بين السماع عن الشيخ القرضاوي والقرب منه

By : أحمد النسناس

سمعت عن الشيخ القرضاوي- كغيري من أبناء الحركة الإسلامية- صغيرا، وبدأت أقرأ له وأنا في نهاية المرحلة الثانوية، وكان أول كتاب قرأته (ملامح المجتمع المسلم الذي ننشده)، غيّر الكتاب في كثير من أفكاري وتصوراتي للدين وللتدين، والشيء بالشيء يذكر، كان أول كتاب أهديته لخطيبتي لتقرأه، ومن هذا الوقت وأنا أتابع الشيخ في كل ما يكتب، وكثيرا ما تشغلني قضية فقهية أو فكرية فيكون أول شيء أبحث عنه رأي الدكتور القرضاوي، لأعرف رأي الشيخ فيما عنَّ لي.


ظلِلتُ من ذلك الوقت مداوما على مشاهدة (الشريعة والحياة) إلا أن يشغلني شاغل، ومتابعا لما يكتبه الشيخ وما يُكتب عنه، أرقب مؤتمره السنوي حينما يأتي إلى مصر في إجازته السنوية، والذي كان غالبا ما يكون في دار الحكمة، مقر نقابة الأطباء، قرأت سيرته، ومناقبه، وجهاده وحياته، إلى أن أنعم الله عليّ أن أعمل في مكتب الشيخ، فرأيت الشيخ عن قرب، وعاملته وجها لوجه، واقتربت منه، فكان الشيخ فوق ما سمعت.


أزعم أن لي عينًا ناقدة، تسبر الغور، وتنفذ إلى العمق، أكسبني إياها خلطتي بأصناف متنوعة من البشر، يختلفون غنى وفقرا، وريفا وحضرا، وتدينا وانحلالا، وثقافة وجهلا، أصناف مختلفة من الناس، منهم من تربوا في بيئة أرستقراطية، ومنهم من هو مثلي تربى في بيئة شعبية، أو كما يطلق عليها الأرستقراطيون: العشوائيات، منهم من هو من أهل الريف بطيبتهم ونقاء فطرتهم، ومنهم أهل المدن بذكائهم ونشاطهم وخفتهم، صحبت أهل الريف، وتربيت في الحضر، بل خالطت أهل التدين بكل أطيافهم: الصوفي والسلفي، ومن ينتمي إلى الإخوان أو التبليغ.


وقد جعلني هذا أكثر مقدرة على قراءة الناس، وأقل اندفاعًا في الإعجاب بهم، وأكثر تريثا في تقييمهم، فكم إنسان يرفعه الناس إلى السماء، ثم تبين المواقف والأيام أنهم دون ذلك بكثير، وكم ترنو الأعين إلى أشخاص تحسبهم في الثريا، فإذا صحبتهم وجدتهم دون الثرى، هناك من الناس من تسمع عنه فتجله، فإذا رأيته قلت: يا ليتني مت قبل هذا. كما يقول المثل المصري (الصيت ولا الغنى). أو كما قال العرب الأقدمون: (تسمعَ بالمُعَيْدِيِّ خيرٌ من أن تلقاه).


وقليل من الناس مَن تراه، فتجد ما قيل فيه أقل كثيرًا من قدره وحقيقته، وواحد من هؤلاء شيخنا الشيخ القرضاوي.


كنت محظوظا أن آتي إلى قطر لأعمل في مكتب الشيخ القرضاوي، في ديسمبر الماضي (2013م)، ومذ جئت وجدتني أرقب الشيخ دون أن أدري، حركاته ولفتاته، عاداته وتصرفاته، طريقته ونظامه، في جلستنا التي يجلسها معنا الشيخ يوميا بعد صلاة الظهر، يحدثنا ونحدثه، ويسمع منا ونسمع منه.


كنت كغيري أعرف الشيخ، ومن من الناس له اتصال بالعلم الشرعي، أو له ارتباط بالعمل الإسلامي، أو اهتمام بقضايا الأمة، ولا يسمع بمثله، وهو الذي طبقت شهرته الآفاق؟ سمعت كثيرًا عنه، وعن خلاله وسجاياه، من خلال القراءة أو عبر شبكة المعلومات، لكن كما سبق أن أشرت: ليس راءٍ كمن سمع.


وأول ما استرعى انتباهي هو حب الشيخ الشديد لمصر، فكثيرا ما أسمعه يردد: إذا نهضت مصر نهض العرب، وإذا نهض العرب نهضت بلاد الإسلام، إنه حب لا تخطئه عين مراقب.


والشيخ مهتم بالشأن المصري بأدق تفاصيله، وهو همّ ظاهر لا يحتاج إلى دليل، يعرفه كل من تحدث مع الشيخ ولو كان حديثا مقتضبًا، يتحدث فيذكر محافظات مصر ومدنها وقراها، تجد له مع كل محافظة قصة أو موقفا، يقول لك هذه زرتها سنة كذا، وتلك زرتها عدة مرات، وهذه خطبت فيها، وتيكم بت فيها، وهذا بلد شيخنا فلان، أو بلد زميلنا علان.


هو المثل الحي لقول الشاعر :
بلادي وإن جارت علي عزيزة * * * وأهلي وإن ضنوا علي كرام


وثاني ما تلحظه في الشيخ، هو عشقه للأزهر، أزهر محمد عبده وشلتوت والخضر حسين، إذا أتاه أزهري، سأله عن الأزهر، ومعاهده، ومناهجه، وكلياته، ومستوى خريجيه. وكم يحزن حزنا يظهر في قسمات وجهه حين يعلم ما وصل إليه حال الأزهر.


وثالث ما رأيته من خلال الشيخ، الأريحية السمحة، إنه إنسان سهل هين لين، لا تعلن حالة الطوارئ بين الحاضرين لوجوده، لا يتكلف ولا يحب التكلف، إنسان طيب النفس أو (بسيط) كما نقول نحن المصريين.


أذكر أني قد حضرت لبعضهم، ممن يصنعون الآن على الأعين لتبوؤ المناصب في الأزهر، هو شاب يكبرني قليلا، فوجدته يحيط نفسه بهالة مصطنعة، في جلسته وهيئته وكلامه، وعصاه، وجبته (أو الكاكولة بلغة الأزهرية)، ومسبحته التي يمسكها في يده فتلامس الأرض، وفي صعوده للمنبر. تكلف وتصنع زائد عن الحد، وكأن التكلف قد تحول رجلًا.


أما الشيخ حفظه الله فهو أريحي غير متصنع، (وما أنا من المتكلفين)، مع الحفاظ على الوقار، يذكر الطرفة في محلها، ويسمع منك أو من غيرك الطرفة فيضحك ضحكة يذكرك صفاؤها وبراءتُها ببراءة ضحك جدي وجدك أهل النفوس الصافية. 

إذا حُدث بشيء من مآسي المسلمين- وما أكثرها!- يظهر حديث المتكلم على صفحات وجه الشيخ، حتى لكأنك تقرأ من قسمات وجهه ما ينطقه المتحدث من لسانه، تأثرا واضحا، وحزنا صادقا، ودمعة قريبة، يحاول مقاومتها لكنها لا تطاوعه.


أحسبه –والله حسيبه- ظاهره كباطنه، يقول في السر ما يقوله في العلن، فيه براءة الأطفال، وهمة الشباب، وحكمة الشيوخ، إذا رأى صغيرا ضاحكه ولاعبه ومازحه.


بسهولة تتعرف إلى ما يحبه وما يكرهه، وما يغضبه وما يرضيه، حتى في أموره الشخصية، بلا حرج ولا تكلف، فإذا غضب أو ثار لا يجد الغضب في صدره مستقرًا آمنًا، فلا يلبث أن يرحل سريعا، ويعود إليه هدوؤه، وإذا أحس أنه أغضب إنسانًا بادر بالاعتذار تصريحًا لا تلميحًا.


وللشيخ ذاكرة فذة - نسأل الله أن يحفظها عليه - ومقدرة على الاستيعاب والحفظ، ليس حفظ المتون والعلوم فقط، بل الأحداث والأشخاص.


أختم بأن الشيخ ليس ممن يُحمَّل فيتحمَّل، فكثير من المشايخ يحمله تلامذته ومقربوه مواقف هي نتاج لما يلقونه إلى سمعه، لكن الشيخ ليس كذلك، فما إن تبدأ الحديث عن قضية أو شخص إلا تجد الشيخ عنده من الإلمام بالموضوع والإحاطة ما يجعلك تتعجب، كيف ومتى وأنت تراه في مكتبه من قبل الظهر إلى قرب منتصف الليل، في مكتبه بين كتبه وأوراق مشروعاته في التأليف؟!! فإذا تأثرت أنت- مثلًا- بالإعلام، أو غلبتك عاطفتك، فتبنيت رأيا معينا لم يُقنع الشيخ، وحاولت أن تعرض وجهة نظرك على الشيخ، حاججك وفند ما تقول، ثم تثبت لك الأيام صدق حدس الشيخ.


وقد أثارت شهادة أخي إسماعيل بالأمس في حق الشيخ هذه الكلمات، فأردت كتابتها، ليتسلى بها من لم يرزق القرب من تلاميذ الشيخ وأبنائه، وهم كثر.


اسأل الله أن يبارك في الشيخ وعمره، وأن يجعلني وكل من يعمل معه أهلا لحمل هذه الأمانة كما ينبغي، اللهم آمين.


اترك تعليق