محاكمة القرضاوي..

By : حسن فوزي الصعيدي

نعم يجب محاكمته.. وأن تكون محاكمة شعبية .. يجب أن يقف الرأي العام على الآثار المترتبة على آرائه وأفكاره، وفتاواه واجتهاداته، وألا تنتهي محاكمته عند أروقة المحاكم، وقاعات المداولات، ليقف أتباعه ومعارضوه على حقيقة فقهه، ودوره في تحريك الأحداث، على الساحة المحلية والإقليمية. والعجب أن تتأخر المحاكمة حتى الآن!


وعلى المنصف إذا تحدثت الأدلة أن ينصت، وعلى العاقل إذا نطقت البراهين أن يتأمل.


نعم ينبغي أن يحاكم القرضاوي لأنه رائد الوسطية، وحامل لوائها، والمدافع عن روح الإسلام أمام أباطيل خصومه، وسوء فهم أبنائه، والحارس اليقظ لتعاليم هذا الدين أمام تيارات التميع، وعواصف التشدد، وأمواج التكفير. وأنه تبنى منهجا يقوم على التيسير في الفتوى، والتبشير في الدعوة!


 لمَ لا يمثل أمام القضاء لأنه اعتنى بفقه الواقع، فتعامل مع مشكلات المسلمين, وفهمها في ضوء بشريتهم, وحاجاتهم, وقدراتهم, لم يجنح إلى التشديد والمشقة, ولا نافس في الإيغال والتعنت.


لابد أن يتحمل مسؤولية كونه من أوائل من أحيوا فقه الأولويات، وفقه الموازنات، وفقه المآلات، والاهتمام بالمقاصد.


 يجب أن يحاكم القرضاوي لاهتمامه بفقه الأقليات، ودوره في إنشاء المجلس الأوروبي للبحوث والإفتاء ليعالج أمور المسلمين في البلدان غير الإسلامية، ولأنه لم ينسَ أن يكون لغير المسلمين في المجتمع المسلم نصيب من مؤلفاته.


يجب أن يعاقب القرضاوي لأنه عاش للقدس والمسجد الأقصى وفلسطين، ونذر لهذه القضية نفسه: شاعرًا، وخطيبًا، ومحاضرًا، حتى بث روح الصمود في عقول الأجيال المتلاحقة، وكان لدوره وجهاده في هذا النطاق أيما صدى، في مقابل أبواق الانبطاح، ودعاة التطبيع.


ينبغي  أن يحاكم لأنه أيد الربيع العربي وناصر ثوراته، وساند أصحاب القضايا العادلة، واقفا مع الحق ضد الباطل، ومع العدل ضد الظلم، ومع المظلوم ضد الظالم!


 لمَ لا يقاضى لأنه حارب الاقتصاد القائم على الربا، وعمل على تشجيع  المصارف الإسلامية، ثم قام بدور التقويم لعملها، والترشيد لمسيرتها، والنقد لأوجه القصور فيها.


يجب أن يمثل أمام القضاء لأنه أخذ من الصوفية أخلاقهم، ومن السلفية تأصيلهم، ومن الإخوان حركتهم، ومن التبليغ نشاطهم وتواضعهم، وصهر ذلك كله في مدرسة القرضاوي الفكرية والدعوية والعلمية والحركية.


وكان يردد دائما قول سلفه من العلماء الربانيين: خذوا من حيث أخذنا ولا تلتزموا قولنا. ويدعو كما دعا القرآن الكريم ألا يكتفي المسلم بعمل الحسن حتى يسعى إلى طلب الأحسن.


لم لا يحاسب  على مؤلفاته التي تربو على مائتي كتاب، بخلاف آلاف الخطب والندوات والحلقات والمؤتمرات، التي أسهم بها في مسيرة العمل الإسلامي، وما زال يؤلف ويكتب، ومازال يعيد النظر فيما ما كتبه، مراجعة وتنقيحا.. تصحيحا وتصويبا.. حذفا وإضافة، بغية الوصول إلى ناصية الحقيقة.


لقد شارف التسعين من عمره، وهو في جهاد لا يقطعه كلل، وتفانٍ لا يتسرب إليه ملل. يسابق الزمن، وهو إما قارئا متعمقًا، أو كاتبًا متأنيًا، أو مفتيا في مسألة، أو مجتهدا في نازلة، أو مصلحا بين فئتين، أو داعيا الأمة إلى سواء السبيل.


يجاهد بعلمه وفكره، وقلمه ولسانه ، فتهتز لكلماته عروش الظالمين، وتنخلع لها قلوبهم، ثم تخالط هذه الكلمات عقول المسلمين، وتعانق أفئدتهم.

 

ينبغي لممثل الادعاء أن يذكر للشيخ سجلًا حافلًا من الإنجازات, وتاريخًا وافرًا من العطاء.


فالشيخ رجل الفنون, وموسوعة العلوم, أينما بحثت عنه وجدته, وفي أي علم طلبته أغاثك,


فهو فقيه أصولي, محدث مفسر, متكلم صوفي, نحوي لغوي, خطيب واعظ, عالم بمستجدات عصره, يدرك التيارات المختلفة وما تموج به, ويوجه بوصلة العمل الإسلامي نحو آفاق البناء, جامعًا بين الأصالة والمعاصرة, مرشدًا الصحوة الإسلامية، ومحذرًا من آفات تحاول إجهاضها, بالجهل حينا, والتعمد أحيانا.


لا يخشى في الله لومة لائم, يقول الحق عندما يجبن الأفذاذ, ويرتفع به صوته عندما يتخافت الشجعان, يلهب حماسة المسلمين, ويحافظ على دعوته أن تتسرب إليها آفات التشدد أو الانحراف, برأي دخيل, أو فكرة شاذة.


وعندما تطلب المحكمة شهودا ينبري أستاذه الشيخ الغزالي رحمه الله, قائلا: لقد سبق سبقا بعيدا!


ويقرر الشيخ ابن باز رحمه الله مخاطبا الشيخ: وإن كتبك لها وزنها وثقلها في العالم الإسلامي، وقبولها العام عند الناس.


 ويثني عليه شيخه مصطفى الزرقا رحمه الله بوصفه: حجة العصر, وهو من نعم الله على المسلمين.


ويشهد عليه الدكتور محمد عمارة قائلا: القرضاوي مدرسة فكرية ومشروع فكري


 وتتناثر أقوال المغترفين من منهجه, المعترفين بمكانته، فتجد شهادات مثل: مجدد العصر.. حامل لواء التيسير.. فقيه المقاصد.. العلامة المجدد.. فقيه الوسطية.. شاهد القرن.. المصلح المجاهد.. الأديب الشاعر.. الفقيه الداعية البصير بالواقع المعيش, وهنا التقط الخيط لأتحدث عن القرضاوي وفقه الواقع.


يعف لسانه عن تناول خصومه -وإن كثروا-, ويقابل الإساءة بالصفح, والسب الصريح بالتغافل.


وقف كالطود الأشم، لا يخضع لمستبد، أو يلين لظالم.. لا يطلب نوالًا، ولا يخشى تحذيرًا، يصدع بالحق واضحا لا غموض معه، جليا لا لبس فيه، سجن مرات في عهود مختلفه، ومازال أثر التعذيب في جسده، فما وهن لما أصابه في سبيل الله وما ضعف وما استكان، وهو يردد من ملحمته النونية الشهيرة:


ضع في يدي ّ القيد ألهب أضلعي   **   بالسوط ضع عنقي على السكّين
لن تستطيـــع حصـــــــار فكري ساعةً   **    أو نــــــــزع إيمانـــــــــي ونــــــور يقينـــي
فالنـــــــــور في قلبي وقلبي في يديْ    **    ربّـــــــــي .. وربّي ناصري ومعيني
سأعيش معتصمـــــــاً بحبل عقيدتي  **      وأمــــــــــوت مبتسماً ليحيـــــــا ديني

 

أَحَبَّ الإنسانية كلها فقال: أحب الخير للناس .. كل الناس.. لا أحمل عداوة  ولا حقدا لأحد، فالناس جميعا إخوة لي: إما في العقيدة، وإما في الوطن ، وإما في الإنسانية.كلنا شركاء في العبودية لله، والبنوة لآدم. إنما أعادي من يعادي أمتي، وأحارب من يحارب عقيدتي.
 شيخي الجليل.. حسبك أنك ما عملت في مسيرتك الحافلة طلبا لدنيا فانية، أو حطام زائل!


حسبك أنك لم تكن تخطب ود زيد ولا عمرو، وإنما كنت تحمل راية الحق، وترفع لواء الكرامة !


فحسبك الله، هو الذي سيؤيدك بنصره وبالمؤمنين. وما ذلك على الله بعزيز!


اترك تعليق