رد دار الإفتاء والمجلس العسكري على مفتي مصر

By : عصام تليمة

لا ينتهي الإنسان من كثرة تعجبه من حال دار الإفتاء المصرية، في تناقضاتها، والمسارعة الدائمة في الدفاع عن السلطة الظالمة، بينما تغض الطرف بشكل فج عن الدفاع عن المظلومين من أبناء الشعب، ففجأة خرجت دار الإفتاء بفتواها عن عدم جوز تكفير ضباط الشرطة، بينما تناست فتاوى تكفر فصائل من المجتمع وجماعات إسلامية، ثم مؤخرا خرجت الدار علينا بفتوى أن دعوات القصاص والثأر محرمة، وأنها تعد على الدولة، ونسيت أن تبين حكم قتل الشرطة للمواطنين، وما حكم اغتصاب النساء والتحرش بهن في الأقسام والسجون، وما حكم تعذيب المواطنين في السجون والأقسام باعتراف منظمات حقوقية محلية ودولية؟!!


وقد كان أصل الفتوى التي ردت عليها دار الإفتاء: أن أخانا العالم الدكتور منير جمعة أصدر فتوى بتحريم نشر أسماء الضباط على مواقع الانترنت إلا من يعرف يقينا أنه اقترف جرم القتل أو الاغتصاب، ووضع ضوابط مهمة لذلك، ثم بين في نهاية الفتوى أن ذلك لا يمنع من حق دفع الصائل، فطلب مني التعليق على الفتوى في قناة الجزيرة مباشر مصر، وكان مما قلته يومها: أن الفتوى صحيحة ونؤيدها، فالدماء والأعراض تبنى على اليقين لا الظن، وأن من يتيقن إتيانه بهذه الجريمة أنه اغتصب امرأة أو فتاة يقتل، خاصة في ظل إعلان قائد الانقلاب: أنه لن يحاسب أو يحاكم ضابط مهما فعل، ففوجئت في صباح اليوم التالي بدار الإفتاء ومفتيها دكتور شوقي علام، يصدر فتواه تلك والتي يعلن أن دعوات القصاص حرام وتعد على الدولة، وأن إقامة الحدود للدولة فقط، وهو كلام نتفق معه في مواضع ونختلف معه في أخرى.


وبداية فلنتفق على حكم المغتصب شرعا وقانونا، هل تختلف معنا دار الإفتاء في أن المغتصب حده (الحرابة) الإعدام؟
 

لو اختلفت فهي بذلك تناقض فتواها المستقرة عندها بإعدام المغتصب، وحكم القانون المصري الذي يقضي بإعدامه كذلك، بل إن المجلس العسكري فترة توليه حكم مصر بعد خلع مبارك، أصدر قانونا مهما في قضايا الاغتصاب، نصه جدير بالتأمل، ففي تاريخ: 2/4/2011م نشرت جريدة المصري اليوم تحت عنوان: (الجيش يشدد عقوبة الاغتصاب إلى الإعدام، والسجن لهتك العرض)ورد فيه التالي:

 (أصدر المجلس مرسوماً بقانون رقم ١١ لسنة ٢٠١١، الخاص بتعديل بعض أحكام قانون العقوبات الصادر بالقانون رقم ٥٨ لسنة ١٩٣٧. وينص القانون في مادته الأولى على أنه تم استبدال نصوص المواد أرقام (٢٦٧، و٢٦٨،٢٦٩، و٢٦٩ مكرر، و٢٨٨، و٢٨٩، و٣٠٦ مكرر أ) من قانون العقوبات بالنصوص الآتية:

 مادة ٢٦٧: من واقع أنثى بغير رضاها يعاقب بالإعدام أو السجن المؤبد. ويعاقب الفاعل بالإعدام إذا كانت المجني عليها لم يبلغ سنها ١٨ سنة ميلادية كاملة، أو كان الفاعل من أصول المجني عليها أو من المتولين تربيتها أو ملاحظتها أو ممن لهم سلطة عليها أو كان خادماً بالأجر عندها أو عند من تقدم ذكرهم أو تعدد الفاعلون بالجريمة).

 فالمتأمل في نص القانون الصادر، أن الإعدام عقوبة كل من هو متولي تربية أو ملاحظة الأنثى المغتصبة، أو ممن لهم سلطة عليها، وهذا ينطبق على كل أنثى تم الاعتداء عليها داخل أقسام الشرطة، أو السجون، أو المعتقلات، أو معسكرات الأمن المركزي، أو الجيش، أو داخل بيت عائلتها.

وسيكون ردي على دار الإفتاء من فتواها نفسها،والذي قال فيها المفتي نقلا عن الإمام ابن مفلح قوله: (تحرم إقامة حد إلا لإمام أو نائبه)، كما أن المفتي لم ينقل كلام ابن مفلح في موضع آخر، من نفس كتابه، إذ يقول: (وإن قتلا قاتل أبيهما أو قطعا قاطعهما قهرا سقط حقهما)، وأترك التفسير لدار الإفتاء هنا لكلام ابن مفلح، ومعناه كذلك.

 ونقل المفتي عن الإمام القرطبي في تفسيره قوله: (لا خلاف أن القصاص في القتل لا يقيمه إلا أولو الأمر؛ فرض عليهم النهوض بالقصاص وغير ذلك؛ لأن الله سبحانه خاطب جميع المؤمنين بالقصاص، ثم لا يتهيأ للمؤمنين جميعًا أن يجتمعوا على القصاص، فأقاموا السلطان مقام أنفسهم في إقامة القصاص وغيره من الحدود).

وهو كلام يحمل بداخله الرد على دار الإفتاء، فكلام القرطبي يقول: لا يقيمه إلا أولو الأمر، فرض عليهم النهوض بالقصاص وغير ذلك) .

 وهنا نسأل دار الإفتاء المصرية: هل قام ولي الأمر بهذا الفرض؟! أم أن التجاوزات مستمرة ليل نهار، دون فتح تحقيق فيها، دماء الآلاف التي أريقت في رابعة والنهضة وقبلها وبعدها، فهل يا فضيلة المفتي فتح تحقيق واحد لمعرفة الجاني؟! أليس ولي الأمر هنا قصر في أداء فرض، ورد الحقوق لأهلها، بل أهدر هذه الدماء؟! فما موقف ولي الدم عند تقصير ولي الأمر في إقامة هذا الفرض، بل وحماية المجرم، والإعلان عن أنه لن يحاسب ضابط شرطة؟!!

ثم إن كلامك يوضح أن المؤمنين أقاموا السلطان مكان أنفسهم، أي أنه وكيل عنهم، فما الحكم إذا أهمل أو قصر الوكيل، أو تعمد تضليل العدالة، ومنع المحاكمة أو المحاسبة، أو الستر على المجرمين، أليست ترد الوكالة إلى صاحبها الأصلي وهو ولي الدم؟!! أم أنها وكالة لولي الأمر غير مردودة؟ والله عز وجل يقول:


(ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل) الإسراء: 33. وليرجع معي مفتي الجمهورية والباحثون الذين أعدوا له الفتوى إلى التفاسير التالية ليروا تفسير العلماء من السلف والخلف وغيرهم لقوله تعالى: (فلا يسرف في القتل)، فليرجع إلى: زاد المسير لابن الجوزي (5/33،32)، روح المعاني للألوسي (15/68-70)، البحر المحيط لابن حيان (8/43،33)، تفسير القرطبي (13/73-75)، تفسير الخازن وبهامش تفسير النسفي (3/163،162)، حاشية الشهاب على تفسير البيضاوي (6/30،29)، التحرير والتنوير لابن عاشور (7/92-96)، التفسير الوسيط للدكتور محمد السيد طنطاوي (9/94-99)، ويستطيع أن يرجع إلى تفاسير أخرى. فأنا كولي دم وكلت الدولة في الإتيان بحقي، فما موقفي عندما يحمي الوكيل القاتل، هل لي كولي دم استرداد وكالتي أم لا؟! أنتظر منكم الإجابة.
 

وأذكر فضيلة المفتي ودار الإفتاء بفتوى لهم مهمة لم يمر عليها سوى عام وشهران، وهي فتوى عن البلطجة والتي يقول فيها المفتي السابق (د.علي جمعة) والتي عرف البلطجة فقال: (والبلطجة التي جرَّمها القانون لها صورٌ مختلفة منها: استعراض القوى، التلويح للمجني عليه بالعنف المادي أو المعنوي، التهديد باستخدام العنف بالتعرُّض لحرمة الحياة الخاصة، إلحاق الضرر بممتلكات الغير، إلحاق الضرر بمصلحةٍ خاصةٍ بالمجني عليه، تعريض المجني عليه للخطر، المساس بالشرف والكرامة، المساس بسلامة الإرادة، حمل السلاح أو أداةٍ كهربائيةٍ أو موادَّ ضارة، اصطحاب حيوان يثير الرعب).

 وبين في الفتوى أن هذه الأفعال جزاؤها الحرابة، وأنها لا تقبل الإسقاط ولا العفو، حتى لو عفا المجني عليه، لأنه حق المجتمع، وأن المجتمع عليه واجب منعها جميعا وقبلهم الدولة، واعتبرت الفتوى عدم التبليغ عمن يقوم بهذه الجرائم بأنه إعانة للظالمين، فما بالنا بحمايتهم والإعلان عن عدم مساءلتهم ممن مسؤوليته محاسبة هؤلاء؟!!
وهذا رابط الفتوى على جريدة الوفد المصرية:

(http://www.alwafd.org/%D8%AF%D9%86%D9%8A%D8%A7-%D9%88%D8%AF%D9%8A%D9%86/334007-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%81%D8%AA%D8%A7%D8%A1-%D9%8A%D8%AC%D8%A8-%D8%AA%D8%B7%D8%A8%D9%8A%D9%82-%D8%AD%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D8%A7%D8%A8%D8%A9-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D9%84%D8%B7%D8%AC%D9%8A%D8%A9).

فهل البلطجة تختلف من فرد لفرد، أم أنها أفعال يأتيها الإنسان، سواء كان فردا عاديا، أو فردا في الأمن أو الشرطة؟!
فالقتل قتل في حق الجميع، والزنى زنى وجريمة في حق الجميع، كل هذه جرائم لا يفرق فيها الإسلام بين مرتكبها بحكم وضعه الوظيفي، بل ربما زاد جرمها أكثر ممن وظيفته حماية الناس من الاعتداء عليهم بهذه الجرائم.
ونفس ما قلته أنا في قناة الجزيرة مباشر مصر، وأيدني فيه علماء آخرون، أفتى به قبلنا د. سعد الدين الهلالي، الذي كان مرشحا بقوة أمام المفتي الحالي على المنصب، الذي منح الرسالة لعبد الفتاح السيسي ومحمد إبراهيم، فقال الهلالي في فتوى له: (إن المغتصب ليس له دية، وماؤه الذي ألقى به في رحم امرأة غصبا ليس له دية، داعيا المغتصبة بالتوجه سريعا إلى الطبيب للتخلص من ماء المغتصب الموجود برحمها على وجه السرعة بالإجهاض . وقال الهلالي - لبرنامج قضايا فقهية معاصرة بقناة الرحمة - : إن التخلص من المغتصب جائز، وقياسا عليه يكون نفس الحكم على مائه، مؤكدا: أن المغتصب مهدر الدم ومهدر الدية في الإسلام، موضحا: أنه في حال قتله على فعلته النكراء ليس له دية وكذلك ماؤه). والفتوى موجودة على موقع الفقه الإسلامي وهذا رابطها:
http://www.islamfeqh.com/News/PrintNewsItem.aspx?NewsItemID=1886.

كما تقدم مفتي مصر السابق د. نصر فريد واصل في شهر يناير سنة 1999م، بطلب إلغاء المادة (291) من قانون العقوبات، والتي تنص على عدم إقامة حكم الإعدام على المغتصب الذي تزوج من اغتصبها، والذي كان يهرب به المغتصب من إقامة حد الإعدام عليه، واعتبر د. واصل هذا الزواج باطلا، وأن المغتصب حكمه الإعدام.

وختاما أوجه هذا السؤال لدار الإفتاء الموقرة: ما الحكم لو كان المجرم هو رجل الشرطة، وما الحكم لو كان مغتصبا للأعراض؟!! وما الحكم لو أعلن ولي الأمر المستولي على الولاية بطريق غير شرعي، بأنه لن يحاكم ضابط شرطة؟!! ما موقف ولي العرض والمجتمع هنا، هل يقف ساكتا صامتا، وعرضه ينتهك؟! وهل الإسلام وظيفته توفير الحماية لمنتهك العرض لعلة أنه رجل شرطة أو رجل أمن، بينما موقف المواطن عليه أن يصمت ولا يصرخ ولا يفعل شيئا؟!! وماذا لو كانت ابنتك يا فضيلة المفتي هي من قام ضابط مجرم باغتصابها بماذا كنت ستفتي؟ ونفس السؤال عن الدماء وانتهاكها بدون وجه حق ما حكم من يسفكها ويحمي سافكها وماذا ستكون فتواك لو كان المقتول أنت وليه في الدم؟!


اترك تعليق