الفكر .. ما هو؟

By : ماجد علي القنية


برز مصطلح الفكر في العصر الحديث في اللغة العربية كمصطلح مستقل عن مصطلحات الثقافة والعلم والفلسفة والأدب وغيرها. ولكني أرى أن شيئا من الغموض لا زال يكتنف كنه ومعالم هذا المصطلح, وفي هذه المقالة أسجل نتائج تأملاتي في هذا المصطلح علها تسهم بعض الإسهام في تقليل الغموض الذي يكتنفه. وأود أن أوضح أن هذه تأملات مبدئية ولذلك أتوقع والله أعلم أن أحتاج إلى تعديل وتصحيح هذه المقالة في المستقبل أكثر من مرة, وقد يتغير الكثير من معالمها, وقد تطول كثيرا فأجزئها على سلسلة مقالات.


الذي أراه الآن هو أن الفكر ليس هو شيئا غير التفكير, ولكنه تفكير في مسائل تهم شريحة كبيرة من الناس أو تهم الناس كلهم, والمفكر هو من يكثر التفكير في هذه المسائل. 


وقد وجدت أن الفكر أكثر من ضرب, وقد ظهر لي حتى الآن ثلاثة ضروب, وأتوقع أن تكون ضروب الفكر أكثر من ذلك. ولكن ينبغي ملاحظة أنه في الكثير من الأحيان تتركب فكرة المفكر أو عمله الفكري من أكثر من ضرب. الضرب الأول يكون الفكر فيه عبارة عن مجرد دقة ملاحظة لشيء به بعض الخفاء. مثلا مفكر لاحظ أنه في أغلب النقاشات والجدالات التي شارك فيها فإنه لا يسلم المتناقشون والمتجادلون من الوقوع في القياس الخاطئ. أو مفكر لاحظ أنه من المفارقات أن التكنولوجيا أتعبت الفرد من حيث أراحته! فلأنها يسرت أعماله أصبح مطالبا بالقيام بالكثير من الأعمال في الوقت القليل, فتزايدت عليه الضغوط.


الضرب الثاني يكون الفكر فيه عبارة عن محاولة ترجيح عامل أو عوامل على عامل أو عوامل تعاكسها في التأثير في مسألة أو قضية معينة. وبالمثال يتضح المقال, مفكر نظر إلى مدينتين متجاورتين ولكن يفصل بينهما حد من هذه الحدود التي قسمت الدول في العصر الحديث, فكل من هاتين المدينتين في دولة, فوجد أن هاتين المدينتين ليستا فقط متقاربتين جغرافيا ولكن وجد أيضا أن أهلهما يتكلمون نفس اللغة ووجد كذلك أن عاداتهم الإجتماعية متقاربة جدا. فيقوم بعملية الفكر والتي هي هنا عبارة عن عملية محاولة الترجيح بين هذه العوامل التي تجمع المدينتين وبين العامل الذي يفرقهما والذي هو أن كل منهما في دولة وما يتطلبه ذلك من ولاء كل مدينة لدولتها.


ومثال آخر على هذا الضرب من الفكر, مفكر وجد أن مواقف سيارات الأساتذة في الجامعة عادة ما توضع قريبة من مبنى الكلية بينما مواقف سيارات الطلاب عادة ما توضع بعيدة, فيقوم بعملية الفكر والتي هي هنا عبارة عن محاولة الترجيح بين عاملين دارا في خلده من حيث الأحقية في قرب المواقف من الكلية, عامل كون الأساتذة لهم فضل وقد اجتهدوا وأفنوا أعمارهم في العلم ولذلك فلهم حق بأن تكون مواقف سياراتهم قريبة, وعامل كون الطلاب هم المقصودون بالعملية التعليمية وأن الجامعة كلها بما فيها الأساتذة هي في خدمة الطلاب فينبغي أن توفر لهم كل السبل التي تسهل عليهم العملية التعليمية ولذلك فلهم حق بأن تكون مواقف سياراتهم قريبة. 


أما الضرب الثالث فيكون الفكر فيه عبارة عن محاولة المفكر توقع ما إذا كانت حقيقة تخصه هي عامة تنطبق على أشخاص آخرين غيره, وإن كان كذلك فما مدى تعميمها, أي هل الأشخاص الآخرون الذين تنطبق عليهم هذه الحقيقة كثيرون أم قليلون.  فمثلا مفكر إذا رأى شخصا يلبس نظارة شمسية فإنه يحس بحاجز نفسي بينه وبين ذلك الشخص (طبعا لا بس النظارة الشمسية لا يقصد أن يضع هذا الحاجز ولكن المفكر يحس بوجود الحاجز بسبب النظارة وليس بسبب شخصية الشخص اللابس لها). فهذه حقيقة حسية يحسها ذلك المفكر في نفسه. فيقوم بعملية الفكر والتي هي هنا عبارة عن محاولة توقع ما إذا كان ليس هو فقط ولكن أيضا أناس غيره يحسون بنفس إحساسه عندما يرون شخصا يلبس نظارة شمسية, وإن توقع ذلك فإنه سيحاول بعد ذلك توقع ما إذا كان من يحس بنفس إحساسه من الناس كثيرون أم قليلون.


ومثال آخر على هذا الضرب من الفكر, أستاذ جامعي مفكر وجد أن سببا لوقوعه في تصرفات تسلطية على الطلاب هو كثرة من يقوم بمثل تلك التصرفات من زملائه الأساتذه فلم يتشكك في صوابيتها. فيقوم بعملية الفكر والتي هي هنا عبارة عن محاولة توقع ما إذا كان ليس هو فقط ولكن أيضا أساتذة غيره يكون هذا سببا لتسلطهم, وإن توقع ذلك فإنه يحاول بعد ذلك توقع ما إذا كان هذا هو سبب لتسلط قليل فقط أم كثير من الأساتذة في الجامعات.


ومن معالم الفكر أن المفكر في الكثير من الأحيان قد يتشكك في صحة فكرته, وقد ذكر ذلك الدكتور عبدالكريم بكار في كتابه (تكوين المفكر). وقد وجدت بعد التأمل أن كثرة التشكك أو قلته, وسبب التشكك وبالتالي الطرق المتاحة للمفكر لتقليل التشكك, كل ذلك يعتمد على الضرب من الفكر الذي تندرج تحته الفكرة. فإن كان الضرب من الفكر هو الضرب الأول من الضروب التي ذكرنا سابقا, وهو الضرب الذي يكون الفكر فيه عبارة عن مجرد دقة ملاحظة لشيء به بعض الخفاء, فإني وجدت أن التشكك في هذا الضرب أقل من التشكك في الضروب الأخرى.


أما إن كان الضرب من الفكر هو الضرب الثاني من الضروب التي ذكرنا سابقا, وهو الضرب الذي يكون الفكر فيه عبارة عن محاولة ترجيح عامل أو عوامل على عامل أو عوامل تعاكسها في التأثير في مسألة أو قضية معينة, فإن هناك سببين للتشكك, الأول هو أن المفكر يستشعر أن العوامل التي تؤثر في المسألة كثيرة وأنه قد يكون غفل عن عامل أو عوامل منها أقوى تأثيرا من العوامل التي دارت في خلده, والسبب الثاني للتشكك هو أنه حتى العوامل التي لم يغفل عنها والتي دارت في خلده فإنه يستشعر أنه قد لا يكون قدر قوة ودور كل واحد منها التقدير الصحيح. وبرأيي أن أفضل الطرق لتقليل التشكك في هذا الضرب من الفكر هو إعادة التفكير مرارا في المسألة والعوامل التي تؤثر فيها, فإن المفكر إن فعل ذلك لن يبقى على نفس درجة التشكك, فإما أنه ستظهر له جوانب جديدة تجعله يزداد ثقة في صحة النتيجة التي توصل إليها وإما أنه بالعكس قد تظهر له جوانب جديدة تجعله يرجح أن النتيجة التي توصل إليها كانت خاطئة فيقوم بتصحيحها.


وللتمثيل على سببي التشكك والطريقة المتاحة لتقليله في هذا الضرب من الفكر نعود لمثال المدينتين, وهو المثال الأول الذي ضربناه لهذا الضرب من الفكر. ودعنا نقول أن المفكر بعد أن قام بعملية الفكر توصل إلى نتيجة مفادها أن العوامل التي تجمع المدينتين أرجح من العامل الذي يفرقهما, وقد يبني على هذه النتيجة توقع مفاده أنه في المستقبل ستنتصر العوامل التي تجمعهما على العامل الذي يفرقهما فتزول هذه الحدود الحديثة التي بينهما فيكونان ضمن بلد واحد. فهنا قد يتشكك المفكر في هذه النتيجة للسببين الذين ذكرناهما قبل قليل. فإذا أعاد التفكير مرارا في هذه المسألة فإنه قد يتذكر عاملا قد غفل عنه من العوامل التي تفرق بين المدينتين كمثلا وجود اختلاف بينهما في المذهب الديني أو اختلاف في النسب يجعل ما يفرق المدينتين أرجح مما يجمعهما, فيقوم بتصحيح النتيجة بناء على ذلك. أو قد لا يظهر له مع تكرار التفكير أنه قد غفل عن مثل هذه العوامل ولكن قد يظهر له أن العامل الذي يفرقهما والذي دار في خلده سابقا وهو أن كل منهما في دولة وما يتطلبه ذلك من ولاء كل مدينة لدولتها, قد يظهر له أن هذا العامل أقوى مما قدر, وأن هذا العامل قد اكتسب قوة بمرور الوقت منذ نشوء الدولتين وسيكتسب قوة أكثر في المستقبل إلى درجة تجعل ما يفرق المدينتين أرجح مما يجمعهما, فيقوم بتصحيح النتيجة بناء على ذلك. وهنا سيكون تشكك المفكر في نتيجته الجديدة أقل من تشككه في نتيجته القديمة, ولكن هذا لا يعني أن التشكك قد انقطع, فقد تظهر له في المستقبل جوانب جديدة تجعله يعكس النتيجة مرة أخرى.


وكذلك لو عدنا إلى مثال مواقف السيارات, وهو المثال الثاني الذي ضربناه لهذا الضرب من الفكر. ودعنا نقول أن المفكر بعد أن قام بعملية الفكر توصل إلى نتيجة مفادها أن العامل الذي يعطي الطلاب حقا في أن تكون مواقف سياراتهم قريبة من الكلية أرجح من العامل الذي يعطي الأساتذة حقا في ذلك, فيرى بالتالي أن الطلاب أحق من الأساتذة في أن تكون مواقف سياراتهم قريبة. فهنا قد يتشكك المفكر في هذه النتيجة للسببين الذين ذكرناهما سابقا. فإذا أعاد التفكير مرارا في هذه المسألة فإنه مثلا قد يظهر له عامل لم يكن قد فكر فيه قبل ذلك يعطي الأساتذة حقا في أن تكون مواقف سياراتهم قريبة, كمثلا أن نسبة من الأساتذة عندهم أمراض بسبب التقدم في العمر, فمنهم من عنده تضيق في شرايين القلب ومنهم من عنده السكري ومنهم من عنده التهاب في المفاصل وهكذا, مما قد يجعل المشي مسافات بعيدة متعبا ومضرا لهم, بخلاف الطلاب فهم في عنفوان الشباب وأصحاء في الغالب فلا يتعبهم ولا يضرهم المشي. فيرى المفكر أن العاملين الذين يعطيان الأساتذة حقا في أن تكون مواقف سياراتهم قريبة, هذا العامل الذي ظهر له الآن بالإضافة إلى العامل الذي دار في خلده سابقا, أرجح من العامل الذي يعطي الطلاب حقا في أن تكون مواقف سياراتهم قريبة, بل وقد يرى المفكر أن هذا العامل الذي ظهر له الآن لصالح الأساتذة, قد يرى أنه لوحده, وحتى بدون أن يحتسب العامل الذي دار في خلده سابقا, أرجح من العامل الذي في صالح الطلاب, فيقوم بناء على ذلك بتصحيح النتيجة التي ظهر له خطأها. وهنا كما في مثال المدينتين سيكون تشكك المفكر في نتيجته الجديدة أقل من تشككه في نتيجته القديمة, بل إن تشكك المفكر في هذا المثال قد يقل أكثر كثيرا مما سيقل تشكك المفكر في مثال المدينتين, وذلك لأن المفكر هنا قد يرى أن العامل الذي ظهر له الآن في صالح الأساتذة (عامل أن نسبة منهم يعانون من أمراض) هو عامل قوي جدا يستبعد معه المفكر أن يظهر له في المستقبل عامل في صالح الطلاب يغلب هذا العامل. أي نعم لا زال هناك احتمال أن يظهر للمفكر في المستقبل عامل في صالح الطلاب يغلب هذا العامل, ولكن المفكر قد يحس أن هذا احتمال ضعيف. أردت أن أقول أنه في بعض الحالات في هذا الضرب من الفكر فإن تكرار المفكر التفكير مرارا في المسألة والعوامل التي تؤثر فيها قد يجعله يصل أخيرا إلى نتيجة يشعر بدرجة طيبة (وإن لم تكن درجة كاملة) من اليقين بصحتها. 


أما إن كان الضرب من الفكر هو الضرب الثالث من الضروب التي ذكرنا سابقا, وهو الضرب الذي يكون الفكر فيه عبارة عن محاولة المفكر توقع ما إذا كانت حقيقة تخصه هي عامة تنطبق على أشخاص آخرين غيره, وإن كان كذلك فما مدى تعميمها , فإن سبب التشكك هو أنه لا يستطيع أن يثبت صحة توقعه. فلو عدنا إلى مثال النظارة الشمسية والذي كان أحد مثالين ضربناهما لهذا الضرب من الفكر, ودعنا نقول أن المفكر بعد أن قام بعملية الفكر توصل إلى توقع مفاده أنه ليس هو فقط بل كثير من الناس إذا رأوا شخصا يلبس نظارة شمسية فإنهم يحسون كما يحس هو بوجود حاجز نفسي بينهم وبين ذلك الشخص, وقد يبني على هذا التوقع نصيحة لمن يلبس النظارة الشمسية أن يقلل قدر المستطاع من لبسها لإزالة هذا الحاجز. فهنا المفكر سيتشكك في صحة هذا التوقع لأنه ببساطة لا يستطيع إثباته. وأقول استطرادا أننا لو أردنا أن نثبت هذه التوقع أو ننفيه فإن علينا أن نجري دراسة على شريحة من الناس بأن نوزع عليهم استبيانا أو نستخدم معهم غير ذلك من الطرق العلمية لنرى إن كانوا يحسون بنفس إحساس المفكر إذا رأوا شخصا يلبس نظارة شمسية أم لا, فنكون بذلك قد خرجنا من مجال الفكر إلى مجال العلم. أما وأنا لم نقم بدراسة علمية تثبت هذا التوقع أو تنفيه فإن المفكر سيظل متشككا في صحته.


والذي يظهر لي في هذا الضرب الثالث من الفكر هو أن إعادة المفكر التفكير مرارا في نتيجة فكرته لن تكون فعالة كثيرا في تقليل تشككه في صحتها, بخلاف الضرب الثاني. ويظهر لي أن الحالة الوحيدة التي يمكن أن تقلل بشكل كبير من تشكك المفكر في نتيجة فكرته في هذا الضرب من الفكر, هذا إذا لم يكن هناك دراسة علمية تثبت أو تنفي هذه النتيجة, هي أن تجد الفكرة بعد أن يقوم بنشرها قبولا واسعا. فمثلا لو عدنا مرة أخرى لمثال النظارة الشمسية, ودعنا نقول أن المفكر نشر فكرته على شكل تغريدة في تويتر, فإن من سيقوم بإعادة تغريد لتغريدته يفترض أنه موافق للمفكر على فكرته ويحس في نفسه بوجود حاجز نفسي بينه وبين لابس النظارة الشمسية كما يحس المفكر, وبالتالي لو قام كثير من الناس بإعادة تغريد لتغريدة المفكر فإن ذلك قد يدل على صحة توقع المفكر أنه ليس هو فقط بل كثير من الناس إذا رأوا شخصا يلبس نظارة شمسية فإنهم يحسون كما يحس هو بوجود حاجز نفسي بينهم وبين ذلك الشخص, وبالتالي ستزيد ثقة المفكر في صحة توقعه.


وقد بات واضحا مما سبق في هذه المقالة أن من معالم الفكر أن نتائج فكر المفكر كثيرا ما يتضح له أنها كانت خاطئة, فيكون عليه القيام بتصحيحها. ولكن المفكر إذا كان مشهورا فإني أتوقع أن تصعب عليه الشهرة الإعتراف بخطأ نتيجة فكرته وتصحيحها مرات كثيرة, ولو أنها مرة واحدة أو مرات قليلة لهان الأمر. ويبدو أن هناك أكثر من سبب يجعل من الصعب على المفكر المشهور الإعتراف مرات كثيرة بخطأ نتيجة فكرته. وأحد هذه الأسباب هو أن الكثير من القراء لا يعلمون أن ظهور أخطاء للمفكر المشهور باستمرار في نتائج فكره هو من معالم وطبيعة الفكر, ولذلك فإن المفكر يستشعر أنهم لن يتقبلوا أن يكون في نتاجه الفكري الكثير من الأخطاء. وقد رأى الدكتور عبدالكريم بكار في كتابه (تكوين المفكر) الذي أشرنا إليه سابقا, رأى أن المفكر الحق دائما ما يرى شيئا جديدا وأنه " كلما رأى شيئا جديدا وجد نفسه يتبنى بعض الأفكار الجديدة, ويتخلى عن بعض الأفكار القديمة, وهذا يشكل نوعا من الصدمة لطلابه والمعجبين بنهجه". ولذلك فإني أدعو هؤلاء القراء الكرام إلى أن يصححوا هذا الإنطباع الذي عندهم عن الفكر. فإنهم إن فعلوا ذلك وأصبح معروفا عند الناس أن استمرار عثور المفكر على أخطاء في نتائج فكره هو من طبيعة ومعالم الفكر وأن ذلك لا يعد قدحا في المفكر بل قد يدل على أنه مفكر حقا, إن فعلوا ذلك ستتحقق مصلحتين, الأولى هي أن ذلك سيسهل على المفكر الإعتراف مرات كثيرة بوجود أخطاء في نتائج فكره والقيام بتصحيحها, والثانية هي أن ذلك سيجعل القراء أكثر تشككا وتفكيرا في نتاج المفكر, فلا يقولون بصحة النتيجة التي توصل إليها المفكر مرتكنين إلى مجرد شهرته وبتفكير غير كاف في هذه النتيجة, ولكن يقولون بصحتها بعد أن يفكروا فيها جيدا ويظهر لهم صحتها. والله أعلم.


اترك تعليق