قيمة العدل حضاريا

By : محمد مسعد ياقوت

يقول برتلي سانت هيلر – يصف النبي – صلى الله عليه وسلم -  : "وإن في شخصيته صفتين هما من أجلّ الصفات التي تحملها النفس البشرية وهما العدالة والرحمة.".


***


كان النبي - صلى الله عليه وسلم – يتخلق بالعدل في أدق تفاصيل حياته اليومية، مع الغريب والقريب، في السفر والحضر، كمدين وكدائن .. بل نراه إيجابيًا عندما شارك في تأسيس هيئة خيرية تعنى بإقرار العدل وبنصرة المظلوم ! (وهي حلف الفضول)، وأثنى النبيُ– صلى الله عليه وسلم – فقال: "شَهِدْتُ حِلْفَ الْمُطَيَّبِينَ مَعَ عُمُومَتِي وَأَنَا غُلامٌ، فَمَا أُحِبُّ أَنَّ لِي حُمْرَ النَّعَمِ وَأَنِّي أَنْكُثُهُ".


نماذج العدالة في سنته وسيرته صلى الله عليه وسلم  :


أولاً: تحذيره من استعباد الناس :


لقد رسخ الرسول – صلى الله عليه وسلم قيم العدالة في نفوس وزرائه وأتباعه، فكان يقول ـ محذراً من استعباد الناس ـ : «لاَ يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ عَبْدِى وَأَمَتِى، كُلُّكُمْ عَبِيدُ اللَّهِ، وَكُلُّ نِسَائِكُمْ إِمَاءُ اللَّهِ  وَلَكِنْ لِيَقُلْ غُلاَمِى وَجَارِيَتِى وَفَتَاىَ وَفَتَاتِى».


ثانيًا: نهيه عن التمييز العنصري :


فيقول صلى الله عليه وسلم: " أَنْتُمْ بَنُو آدَم،َ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ، لَيَدَعَنَّ رِجَالٌ فَخْرَهُمْ بِأَقْوَامٍ، إِنَّمَا هُمْ فَحْمٌ مِنْ فَحْمِ جَهَنَّمَ أَوْ لَيَكُونُنَّ أَهْوَنَ عَلَى اللَّهِ مِنَ الْجِعْلاَنِ الَّتِى تَدْفَعُ بِأَنْفِهَا النَّتْنَ ".


ولقد عنّف الرسول صلى الله عليه وسلم أبا ذر رضي الله عنه تعنيفاً شديدا ً لما عير بلالاً بأمه.


ثالثًا: العدل بين الأولاد :


فقد رفض – رسول الله عليه وسلم – أن يشهد للنعمان بن بشير حينما جاء أباه وأراد أن يُشهد النبيَ – صلى الله عليه وسلم – على هبةٍ لم يعدل الرجل فيها بين أولاده، وقال – صلى الله عليه وسلم - للوالد: "لا تُشْهِدْنِي إِذًا، فَإِنِّي لا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ" .


وقال - صلى الله عليه وسلم - : "َاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلادِكُمْ".


رابعًا: عدله مع غير المسلمين:


ـ فعن ابنِ أَبِي حَدْرَدٍ الأسْلَمِيِّ، أنه كان ليهودي عليه دينٌ، فَاسْتَعْدَى عليه، فقال اليهودي - شاكيًا إلى رسول الله - : يَا مُحَمَّدُ إِنَّ لِي عَلَى هَذَا أَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ، وَقَدْ غَلَبَنِي عَلَيْهَاّ! فَقَالَ النَّبِيُّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – آمرًا المسلم بالسداد-: "أَعْطِهِ حَقَّهُ" الحديث  .


ـ وتتنزل آيات تنزل لتبرأة رجل يهودي اتهم ظلمًا من بعض المسلمين، في قصة طويلة: فيقول الله تعالى:( إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًا )  [النساء105].


خامسًا: الكل سواء أمام القانون :


ـ فحينما أراد وجهاء قريش أن يستثنوا المرأة المخزومية من تطبيق الحكم عليها وقد سرقت، ودفعوا أسامة بن زيد ليكون شفيعًا للمرأة عند رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، فعنّف النبيُ – صلى الله عليه وسلم – أسامة، وكان فيما قال في هذا الموقف: "وَايْمُ اللَّهِ، لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ ابْنَةَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا ! ".


سادسًا: عدله بين فصائل الدولة، وفي ذلك مثالان:


1- عدله بين قريظة والنضير في مسألة الديات:


فلقد كانت فصائل اليهود تتحاكم إليه في غير موضع، وكان اليهود يجورون على بعضهم بعضًا في الديات، فقد كانت بنو النضير أعز من بني قريظة، فكانت تفرض عليهم دية مضاعفة لقتلاها، فلما ظهر الإسلام في المدينة امتنعت بنو قريظة عن دفع الضعف، وطالبت بالعدل في الدية، وتحاكمت إلى نبي الرحمة، فعدل بينهما" .


2- عدله بين الفصائل في مسألة الري وتوزيع المياه :


فقد اتاه أهل مهزور من قريظة، يتحاكمون إليه في مشكلة تتعلق بالمياة والري، فحكم بينهم، وعدل فيهم القسمة، فعن ثعلبة بن أبي مالك أنه سمع أن رجلاً من قريش كان له سهم في بني قريظة فخاصم إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم- في سيل مهزورـ يعني السيل الذي يقتسمون ماءه ـ فقضى بينهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم -أن الماء إلى الكعبين لا يحبس الأعلى على الأسفل.


سابعًا: مبادىء المساواة والعدالة في خطبة الوداع:


  تُعد خطبة الوداع دستوراً عظيمًا وعقدًا اجتماعيًا في تأسيس العدالة بين الناس، فيعلق هربرت جورج ولز على هذه الخطبة بقوله: "إنّ أول فقرة فيها تجرف أمامها كل ما بين المسلمين من نهب وسلب ومن ثارات ودماء، وتجعل الفقرة الأخيرة منها الزنجي المؤمن عدلاً للخليفة.. إنها أسست في العالم تقاليد عظيمة للتعامل العادل الكريم".


ثامنًا : العدل بين الحاكم والرعية :


وتبلغ قيمة العدل في ذروتها، حينما يأذن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بعض الرعية أن يقتص منها، فهذا ِسَوَادِ بْنِ غَزِيّةَ، لما اسْتَنْتِل من الصف يوم بدر،  غمزه النبي غمزة خفيفة في بَطْنِهِ - بالسهم الذي لا نصل له - وقال : "اسْتَوِ يَا سَوّادُ !" .. قال : يا رسول الله ! أوجعتني! وقد  بعثك الله بالحق والعدل؛ فَأَقِدْنِي ! فكشف رسول  اللّهِ – صلى الله عليه وسلم - عَنْ بَطْنِهِ، وَقَالَ : "اسْتَقِدْ". الحديث  .


تلك طائفة من النصوص الثابتة عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – سنةً وسيرة، تبين لك كيف كانت أخلاق العدل باديًة في سلوكه، سواء كان معلمًا أو أبًا أو قائدًا أو حاكمًا.


وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين.


اترك تعليق