبي. وهو الذي سبق ومرت مواقفه تجاه ترشح السيسي  بعدة تغيرات؛ ابتداء من إعلان موافقته على ذلك الترشح، انتقالاً إلى تفصيل مبررات لعدم ترشح السيسي حرصًا على صورته ومصلحته، وصولا إلى اشتراط أن يتمسك السيسي بأهداف الثورة. هذا ولقد اتخذ حمدين  هذه المواقف في وقت تعثرت وتخبطت جبهة الإنقاذ في مواقفها من تدعيم ترشيح السيسي أو تقديم مرشح باسمها. ولذا فإن ترشيح حمدين صباحي قد أحدث انقسامًا على صعيد الجبهة وعلى صعيد حركة تمرد وعلى صعيد حزب الكرامة. فهل تمثل هذه الانقسامات تفككا في التحالف الانقلابي وراء الهدف الأول: وهو إقصاء الإسلاميين وتطبيق خارطة الطريق؟ بالطبع لا ! ولكنها بالطبع تعكس قلقًا على مستقبل الديمقراطية والمدنية وأهداف العدالة الاجتماعية، ولكن فيما يبدو لا يمثل هذا القلق هاجسًا حقيقيًا لدى تيار لا يعرف التقاليد الديمقراطية الحقيقية ويستعد للمناورة أو ربما التخلي عن مبادئ وأسس لتحقيق مكاسب سياسية آنية. يصدق ذلك على حد سواء، على كل من النخب السياسية المترهلة وعلى زمرة "الشباب الانتهازي" الجديد، الذي يعده "العسكر" ليمثل قاعدة مدنية له تأتمر بأمره. ولذا كانت اجتماعات الرئيس الانقلابي المؤقت أو مستشاره الإعلامي أو مستشاره السياسي، بالشباب، تحت اسم "الحوار الوطني"، بمثابة تمثيليات بلا مردود وطني، ناهيك عن قصر نفسها. فلم تنعقد إلا في مناسبة احتفالية واحدة.

وفي مقابل نموذج حمدين صباحي وحركة تمرد نواجه: نموذجي عبد المنعم أبو الفتوح وأيمن نور.

وإذا كان ترشيح حمدين صباحي قد أثار انقسامًا في حزبه وفي التيار الشعبي (وليس بالطبع في جبهة الإنقاذ)، فإن إعلان د.عبد المنعم أبو الفتوح عدم ترشحه –بناء على قرار من الهيئة العليا لحزب مصر القوية- قد ولد ردود فعل أخرى. فعدا ما يتعرض له أبو الفتوح من تشكيك واتهام من جانب الأذرع الانقلابية وخاصة منذ انسلاخه بالتدرج عن التحالف الانقلابي وعن خارطة الطريق، وعدا أيضًا ما يتعرض له من نقد واتهام من جانب معارضي الانقلاب، فإنني أرى أن "مصر القوية" وعبد المنعم أبو الفتوح قد استغرقا وقتًا طويلاً ليصلوا إلى ما وصلوا إليه من مواقف وبصراحة وثورة وعلانية ورسمية من حيث إدانة الانقلاب والسلطة الانقلابية([1]).

وتجاوزًا الآن للحديث في أسباب هذا التغير وصولا للاعتراف الصريح بأن ما حدث 3يوليو انقلابًا، فالحمد لله أنه حدث ولو جاء متأخرًا كثيرًا وخاصة من جانب د.أبو الفتوح، الذي شرفت بالمشاركة في حملته الانتخابية الأولى، فإنني أتمنى أن تزيح صورته ومواقفه في مؤتمر الصحفي الأخير أثر صورته وهو يجالس رؤوس الانقلاب في الاجتماع الأول والأخير لما سمى حينئذ مؤتمر المصالحة الوطنية    يوليو 2013.

وإذا كان قرار عدم ترشح أبو الفتوح، هو قرار الهيئة العليا للحزب، فلقد جاء استجابة أيضًا مع موقف أبو الفتوح عقب الانتخابات الرئاسية الأولى، أنه لن يتقدم بعد ذلك لأي ترشيح رئاسي. الحمد لله أنه حفظ تعهده أمام نفسه وأمام الناس. كما أن د.أبو الفتوح ومصر القوية، لن يقبلوا المشاركة كديكور تعددي في عملية هزلية توفر غطاءً تعدديا شكليًا "للمرشح العسكري" قائد الانقلاب.

وإذا كانت "لو" تفتح عمل الشيطان، إلا أن الذكرى تنفع المؤمنين، لذا لابد أن أقول إن أبو الفتوح وحمدين صباحي يحصدان الآن ثمن عدم اتفاقهما قبل الجولة الأولى من انتخابات 2012، أم إن افتراق الطرق بينهما لدرجة التضاد، دليل على أن مثل هذا الاتفاق ما كان يمكنه الحدوث حتى لو توافر حسن النوايا!!!

ومهما حاول حمدين صباحي أن يبدو مرشحًا للثورة ومنافسًا لعبد الفتاح السيسي، ومهما ادعى من أسباب أصلية لترشحه... فإنه يظل جزءًا من العملية الانقلابية والمسار الديمقراطي الشكلي الذي يريد أن يتجمل به المستبد الجديد، وسيتحمل وطأة ووزر عدم إدانته للانتهاكات ضد شباب ثورة 25 يناير من أنصاره السابقين أو من شركائه السابقين (لا ننسى أن حمدين  الصباحي وأعضاء من حزب الكرامة دخلوا مجلس الشعب الأول بعد الثورة على قوائم الإخوان المسلمين، أو ما سمى (التحالف الديمقراطي حينئذ).. كيف؟ وهو يدعي أنه مرشح الثورتين؟!

أما د.عبد المنعم أبو الفتوح الذي توقع انتفاضة جديدة للشعب المصري بسبب انتهاكات حقوق الإنسان والصعوبات الاقتصادية، فهل سيمثل رافدًا مساندًا لمعارضة التحالف الوطني الموسع؟ هل آن أوان تحديد الأولويات لتجاوز مرارات قديمة للتنسيق في مواجهة الحكم العسكري عدو الديمقراطية والحريات؟ ألم  تكن العلاقات العسكرية المدنية وتطهير الداخلية على قائمة أولويات مصر القوية؟ وكم اتهم أبو الفتوح د.محمد مرسي لعدم التصدي لهذه المهمة؟ فما هي رؤيته الآن لسبل مواجهة التدخل السافر للعسكر من جديد ولعودة الدولة البوليسية القمعية؟

إن هذه المشاهد المتتالية حتى الآن، في مسلسل الانتخابات الرئاسية الهزلية ليست أقل دلالة من مشاهد الانتهاكات المنية التي هي أصل أصيل في أي انقلاب على شرعية ومسار ديمقراطي وليد.

فماذا ستقدم الأيام القادمة من مشاهد جديدة وخاصة في ظل تأخر الإعلان عن مشروع قانون الانتخابات الرئاسية المعدل وطرحه للحوار المجتمعي؟ فكيف يعلن المرشحون عن ترشحهم وهم لا يعرفون قواعد الترشح؟ هل يتم إعداد مفاجأة في هذا القانون تتواءم مع متطلبات ترشيح السيسي، أم أنه تأخر متعمد لاعتبارات أخرى؟ وهل ما تبقى من وقت على انتهاء أجل إجراء انتخابات رئاسية، وفق خارطة الطريق– يسمح بحملات انتخابية حقيقة وجادة؟ أم سنفاجأ بتعديل جديد لخارطة الطريق يمد من هذا الأجل تحت ذرائع جديدة؟

أسئلة تحتاج إجابة من الرئيس الانقلابي المؤقت، رئيس المحكمة الدستورية العليا، الذي عاد للاختفاء من 26 يناير بعد تعديل خارطة الطريق وبعد أن "ناشد" النائب العام بشأن المعتقلين، ولا استجابة حتى الآن!!! وبعد أن أعلن أنه لا مصالحة البتة الآن!!    

الأمر الثاني وراء تأخير ترشح السيسي هو اختبار مدى تمسك حزب الكنبة والتحالف الانقلابي بالحل الأمني ضد الإسلاميين  وبرفض الحل السياسي والمصالحة، وكذلك اختبار موقفهم من تجدد ظهور أركان وكوادر للحزب الوطني المنحل (جبهة من أجل مصر على سبيل المثال).

وبعد أن أكد الرئيس الانقلابي المؤقت ووزير دفاعه انه لن يتم السماح بعودة الحزب الوطني المنحل أو التعاون مع كوادره (كيف والحكومة الحالية تضم بعضها؟) فإن حملة الإدانات الداخلية والدولية على انتهاكات حقوق المعتقلين والمسجونين قد تزامنت مع ما تعرضت له حملة حمدين صباحي من انتهاكات أمنية لدرجة دفعت بهذه الحملة، مع تكرار الانتهاكات، لإصدار بيان يوم 15 فبراير مفاده الآتي: استنكر التيار الشعبي الاقتحام الذي تعرض له مقره في قرية "شها" بمحافظة الدقهلية على يد مجموعة من البلطجية، معتبرا أن هذا الاقتحام هو محاولة لإرهاب التيار؛ وهو الأمر الذي لن ينجح فيه أي طرف. وفي الوقت ذاته، أدان التيار بشدة فض قوات الأمن لوقفة سلمية نظمتها حملة حمدين صباحي بالإسكندرية مساء أمس الأول لتدعيمه لخوض سباق الانتخابات الرئاسية. وقال التيار إن أي حديث عن قانون للتظاهر في ظل أجواء انتخابات رئاسية هو عبث لا يليق، وطالب التيار الشعبي السلطات المعنية بالتحقيق في هذه التجاوزات وإعلان نتائج التحقيق سريعا([2]).

وأقل ما يمكن أن يوصف به البيان أنه متخبط يحاول إمساك العصا من المنتصف، فكيف لمعارضي قانون التظاهر -ولكن الصامتين في نفس الوقت على ما يرتكب باسمه من انتهاكات ضد معارضي الانقلاب- كيف لمؤيدي الدستور المشاركين في حملة نعم "الاستبدادية" والذين سكتوا عما تعرض له الداعون إلى "لا" ضد الدستور من قمع وأيضا باسم قانون التظاهر، كيف يسمحون لأنفسهم الآن، ولأغراض مصلحية خاصة، أن يقولوا إن انطباق قانون التظاهر لا يستقم مع حملات انتخابات رئاسية؟ أو كان يستقم أيضا مع أمور أخرى؟

الأمر الثالث وراء تأخر ترشح السيسي هو إطلاق بالونات اختبار لمدى استمرار التحالف الوطني على مقاومته وصموده: لقد تزامنت حملة الإدانات للانتهاكات الأمنية، ولو على نحو لم يتم تركيز الضوء الإعلامي عليه بالدرجة الكافية، مع تواتر عدد من التصريحات، والمبادرات الداعية لضرورة أفق للحل السياسي التفاوضي؛ لأنه لا يمكن إنهاء الأزمة الحالية بضربة قاضية فهي ليست مباراة صفرية، وان استمرت على هذا النحو الصراعي الاستقطابي ستنال من أمن الوطن ودولته وسلامه الاجتماعي.

ففي البداية، جاء الإعلان عن مبادرة د.حسن نافعة([3])، وكان قد سبق له تقديمها للمجلس العسكري، دون إعلان عنها – في أكتوبر 2011- وتردد خلال تناولها بالسلب أساسًا أن اللواء العصار هو الذي طلب منه التقدم بها. وبغض النظر الآن عن منطلقات وركائز هذه المبادرة (من حيث تشخيص أسباب الأزمة وما تطرحه من إشكاليات) وبغض النظر عن قدر الاختلاف أو الاتفاق حول هذه المنطلقات، إلا انه من الواضح أنه لا تحمل حلاً متكاملاً، ولكن تطرح مجرد آلية (لجنة وسطاء أو حكماء) ومبادئ تعمل على ضوئها اللجنة للبحث عن سبل وقواعد للتفاوض. وأرى أن المبادئ المطروحة في نهاية المبادرة تتسم بقدر كبير من التوازن.

وتكتسب هذه المبادرة أهميتها من طبيعة من تقدم بها؛ فهي المبادرة الأولى، بعد مبادرة زياد بهاء الدين عن حماية المسار الديمقراطي، والتي تنبع من صفوف مؤيدي 30 يونيه وانقلاب 3يوليو. ورغم الاختلاف بين طبيعة المبادرتين وتوقيت إعلانهما ومصدرهما (من داخل الحكومة الانقلابية وخارجها) إلا أن د.حسن نافعة تلقى من الهجوم على شخصه أكثر مما تلقى من ردود فعل على مضمون المبادرة.

فعدا أنه أصبح من أعضاء الطابور الخامس، فلقد هوجمت المبادرة جملة وتفصيلاً من الأذرع الانقلابية. ولم يكن رد فعل "معارضي الانقلاب" من التحالف الوطني وغيرهم أفضل حالاً بكثير.

فبالطبع رغم اختلاف أسباب الرفض من الجانبين ودرجة حدته وهجومه، فيمكن تلخيص فحوى مجمل الهجوم الانقلابي على المبادرة في الآتي:

رفض أي كلمة تفاوض أو حل سياسي (ناهيك بالطبع عن المصالحة) والإصرار على استمرار التصفية والاستئصال، وليس مجرد الإقصاء على الساحة السياسية أو مجرد العودة بشروط، على اعتبار أن معارضة الانقلاب قد انكسرت وأنها تحتضر وليس عليها إلا الاستسلام.

هذا للأسف هو منطق الأذرع الانقلابية، منطق المنتصر والمنهزم في الحروب. ولمَ لا وقد حولوا الصراع السياسي إلى "حرب على الإرهاب"، وحولوا المنافس السياسي إلى خصم وعدو وقسموا الشعب إلى شعبيين؟ فمستبعد على هؤلاء أن يفهموا "لغة السياسة" بين الصراع والتفاوض حتى لو انتهى بهم الأمر لتدمير الوطن.

وفي المقابل، وعلى الجانب الآخر المعارض للانقلاب، فإن مجمل المواقف (فيما عدا الاتهامات لشخص د.حسن نافعة والتذكرة بمواقفه السابقة المؤيدة للانقلاب... الخ) يتلخص في الآتي:

لماذا الآن في وسط مهزلة الانتخابات الرئاسية؟ من الذي في حاجة لمبادرة تفاوض؟ المعارضون الذين قتلهم الانقلاب بدم بارد في ذكرى ثورة 25 يناير؟ المعارضون الذين يتوالى كشف انتهاكات حقوق المعتقلين منهم؟

ومن ناحية أخرى ومع الاعتراف بما ورد في المبادرة بأن البحث عن مخرج يمثل واجبا وطنيا تقع مسئوليته على الجميع، وبأن البحث عن حل للأزمة ينطلق من اقتناع الطرفين بأن استمرار الصراع بينهما قد تلحق الأذى بالجميع.. وبأن تقديم تنازلات متبادلة أصبح السبيل الوحيد للتوصل إلى حل وسط لإنقاذ مستقبل، وبأن على السلطة القائمة أن تبادر باتخاذ الخطوة الأولى في اتجاه المصالحة والعمل على بناء ما يكفي من جسور الثقة لإقناع الطرف الآخر بأنها لا تنوي استئصاله...إلا أنه يظل واضحًا، مع اقتراب الانتخابات الرئاسية، ومع استمرار قسوة الحل الأمني وتسييس القضاء ومهزلة المحاكمات لقادة الجماعة ود.محمد مرسي، فإن السلطة القائمة تبدو غير مستعدة لاتخاذ الخطوة الأولى، في حين أنه يجب عليها أن تتخذها قبل أن يعلن التحالف الوطني وغيره استعدادهم لحل تفاوضي.

ولهذا لا تبدو مبادرة د.حسن نافعة في نظر السلطة الانقلابية إلا جرعة جديدة من التخدير موجهة بالأساس للخارج، لتقديم رسالة مفادها: تعنت المعارضين في قبول أي مبادرة. فهذا هو منهج تلك السلطة منذ توالت المبادرات قبل الفض وبعده وحتى الآن. فمما لاشك فيه أن استحكام الأزمة وتزايد تكلفة الحل الأمني تزيدان من الصعوبة أمام مشروع السيسي وأمام حملته الانتخابية المزعومة أو المرتقبة أو القائمة بالفعل. ومن هنا فإن بيان التحالف الوطني الصادر في يوم 16 فبراير قد حدد موقفه من المبادرات، الرافض لها إلا بشروط.

إن مبادرة د.حسن نافعة ومآلها حتى الآن تجعلنا نتساءل: متى يجد الطرفان نفسيهما مضطرين لقبول التفاوض؟ وهل سيكون الأوان قد فات على إنقاذ الوطن مما ينتظره من موجات عنف أو انهيار اقتصادي أو تفسخ مجتمعي أو ممارسات أمنية أكثر قمعية؟ على من ستقع المسئولية إذن في تأخر حل الأزمة؟

ومن ناحية أخرى، فإن صوتين آخرين -ولكن هذه المرة من خارج التحالف الانقلابي الآن- حذرا أيضا من خطورة استمرار الوضع الحالي؛ ومن ثم ضرورة الحل السياسي؛ وهما صوت د.أيمن نور ود.عبد المنعم أبو الفتوح. حقيقة كلاهما وقواعد حزبيهما ساندوا 30يونيه وشاركوا فيها وسكت كلاهما بدرجة أو بأخرى، عن الانقلاب في بدايته إلا أن كلاهما كانا من خارج جبهة الإنقاذ ولم يأخذا مواقفها الحدية الاستقطابية في مواجهة رفض د.محمد مرسي وكراهية جماعة الإخوان والعداء لها، واستغرق د.أبو الفتوح ومصر القوية وقتًا طويلًا ليعترفوا -وبالتدريج وبطريقة متصاعدة- أن ما جرى ليس موجها لتغيير د.محمد مرسي فقط، ولكنه انقلاب وثورة مضادة تريد تكريس حكم عسكري وتنتهك الحريات والحقوق.

وإذا كانت مواقف عبد المنعم أبو الفتوح الآن (منذ مؤتمر إعلان عدم ترشحه للانتخابات ثم حديثه الصحفي مع وكالة رويترز)([4]) قد جاءت نتاج تفاعله من الداخل، فإن مواقف د.أيمن نور –من خارج مصر- خافتة متقطعة غير متصدرة، حتى كان حديثه الأخير في "الجزيرة مباشر" في ذكرى إسقاط مبارك([5]).

خلاصة القول عن هذا الوجه الثاني لمشهد ذكرى إسقاط مبارك بين هزلية الانتخابات الرئاسية وتفاقم مشاكل الحل الأمني ومصداقيته:

 إن تأخر إعلان السيسي ترشحه ليس صدفة ولكنه جزء من إعداد المشهد، سواء لترشحه أو لعدم ترشحه، وبقدر ما كان اختياره والتدخل العسكري سبيلاً لخلق الأزمة وبقدر ما كان اختياره للحل الأمني سبيلاً لإدارة ما صنعه بأيديه، بقدر ما يمثل هذان الاختياران تحديات وتهديدات لمشروعه وتزيد تكلفة وأعباء تنفيذه، ليس على ثورة 25 يناير أو الإسلاميين فقط ولكن على الوطن بأكمله.

 فما يبدو للانقلابيين من أن انتخابات الرئاسة هي خروج من الأزمة، ليس في الواقع إلا أزمة كبرى في حد ذاتها.


اترك تعليق