واجبُ المسلمِ تجاهَ مجرياتِ الثوراتِ بينَ النُّصرةِ والسُّكوتِ

By : أ. د. يوسف القرضاوي

بسم الله الرحمن الرحيم

واجبُ المسلمِ تجاهَ مجرياتِ الثوراتِ بينَ النُّصرةِ والسُّكوتِ


الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ، والصلاةُ والسلامُ علَى خيرِ خلقِ اللهِ أجمعينَ، وبعدُ:


فإنَّ اللهَ تباركَ وتعالَى قَد أقامَ السمواتِ والأرضَ علَى ميزانِ العدلِ والحقِّ، وحذَّرَ الناسَ مِن الظلمِ والعدوانِ، وأَمَرَ المُسلمَ بنصرةِ الحقِّ وأهلِهِ، ومُحاربةِ البغيِ ورَهْطِه؛ ولو كانُوا مِن المسلمينَ، فقالَ سبحانَهُ وتعالَى: { وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ } (الحجرات، الآية 9)


أنَّ الآيةِ فيهَا نصٌّ واضحٌ علَى أنَّ الاقتتالَ إذَا وقعَ بينَ المؤمنين فإنَّنَا مأمورونَ بالإصلاحِ ابتداءً؛ لكنْ إذَا وقعَ مِن إحدَى الطائفتين بغيٌ أو ظلمٌ، ورفضَتْ جهودَ الصُّلحِ؛ فإنَّ الواجبَ هوَ زجرُها عنْ هذَا الظُّلمِ، ولَو بالقتالِ، وحملِ السِّلاحِ؛ إلَى أن ترجعَ الفئةُ الباغيةُ للحقِّ، وطريقِ الجادَّةِ الصَّوابِ، وتجنحَ للصُّلحِ.


وقدْ وردَ عَن النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أحاديثُ صحيحةٌ تُوهِمُ خلافً ذلكَ؛ لأنَّها تنهَى عَن المشاركةِ فِي الفتنةِ؛ إذَا وقعتْ بينَ المسلمينَ، منها حديثُ أبِي هريرةَ رضيَ اللهُ عنهُ أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قالَ: (سَتَكُونُ فِتَنٌ الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ، وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْمَاشِي، وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي، مَنْ تَشَرَّفَ لَهَا تَسْتَشْرِفْهُ، فَمَنْ وَجَدَ فِيهَا مَلْجَأً أَوْ مَعَاذًا فَلْيَعُذْ بِهِ) (أخرجهُ البخاريُّ: ح 3601).


إنَّ الحديث فيهِ نهيٌ واضحٌ عَن المُشاركةِ فِي الفتنةِ إذَا وقعتْ؛ أياً كانتْ أسبابُها وأطرافُها، وأنَّ الواجبَ علَى المُسلمِ أنْ يعتزلَ الفريقَينِ المقتتلَينَ، وهذا قد يُوهمُ التعارضَ بين الحديثِ، والآيةِ الكريمةِ التِي سبقتهُ.


وقدْ ذهبَ المُحقِّقونَ مِن أهلِ العلمِ إلَى إزالتهِ بالجمعِ بينَ الدليلينِ؛ حيثُ فرَّقُوا فِي هذِه المسألةِ بينَ حالتينِ:


الحالةُ الأولَى: أنْ يقعَ القتالُ بينَ المسلمينَ، ويُعرفَ أهلُ الحقِّ منهُم مِن البغاةِ والمعتدينَ، وعندهَا فالواجبُ علَى المسلمِ نُصرةُ أهلِ الحقِّ، وقتالُ أهلِ البغيِ، وهوَ المستفادُ مِن آيةِ الحجراتِ السابقةِ، ويأثمُ مَن تركَ نصرةَ أهلِ الحقِّ، لحديثِ جابرٍ بن عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنهما أنَّ رَسُولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم قالَ: ( مَا مِنْ امْرِئٍ يَخْذُلُ امْرَأً مُسْلِمًا فِي مَوْضِعٍ تُنْتَهَكُ فِيهِ حُرْمَتُهُ، وَيُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ، إِلَّا خَذَلَهُ اللَّهُ فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَهُ. وَمَا مِنْ امْرِئٍ يَنْصُرُ مُسْلِمًا فِي مَوْضِعٍ يُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ، وَيُنْتَهَكُ فِيهِ مِنْ حُرْمَتِهِ، إِلَّا نَصَرَهُ اللَّهُ فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ نُصْرَتَهُ ) (أخرجه أحمدُ: 15933، وأبو داودَ: 4884، وحسَّنه الألبانيُّ).


الحالةُ الثانيةُ: أنْ يقعَ القتالُ بينَ طرفينِ، كِلاهُما علَى باطلٍ فيهِ، أو لَا يستطيعُ الناظرُ أن يَمِيزَ الفئةَ العادلةَ مِن الباغيةِ، وعندهَا فالواجبُ اعتزالُ القتالِ، وإمساكُ اللسانِ، وعدمُ الخوضِ فِي هذهِ الفتنةِ.

وإليكَ بعضُ النقولِ الفقهيَّةِ التِي تؤكِّدُ هذَا التَّفصيلَ:


جاءَ فِي تفسيرِ القرطبيِّ: " لَو كانَ الواجبُ فِي كلَّ اختلافٍ يكونُ بينَ الفريقينَ الهربَ منهُ، ولزومَ المنازل؛ لمَا أُقيم حقٌّ، ولا أُبطل باطلٌ، ولوجَد أهلُ النفاقِ والفجورِ سبيلاً إلَى استحلالِ كلِّ ما حَرَّمَ اللهُ عليهم مِن أموالِ المُسلمينَ، وسَبْيِ نسائَهَم، وسفكِ دمائِهم، بأنْ يتحزّبُوا عليهِم، ويكُفّ المسلمونَ أيديهِم عنهُم، بأن يقولُوا: هذِهِ فتنةٌ قَد نُهِينَا عَن القتالِ فيهَا، وأُمِرْنَا بكفِّ الأيدِي والهربِ منهَا " (تفسير القرطبي: 16 / 287).


وقالَ الإمامُ النوويُّ رحمَه اللهُ: " قالَ معظمُ الصحابةِ والتابعينَ وعامَّةُ علماءِ الإسلامِ: يجبُ نصرُ المُحقِّ فِي الفتنِ، والقيامُ معهُ بمقاتلةِ الباغـينَ، كمَا قالَ تعالى: { فَـقَـاتِـلُـواْ الَّـتِى تَـبْـغِـى }، وهذَا هُو الصَّحيحُ، وتتأولُ الأحاديثُ علَى مَن لَم يظهرْ لهُ المحقُّ مِن المُبطِلِ، أو علَى طائفتينِ ظالمتينِ، لا تأويلَ لواحدةٍ منهمَا، ولو كانَ كمَا قالَ أصحابُ القولِ بالعزلةِ، وعدمِ المشاركةِ، وتركِ والخوضِ فِي فتنةِ القتالِ؛ لظهرَ الفسادُ، واستطالَ أهلُ البغيِ والمُبطلونَ، واللهُ أعلمُ " (شرح صحيح مسلم: 18 / 10 بتصرفٍ يسيرٍ).


وبناءً علَى مَا سبقَ:


‌أ.مَنْ عَرفَ أهلَ الحقِّ والرِّضوان، وميَّزهُم عنْ أهلِ الباطلِ والعدوانِ؛ فالواجبُ عليهِ نصرتهُم بكلِّ وسيلةٍ ممكنةٍ، ويحرمُ عليه خذلانهمْ؛ حتَّى لَا يعلُو الفجَّارُ علَى الأبرارِ؛ فيعمَّ الفسادُ فِي الأرضِ.


‌ب.أمَّا مَن قَصُرَ فَهْمُهُ عَن تمييزِ أهلِ الحقِّ مِن الباطلِ، فالواجبُ عليهِ اعتزالُ الفتنةِ، وعدمُ الخوضِ فيهَا بسلاحِهِ، أو بلسانِهِ، بلْ إنهُ مأمورٌ بالسكوتِ، وعدمِ الحديثِ فِي هذَا الأمرِ مطلقاً؛ لأنَّه لا عِلمَ لهُ بهِ، وقد قال تعالى في ذلك: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً } (الإسراء، الآية: 36).


‌ج.إنَّ تَكَلُّمَ بعضِ الدُّعاةِ فِي بعضِ الوقائعِ التِي لمْ يظهرْ لهُم فيهَا أهلُ الحقِّ منَ الباطلِ يزيدُ الفتنةَ ويؤججها، ويُلَبِّسُ علَى المسلمينَ دينهُم، وزيدُ الفجَرةَ جرأةً علَى استباحةِ دماءِ الأبرياءِ، والعياذُ باللهِ، فإذَا اعتزلتهَا أيديهِم بدعوَى أنَّها فتنةٌ؛ فلتعتزلْها ألسنتُهم كذلكَ، واللهُ تعالَى أعلمُ.


وصلَّى اللهُ وسلَّمَ علَى سيِّدنَا محمدٍ، وعلى آلِه وصحبِه أجمعين.


محمد سليمان نصر الله الفرا


عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين


رئيس الدائرة العلمية في رابطة علماء فلسطين


محاضر بكلية الشريعة والقانون في الجامعة الإسلامية - غزة





اترك تعليق