نظرية جديدة لتفسير اسباب صعود و هبوط الامم

By : اسماعيل عبدالمجيد

تتسم المعرفة العلمية بالتطور...وكما قال اسحاق نيوتن:" اننى لم استطع ان أرى ابعد من الآخرين إلا عندما صعدت على اكتاف من سبقونى"...او كما اوضح كارل بوبر احد اهم فلاسفة المنهج العلمى الحديث بان التطور العلمى يحدث حينما تظهر نتائج مخالفة لتصور نظرى معين...فعندها يتم التخلى 
 
           
 
عن هذا التصور و الانتقال الى تصور آخر قادر على ان يستوعب نتائج التجربة التى اظهرت خلل التصور السابق... اذا دعونا نقف و قفة نقدية حيادية و ننظر بعين الفاحص الى الاسباب المعترف بها حاليا لصعود الامبراطوريات و هبوطها و نختبر تصورها اذا كان صحيحا ام به قصور


هناك اعتقاد نظرى سائد بين المهتمين بشئون التاريخ أن سبب انهيار العديد من الإمبراطوريات والدول الكبرى هو الانهيار الاقتصادى و العسكرى...و لكن بالنظر الى الولايات المتحدة الأمريكية كمثال امبراطورية صاعدة و واعدة تحاول فرض سيطرتها على العالم مستندة على اقوى اقتصاد عالمى و اكبر ترسانات للاسلحة المتطورة فى العالم...الا انه يبدو لنا واضحاً فشل مشروعها "الامبراطوري" في الشرق الأوسط!!!...و على الجانب الآخر إذا نظرنا عبر التاريخ و بالتحديد تاريخ صعود الأمة الاسلامية التى كانت لا تمتلك فى ذلك الوقت قوة اقتصادية و لا حتى قوة عسكرية كبيرة بمقاييس زمنها... و لكنها مع ذلك سحقت امامها اكبر امبراطوريتين فى ذلك الزمان وهما الفرس و الروم... اذا فالسؤال الذى يطرح نفسه هنا هو : لماذا لم تنجح امريكا فى الصعود كامبراطورية جديدة بالرغم من امتلاكها الاسباب الكافية لعلوها (القوة الاقتصادية و العسكرية)؟... و نجحت الامة الاسلامية و امتدت و اتسعت من مشرق العالم العربى الى مغربه و فى افريقيا و اوروبا و آسيا فى فترة زمنية وجيزة بحساب تاريخ الأمم مع عدم امتلاكها قوى اقتصادية و عسكرية كبيرة بمقاييس زمنها؟... إذن لابد من وجود سبب رئيسى آخر غير القوة الاقتصادية و العسكرية لصناعة الامبراطوريات و الامم...بمعنى آخر هل هناك تصور نظرى جديد يدعونا للتخلى عن التصور النظرى القديم لصعود الامبراطوريات و هبوطها؟        

                                                          

يقول العالم الامريكى فى سلوكيات الكائنات الحية بيتر تورشين و صاحب كتاب (الديناميكا التاريخية: لماذا تعلوا الامم و تهبط؟)..."أن الصراع من اجل البقاء ليس فقط صراع بين الافراد و انما هو القدرة على الترابط و التضامن و التعاون و التكيف داخل المجموع فى محيطه و خارجه ايضاً"(1)... وقد اثبت بيتر تورشن هذه النظرية بالمعادلات الرياضية و قام فريقة بتصميم برنامج حاسوبى يسمى (نت لوجو) لتمثيل الكيفية التى تنمو بها الامم معتمدا على هذه الاسباب...إذاً السبب الرئيسى لصناعة الامبراطوريات ليس القوة الاقتصادية و القوة العسكرية كما كان يعتقد البعض من قبل و انما هو القدرة على الترابط و التضامن و التعاون والتكيف فى الداخل و الخارج لهذه الأمه


اذا هذه الاسباب كافية لتفسير فشل المشروع الامبراطورى الامريكى فى الشرق الاوسط و نجاح الامة الاسلامية فى اقامة حضارتها فى فترة زمنية و جيزة ... لقد كان لدى الحضارة الاسلامية مخزون ثقافى قادر على ارساء روح التعاون و التضامن و الترابط فى الداخل اى الجزيرة العربية و فى الخارج اى بين المسلم العربى و المسلم الافريقى و المسلم الاوروبى و المسلم الاسيوى...ومن حصاد هذا المخزون الثقافى على سبيل المثال قوله تعالى: "و اعتصموا بحبل الله جميعا و لا تفرقوا " وقال رسول الله صلى الله عليه و سلم (لا يؤمن احدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) وقال صلى الله عليه و سلم (لا فضل  لعربى على اعجمى الا بالتقوى)... و لم تمارس الامة الاسلامية اى نوع من انواع الاجبار او الاضطهاد لتطويع سكان البلدان المفتوحة من غير المسلمين لكى يندمجوا فى هذا الفكر الجديد كما قال السير آرثر احد خبراء الآثار المصرية فى كتابه نظرية جديدة للتطور الانسانى: " لم يكن الذى اخضع المصريين هو السيف بل انما كان الذى اخضعهم هو القرآن"... بعكس امريكا التى كان لها و مازال لها بعض التصرفات التى تنم عن عدم احترام الاديان و تحريض على العنصرية بشكل ما...على سبيل المثال احداث سجن ابو غريب فى العراق و وضع القرآن الكريم بالتواليت فى سجن جوانتانامو...و المناداة بحرق و محاكمة القران من قبل قسيس لها...حتى ان كل هذه الامور اثارت التساؤلات فى الادارة الامريكية...و وصل الامر الى الوسط الاكاديمى مما دفع البروفيسور جوزيف ناى بجامعة هارفارد لكتابة مقال علمى بعنوان " اشكالية القوة الامريكية: لماذا لا تسطيع القوة العظمى الوحيدة المضى و حدها"...و اعلن فيه ان امريكا افتقدت حماية قوتها الناعمة كنموذج للحرية و حقوق الانسان و استعاضتها بالاحتلال و الفرص الاقتصادية     

                 
و اخيرا و للاسف حينما انهارت الحضارة الاسلامية كان ذلك ايضاً بسبب انهيار التعاون و التضامن و الترابط و وحدة انسجامها داخليا و خارجيا


اترك تعليق