الحصاد المرير

By : حسن فوزي الصعيدي

بينما شرع المصريون يحثون الخطا نحو دولتهم المدنية، ويشقون طريقهم لبناء مؤسساتهم الحديثة، كانت يد أخرى تعمل في الخفاء، لاختطاف هذه التجربة الفريدة وذلك الحلم الوليد!


كان هناك من يدبر لتغيير المسار، والعودة بعقارب الساعة إلى الوراء، مضخما من حجم أخطاء الممارسات الأولى، وسلبيات التجارب الجديدة، ومضى في طريق ظنها ممهدة له! تدفعه أضغاث أحلام، وتتملكه غطرسة القوة، فطلب تفويضا، وصنع حشودا، ووعد وأوعد، وأرغى وأزبد.

 

فكان لابد أن نتوقف مع حصاد مرحلة صاحب السيف الذي يقطر دما! وما سطرته يد التاريخ  للرجل، الذي حلم بملك مصر، وأن تجري الأنهار من تحته!


لقد وعدنا قائلا: (وبكره تشوفوا مصر) فنظرنا فلم نجد إلا دما يسفك، وكرامة تهدر، وحرية تغتصب، واقتصادا ينهار، وجامعات تغلق، وشعبا يهان!


لم نجد إلا سجونا تكتظ بالأبرياء: رؤساء أحزاب، ووزراء، ونوابا، وقضاة ، وأساتذة جامعات، ونقابيين، ممن رفضوا هذه الإجراءات، لتطل علينا فلسفة الصوت الواحد، وكأن صوت فرعون يتردد من جديد: ( ما أريكم إلا ما أرى).


لم نرَ إلا فضائيات تُغلق، وصحفا تُحجب، وأحزابا تُحظر، وأفواها تُكمم، ليتصدر المشهد الإعلامي توفيق عكاشة وسما المصري، ومن على شاكلتهما، ليلوثوا الآذان بأن معارضي الانقلاب كانوا سببا لطرد المسلمين الأوائل من الأندلس، وانهيار الاتحاد السوفيتي، بل سببا في ثقب طبقة الأوزون، والاحتباس الحراري!


لم نلقَ إلا  قبضة أمنية قاسية، تغولت وازداد بطشها ، وعادت لممارسات أبشع مما كانت عليه  قبل 25 يناير، لتجهز على كل صوت يحاول أن يقول: لا للاستبداد .. لا لسرقة الثورة .. لا لعودة القمع .. لا لمصادرة الحريات .. لا لحكم العسكر!


ظهر قضاؤنا الشامخ متلطخا بأحكام فاضحة، تؤكد غياب العدالة، ووهم استقلال القضاء، دون تحقيقات تذكر، أو إجراءات قانونية تتبع! مع تبرئة  رموز نظام مبارك، الذين تصدروا المشهد من جديد، وعادوا إلى سيرتهم الأولى، في نهب مقدرات هذا الوطن المكلوم.


لا بأس عندهم  من تقزيم دور مصر إقليميا ودوليا، وأن تقاد  أسيرة في سوق النخاسة .. تستجدي قوتها، ويتحكم في سياستها بعض حدثاء الأسنان، وسفهاء الأحلام، من سدنة النفط، وأعداء الحريات!


ولا حرج أن تصل درجة التعاون مع الحليف الإسرائيلي الجديد، إلى وساطة الصهاينة عند الإدارة الأمريكية، لتزويد مصر بطائرات الأباتشي لمتابعة الإرهابيين من أبناء مصر!! ولا غضاضة أن يكون هذا التنسيق على حساب إخواننا المحاصرين في غزة! 


ينبغي ألا نتوقف أمام هذا الشرخ العميق الذي ضرب النسيج المجتمعي في مصر، وذلك الاستقطاب الحاد، الذي جعل بعض أبنائها يتراقص على أنغام (تِسْلَم الأيادي) وإخوانهم يقتلون بدم بارد، تصديقا لمقولتهم: (إنتو شعب، وإحنا شعب).


 يجب أن نزدحم على مزادات بيع الوهم، الذي يبشرنا به جنرالات مصر، وأن يتقدم المريض إلى اللواء عبد العاطي ليأخذ (سيخ الكفتة) المخلوط بالإيدز، ليتم علاجه من كل الأمراض، وعلى رأسها مرض الحياة!! وأن نستخرج الأسمنت من شجرة مخبول آخر، ونهدد أثيوبيا بزراعة أشجار الموز التي ستسبب عندهم الفيضانات!!


يجب ألا نبحث عن منظومة الخبز، التي قام بها الوزير الشاب باسم عودة، القائمة على الاكتفاء الذاتي من القمح، ومحاربة الفساد، وتحسين رغيف الخبز، وتوصيله إلى بيت كل مواطن، دون ذل الزحام، وعناء الطوابير فقيل له: ( أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون)!!


ولا يحق لنا أن نتساءل عن الكهرباء والسولار والبنزين، التي مثلت قمة الأزمات المفتعلة في عهد الحكم المدني، لتأجيج السخط الشعبي عليه، هل تم حل هذه المشكلات أم ازدادت سوءا، بالرغم من المليارات المتدفقة؟!

 

لماذا نعترض ونحن نرى بعض أصحاب العمائم يفتون بما يفرق بين المرء وزوجه، ويؤزون الجهات الأمنية على قتل إخوانهم أزا ( اضرب في المليان)


ما الغريب ونحن نرى انكشاف سوءة المعارضة الكرتونية، وظهور زيف رموز الليبرالية، ودعاة الدولة المدنية، ومؤسسات حقوق الإنسان، وقد زهدوا في قيمهم، وتنكروا لمبادئهم، وباعوا  ضمائرهم، وتحالفوا مع قواد العهد الجديد!


لقد أدركنا قول الرئيس المختطف: لن أنزل على رأي الفسدة. فقد أرادوه جسدا بلا روح، صورة بلا جوهر، دمية بلا تفكير، فأبى، وعلم أن ثمن ذلك حياته،  فوطن نفسه على تقديمها فداء لدينه ومبادئه ووطنه.


وهنا يحق لنا أن نتساءل: هل هذا الحصاد المرير يجب أن يقود صاحبه  إلى كرسي الرئاسة، أم إلى الهاشتاج الشهير؟!


اترك تعليق