وقفات مع يوم عاشوراء

By : عبد السلام حمود غالب

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، تمرُّ بالأمة الإسلامية ذكرى عاشوراء، وهو يومٌ من أيام الله، وله ذكرى كما بيَّنها العلماء والفقهاء نقلاً عن الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم- وهو يومٌ أنقذ الله فيه موسى من فرعون وجنوده، فكانت ذكرى في الجاهلية، فقال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: "نَحْنُ أَوْلَى بِمُوسَى مِنْهُمْ"[1].

تحديد عاشوراء وهو يوم العاشر من المحرم:
قد ورد الخلاف حول تحديد اليوم بين تاسوعاء وعاشوراء.

قال النووي - رحمه الله - في المجموع: "عاشوراء وتاسوعاء اسمان ممدودان، هذا هو المشهور في كتب اللغة، قال أصحابنا: هو اليوم العاشر من المحرَّم، وتاسوعاء هو التاسع منه، وبه قال جمهور العلماء... وهو ظاهر الأحاديث، ومقتضى إطلاق اللفظ، وهو المعروف عند أهل اللغة"[2] اهـ.

الأحاديث المشيرة إلى صيام يوم عاشوراء:
1- عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: "قدِم النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- المدينةَ فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء، فقال: "مَا هَذَا؟" قالوا: هذا يومٌ صالح، هذا يوم نجَّى الله بني إسرائيل من عدوِّهم، فصامه موسى. قال: " فَأَنَا أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ"، فصامه، وأمر بصيامه. متفق عليه، البخاري: كتاب الصوم، باب صيام يوم عاشوراء، (1900)، ومسلم: كتاب الصيام، باب صوم يوم عاشوراء، (1130)..

2- وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - يقول: "حين صام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم عاشوراء وأمر بصيامه، قالوا: يا رسول الله، إنه يومٌ تُعظِّمه اليهود والنصارى، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "فَإِذَا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ إِنْ شَاءَ اللهُ صُمْنَا الْيَوْمَ التَّاسِعَ". قال: فلم يأتِ العام المقبل حتى تُوفِّي رسول الله - صلى الله عليه وسلم". أخرجه مسلم في صحيحه برقم 1134.

3- حديث عروة عن عائشة -رضي الله عنها- أن قريشًا كانت تصومُ عاشوراء في الجاهلية، ثم أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بصيامه حتى فُرِض رمضان، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: " مَنْ شَاءَ فَلْيَصُمْهُ، وَمَنْ شَاءَ فَلْيُفْطِرْهُ". متفق عليه: أخرجه البخاري ومسلم عن عروة من ثلاثة طرق: 1- الزهري، 2- هشام بن عروة، 3- عراك بن مالك.

4- وعن أبي قتادة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "صيامُ يوم عاشوراء، أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ"؛ أخرجه مسلم برقم (1162)، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وأحمد، والبيهقي.

5- وعن علقمة بن قيس النخعي، أن الأشعث بن قيس دخل على عبد الله بن مسعود وهو يطعَمُ يوم عاشوراء، فقال: يا أبا عبد الرحمن، إن اليوم يوم عاشوراء. فقال: "قَدْ كَانَ يُصَامُ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ رَمَضَانُ، فَلَمَّا نَزَلَ رَمَضَانُ تُرِكَ، فَإِنْ كُنْتَ مُفْطِرًا فَاطْعَمْ". وفي رواية لمسلم: " إِنَّمَا هُوَ يَوْمٌ كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُومُهُ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ شَهْرُ رَمَضَانَ، فَلَمَّا نَزَلَ شَهْرُ رَمَضَانَ تُرِكَ". أخرجه البخاري برقم (5403)، ومسلم برقم (1127).

6- وعن قيس بن سعد بن عبادة - رضي الله عنه - قال: "أمرنا النبيُّ -صلى الله عليه وسلم أَنْ نَصُومَ عَاشُورَاءَ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ رَمَضَانُ فَلَمَّا نَزَلَ رَمَضَانُ لَمْ يَأْمُرْنَا وَلَمْ يَنْهَنَا وَنَحْنُ نَفْعَلُهُ". أخرجه النسائي في "الكبرى" برقم (ح 2841)، وأحمد، والطحاوي في شرح معاني الآثار، وإسناده صحيح.

7- وعن جابرِ بن سَمُرة - رضي الله عنه - قال: "كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُنَا بِصِيَامِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ، وَيَحُثُّنَا عَلَيْهِ، وَيَتَعَاهَدُنَا عِنْدَهُ، فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ، لَمْ يَأْمُرْنَا، وَلَمْ يَنْهَنَا وَلَمْ يَتَعَاهَدْنَا عِنْدَهُ". أخرجه مسلم برقم (1128)، والطيالسي برقم (784)، والطبراني برقم (1869).

حكم صيام عاشوراء، والحكمة منه كما ورد في الحديث:
نقل صاحب "الفقه الإسلامي وأدلته" الحكم وأنه مستحبٌّ وفيه الأجر والثواب، كما ورد في الأحاديث المبيِّنة أجر صيام عاشوراء وتكفير سنة من الذنوب.

وإنما لم يجب صومُه؛ لخبر الصحيحين: "هَذَا يَوْمُ عَاشُورَاءَ وَلَمْ يَكْتُبِ اللَّهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ، وَأَنَا صَائِمٌ، فَمَنْ شَاءَ فَلْيَصُمْ، وَمَنْ شَاءَ فَلْيُفْطِرْ"[3]. وحملوا الأخبار الواردة بالأمر بصومه على تأكد الاستحباب.

ونُقِل عن كثير من العلماء أن صوم يوم عاشوراء اليومَ ليس بواجبٍ، واختلفوا في مبدأ صيامه هل كان واجبًا أو مستحبًّا بداية الإسلام؟ على قولين: ذهب أبو حنيفة ورواية عن أحمد -رجَّحها ابن القيم- أن صومه كان واجبًا، والجمهور أنه كان مستحبًّا.

وثبت عن بعض الصحابة - رضوان الله عليهم - أنهم لم يصوموا عاشوراء بعد فرض رمضانَ على وجه الوجوب، حسب تخريج بعض العلماء، منهم ابن مسعود - رضي الله عنه - وابن عمر - رضي الله عنهما - فكان لا يصومُه إلا أن يوافق صومه.

والأحاديث دالَّةٌ على بقاء استحباب صوم عاشوراء، وقول ابن مسعود - رضي الله عنه -: "فلما نزل رمضان تُرِك"؛ أي: وجوبه لا استحبابه، ولنوضِّح الأمر أكثر ننقل ما ذكره ابن رجب وكذلك ابن حجر.

قال ابن رجب - رحمه الله - في "اللطائف":
"فهذه الأحاديث كلُّها تدلُّ على أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يُجدِّد أمرَ الناس بصيامه بعد فرض صيام شهر رمضان، بل تركهم على ما كانوا عليه من غير نهيٍ عن صيامه، فإن كان أمره -صلى الله عليه وسلم- بصيامه قبل فرض صيام شهر رمضان للوجوب، فإنه ينبني على أن الوجوب إذا نُسِخ فهل يبقى الاستحباب أم لا؟ وفيه اختلاف مشهور بين العلماء، وإن كان أمره للاستحباب المؤكد، فقد قيل: إنه زال التأكيد وبقي أصل الاستحباب؛ ولهذا قال قيس بن سعد: ونحن نفعله".

وقال ابن حجر في الفتح:
"ويؤخذ من مجموع الأحاديث أنه كان واجبًا لثبوت الأمر بصومه، ثم تأكَّد الأمر بذلك، ثم زيادة التأكيد بالنداء العام، ثم زيادته بأمر مَن أكل بالإمساك، ثم زيادته بأمر الأمهات ألاَّ يُرضِعْن فيه الأطفال، وبقول ابن مسعود الثابت في مسلم: "لَمَّا فُرِض رمضان تُرِك عاشوراء". مع العلم بأنه ما تُرِك استحبابه، بل هو باقٍ، فدل على أن المتروكَ وجوبُه"؛ اهـ.

والحكمة من صيام عاشوراء:
ما بيَّنه ابن عباس، قائلاً: "قدِم النبي -صلى الله عليه وسلم- فرأى اليهود تصومُ عاشوراء، فقال: ((ما هذا؟))، قالوا: يومٌ صالح، نجَّى الله فيه موسى وبني إسرائيل من عدوِّهم، فصامه موسى. فقال: ((أنا أحق بموسى منكم))، فصامه، وأمر بصيامه"؛ متفق عليه.

وورد المخالفة لهم في صيام يومٍ قبله ويوم بعده، فإن لم يصم مع عاشوراء تاسوعاء، سن عند الشافعية أن يصوم معه الحادي عشر، بل نص الشافعي في الأم والإملاء على استحباب صوم الثلاثة.

وذكر الحنابلة أنه إن اشتبه على المسلم أوَّلُ الشهر صام ثلاثة أيام، ليتيقَّن صومها.

ولا يُكرَه عند الجمهور غير إفراد العاشر بالصوم، ومقصدهم المخالفة لليهود بصيام يوم قبله أو بعده.

بعض الفوائد وما يتعلق بيوم عاشوراء اليوم:
• صوم عاشوراء ثابت كما أوردنا الأدلة على ذلك؛ فينبغي الصيام لمن أراد الأجر والثواب والاقتداء بهَدْي خير العباد.

• الابتعاد عن البدع، وما لم يرد عن الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم- والالتزام بسنته وهَدْيه الكريم.

• عدم صرف المقصد من صيام عاشوراء مثل عمل بعض الفرق اليوم، وتحويل عاشوراء إلى البكاء والنياحة على قتل الحسين بن علي -رضي الله عنهما- ونسيان ما أمر به الرسول -صلى الله عليه وسلم- ونحن نُجِلُّ ونُقدِّر الإمام الحسين -رضي الله عنه- ولا نزاع في فضلِ الحسين -رضي الله عنه- ومناقبُه لا تُعَدُّ ولا تُحصَى، وقد ذكر الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم- الكثيرَ من مناقبه ومكانته وفضله؛ فهو من علماء الصحابة، ومن سادات المسلمين في الدنيا والآخرة، الذين عُرِفوا بالعبادة والشجاعة والسخاء، وابن بنت أشرف الخلقِ -صلى الله عليه وسلم- والتي هي أفضل بناته، فاطمة البتول الزهراء، ريحانة الرسول -صلى الله عليه وسلم- وقُرَّة عينه، وما وقع من قتله فأمرٌ منكر شنيع مُحزِن لكل مسلم ومسلمة، ولا يرضى هذا الفعلَ مؤمنٌ، وكما قال الإمام ابن تيمية: "مَن رضي بقتل الحسين أو شارك، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين". وقد انتقم الله -عز وجل- من قَتَلتِه، فأهانهم في الدنيا وجعلهم عبرة، فأصابتهم العاهات والفتن، وقلَّ مَن نجا منهم، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

والذي ينبغي عند ذكر مصيبة الحسين هو الصبر والرضا بقضاء الله وقدره، وأنه -تعالى- يختارُ لعبده ما هو خيرٌ، ثم احتساب الأجر عند الله -تعالى- بعيدًا عمَّا يقومُ به البعض اليوم من إثارة الكراهية وغرسها في نفوس الناس بُغْيةَ الانتقام من العرب الذين -على حسب زعمهم- قتلوا الحسين -رضي الله عنه.

• تحرِّي الاقتداء بالرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم- واتِّباع هَدْيه وسنته، فكما قال: "مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي".

• أخذ العبرة والعظة بما حصل من إنقاذ الله لموسى -عليه السلام- من فرعون وجنوده، ونعلم أن الغلبة للحق، وأن النصر قريب من المؤمنين.

 

 

[1] البخاري: كتاب التفسير، سورة طه، (4460) عن عبد الله بن عباس، ومسلم: كتاب الصيام، باب صوم يوم عاشوراء، (1130).
[2] النووي: المجموع شرح المهذب، دار الفكر، (6/ 383).
[3] البخاري: كتاب الصوم، باب صيام يوم عاشوراء، (1899), ومسلم: كتاب الصيام، باب صوم يوم عاشوراء، (1129)..


اترك تعليق