استشهاد الحسناوي وانتصار المصحف على السيف

By : محمد يتيم

الاغتيال الآثم الذي تعرض له الشهيد عبد الرحيم الحسناوي طالب منظمة التجديد الطلابي يعيد طرح مسالة العنف من جديد على الساحة السياسية.

في مقال سابق وتعليقا على التهديد بالقتل الذي تعرض له الأستاذ المقرئ الإدريسي أبو زيد استعدنا عددا من وقائع العنف السياسي، استعدنا محاولات الاعتداء التي تعرضت لها تجمعات لحزب العدالة والتنمية كان يرأسها الأخ الأمين العام، استعدنا الاعتداء الذي تعرض له الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية وهو يترأس تجمعا حزبيا بسيدي إفني، والاعتداء الذي تعرض له السيد وزير الصحة، واعتبرنا أن مواجهة تنامي اللجوء إلى العنف كوسيلة في التعبير السياسي تستدعي أن يتحمل الجميع مسؤوليته اتجاه هذه الظاهرة.

الحادثة الإجرامية التي عرفتها ساحات الجامعة في فاس تعطي لما قلناه سابقا مصداقيته وراهنيته،

الحادثة هذه المرة لم تنسب إلى مجهول، وان كانت بعض الجهات قد سعت في تغطيتها الآثمة أن تفعل ذلك، وأن تصور الأمر هو نتيجة ل" مواجهات بين فصائل طلابية ".

فالحادثة الإجرامية الإرهابية يتحمل المسؤولية المباشرة عن تنفيذها فصيل يساري جذري متطرف له سوابق إرهابية، لم تسلم منها فصائل طلابية غير محسوبة على التيار الإسلامي منها الطلبة الأمازيغيون وطلبة من النهج الديمقراطي.

الحادثة الإجرامية الإرهابية حدثت رغم أن منظمة التجديد الطلابي ألغت نشاطا ثقافيا كان عبارة عن ندوة موضوعها الحوار بين الإسلاميين واليساريين، ألغاها السيف والساطور! وذلك بعد أن تلقى المنظمون تحذيرات من إمكانية حدوث اعتداءات على الندوة والمشاركين فيها.

ماذا أقول في حق هؤلاء الشباب المغرر بهم، والذين بدل أن يكونوا طلبة باحثين وأطرا للمستقبل تحولوا إلى قتلة، قد يقضون زهرة شبابهم في غياهب السجن.

ماذا أقول إذا كانت أم الشهيد قد سامحتهم عند الله؟ ماذا أقول سوى إنه نبل المرأة المسلمة المغربية العميقة التدين المطمئنة على مصير ابنها بين يدي الله لأنه شهيد وحامل لكتاب الله. ماذا أقول إلا أن أقف تقديرا وإجلالا لهذه المرأة المغربية الأصيلة وهي تعلمنا درسا كبيرا في التعالي على الألم والجرح والرغبة في الثأر والانتقام !! ماذا أقول إلا أنه انتصار للمصحف على السيف!

قالت الأم المكلومة لإخوان الشهيد في المنظمة إن الضربات القاتلة والآثمة من سيوف وسواطير المعتدين إن كانت قد أراقت دم حامل المصحف وكتاب الله وأذنت لها أن ترفرف إلى أعلى عليين إن شاء الله مع الشهداء والصديقين، ينبغي أن تستفزكم وتسيروا على نهجكم الذي كان الشهيد يذكره بكم وهو يتلو عليكم، حين كان يؤمكم في الصلاة، قوله تعالى: "لئن بسطت يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين" وقوله تعالى "كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة"

قالت الأم المكلومة قد انتصر الحسناوي على قتلته، قالت الأم الصابرة المحتسبة: قد انتصر المصحف على السيف!

تقول لكم الأم، لقد بنيتم نموذجا طلابيا راقيا في الجامعة حين فوتتم على من أراد أن يستدرجكم إلى فخاخ العنف، وهو العنف الذي لم تكن هذه المرة هي الأولى التي أديتم فيها الثمن، نموذجا أصبحتم فيه من العقلاء مغبوطين ومن الخصوم محسودين.

أشهد أني قد دهشت من مستواكم وأنا أرى في ملتقاكم الأخير بجامعة الحقوق بمكناس حين حللت عليكم ضيفا في محاضرة حول المسالة اللغوية. احتضنتم كل ألوان الطيف السياسي في منتداكم وفسحتم لهم المجال وحرصتم على أن يكون في نقاش المحاضرين وفي مقدمتهم ممثلون لكل الفصائل الطلابية أمازيغيين وتقدميين ويساريين وعدل وإحسان !!

سعى البعض من بقايا اليسار المتطرف الحاقد أن يرجع بالجامعة إلى أجواء الاحتراب والانتقام، حسدا ونقمة من نجاح منهجكم وسمو تجربتكم وصار ينبش بطريقة مشبوهة في ملفات كان القضاء قد قال فيها كلمته، كما انه ينبغي للقضاء اليوم أن يقول كلمته في هذه الجريمة الآثمة ومن يقف وراءها، لأن المنفذين مهما يكن من أمر وراءهم من خطط وحرض ومن يتحمل المسؤولية المعنوية عن هذه الجريمة وعن الاعتداءات التي تعرضت لها فصائل طلابية أخرى يسارية وإسلامية وليس طلبة منظمة التجديد الطلابي.

الحادثة الإجرامية الآثمة الأخيرة تبين بالملموس لكل من قد سولت لهم أنفسهم أن يلعبوا سياسيا بورقة اليسار العدمي المتطرف أو غيره من أشكال التطرف من أجل إقامة التوازن السياسي أنها لعبة نارية  قذرة أول من يحترق بها هم سحرتها وحماتها !!

والأخطر من ذلك محاولات التعتيم والتغليط والتلبيس التي سعى البعض للقيام بها من خلال الادعاء أن الأمر كان ناتجا عن مواجهات بين فصائل طلابية !!! في تسوية آثمة بين القتلة المجرمين وبين الضحايا.

إذا كانت أم الشهيد قد غفرت وسامحت لمقترفي هذه الجريمة باعتبارهم مغررا بهم، فكيف لها أن تقبل ذلك ممن سعى إلى أن يضع ابنها الشهيد مع قاتله في مرتبة واحدة باعتباره هو أيضاً لم يكن سوى مشروع قاتل وليس شهيدا.

ينبغي أن تتصدى جميعا لثقافة العنف والى تبريره وتسويغه والتغطية عليه. ينبغي أن تتحول حادثة مقتل الطالب الشهيد الحسناوي إلى قضية رأي عام أول من ينبغي أن يؤدي فيها الحساب المحرضون والمتسترون والذين سعوا ويسعون إلى التغطية على القتل، والمتاجرون سياسيا بالعنف والحريصون على تغذية أسبابه وشروطه، فهؤلاء هم القتلة الحقيقيون الذي ينبغي أن يحكاموا فكريا وثقافيا وسياسيا وحقوقيا.


اترك تعليق