عن الشيخ (القرضاوي) أتحدث

By : أ. د. يوسف القرضاوي

أمــا قبـــــــل؛ فإنني لا أدافع عن الشيخ/ يوسف القرضاوي؛ ولكن الله يدافع عن الذين آمنوا. كما أنني لا أشاطر (الشيخ) في "بعض تصريحاته بعد 30 حزيران الماضي" وهو موقف سياسي تبناه الرجل بما أوتيَ من عِلم، وما سمعه من أخبار، وما وصله من معلومات ... ولا أحد –إلى الآن- يملك الحقيقة كاملة! ومَن يدري؟ فالأيام حبلى، والسحب لا تزال داكنة ..

وإنَّ السماء ترجَّى حين تحتجبُ!! الحقُّ أقول؛ أنا لا أدري، ولا أحدٌ يدري .. ولا المنجِّم يدري! لكن الذي أدريه جيداً، وأدري أنني أدري ... أنَّ الشيخ (القرضاوي) هو أعلم الأمَّة في هذا العصر، وأوسعهم دراية بفقه الواقع، وفقه الأولويات، والمصالح المرسلة، والاستنباط، والقياس، والإستحسان، ودروس التاريخ وعِبره، وألاعيب السياسة ومكر الساسة، وغدر الأنظمة، ولعبة الأمم ...

وإنْ كنتَ لا تصدِّق فاقرأ كتابيْه (الدين والسياسة) و(فقه الدولة في الإسلام) فقد وضع النقاط على الحروف، ووضع القطار على قضبانه الصحيحة! لكن؛ لنفترض أنَّ (الشيخ) أخطأ في موقفه ... فلماذا كل هذه الحملة الجائرة؟ ولماذا هذه الحرب الضروس على من أخطأ في اجتهادٍ سياسي؟! حتى لوْ كان خطأً فقهياً؛ ما كان يستحق هذه الحملة المسعورة التي يقود زمامها جوقة من الساسة، والعسكريين، والإعلاميين، والفنانين، والمهرجين، والمجدِّفين، والسلفيين، والوهابيين، وفلول العلمانيين، وبقايا الماركسيين، وأناس منا، وأناس غرباء عنا! ولقد نعلم أنَّ غالبية المشاركين في هذه الحملة الشعواء؛ ليسوا من الكارهين للشيخ فحسب، ولا من الكارهين للعلماء فحسب .. بلْ –وهو الأدهى- من الكارهين للإسلام أصلاً. إنَّنا نعرف تاريخهم "المشرِّف"! ونعرفهم بسيماهم، ونعرفهم في لحن القول! هم الذين تأخذهم حمية الجاهلية! وينافحون عن تبرج الجاهلية! ويريدون حكم الجاهلية! ويظنون ظن الجاهلية! ويظنون بالله ظن السوء ... عليهم دائرة السوء! هم الذين حاربوا الفضائل، وتاجروا بالرذائل ... وعقروا الناقة!

ذات مرة؛ سألني أحد الباحثين الأجانب عن (القرضاوي)؟ فقلتُ له: إنه صاحب العقلية التي نراهن عليها؛ في فهم وسطية الاسلام وعالمية رسالته، يتجلى ذلك في كتبه: (الاسلام حضارة الغد) و(العقل والعلم في القرآن الكريم) و(شريعة الاسلام صالحة لكل زمان ومكان).

فالدكتور (القرضاوي) هو الداعية الفذ؛ الذي واجه الحُكَّام الفاسدين، وهجا الجبابرة المُستبدين؛ الذين أفسدوا في البلاد، وأحلُّوا قومهم دار البوار! فتصدّى للأنظمة الديكتاتورية، وكشف عن مراحل الانحطاط، ومواضع الخلل، دونما خوفٍ ولا رهبة .. فدخل السجون، ومُنِع من دخول كثير من البلاد، ومنها بلده مصر! كما أنه الشاعر الأزهري الثائر، الذي حرَّض طلاب الأزهر سنة 1951 ضد الاحتلال الإنجليزي؛ وكتب قصيدته الشهيرة بعنوان "يا أزهــــــر الخـير"

قال فيها:

دع المِّداد وسطِّر بالدم القاني ** وأسْكِت الفمَ واخْطُب بالفم الثاني

فم المدافع في صدر العداة له ** من الفصاحة ما يُزري بسحبان

يا أزهرَ الخيرِ قُدها اليوم عاصفةً** فإنّما أنتَ من نورٍ ونيران

 الشيخ (القرضاوي) هو العالم الأزهري، الذي يعد من أبرز الدعاة المعاصرين، وأحد دعاة "الوسطية الإسلامية" التي تجمع بين الأصالة والمعاصرة، وتوازن بين الثوابت والمتغيرات، ولا تنسى الماضي ولا تنعزل عن الحاضر ولا تغفل المستقبل! بلْ إنه من الدعاة القلائل الذين يجمعون بين مُحكمَات الشرع ومُقتضيات العصر، وقد تميزت كتاباته بدقة الفقيه، وإشراقة الأديب، ونظرة المُجدِّد، وحرارة الداعية. أجل! إنه الداعية المجدِّد، الذي تربو مؤلفاته على مائة وخمسين كتاباً، وقد لاقتْ قبولاً حسناً في العالم العربي والإسلامي، وقد طبع بعضها عشرات المرات، كما تُرجِمَ عدد كبير منها إلى اللغات الإسلامية واللغات العالمية المختلفة. كما أنه واحد من شعراء الدعوة الإسلامية في العصر الحديث؛ الذين عايشوا الحركة الإسلامية في صميم جهادها وتفاعلوا معها، ورافقوها في طريقها المحفوف بالمكاره والمحن! وله عدة دواوين، أشهرها: ديوان "نفحات ولفحات"، وديوان "المسلمون قادمون".

وقد سبق لي أنْ كتبتُ عنها في كتاب "شعراء في مواجهة الطغيان" وكتابي الأخير "شعراء الأزهر". مَن هو يوسف القرضاوي؟ (القرضاوي) هو العالِم النحرير، والمفكر الموسوعي، والداعية الأكثر شهرة في العالم الإسلامي .. تميزتْ خطبه بأنها كلمات صادقة منبثقة من الواقع؛ فكرة وتجربة وأسلوباً، كما تتميز دروسه ومحاضراته بأنها تحمل معاناة إنسانية من خلال المفاهيم والتصورات الإسلامية، فكثيراً ما يتحدث عن آلام الناس، ويدعو إلى إزالة المظالم، وإصلاح الفساد، ويتحرك في إطار الإسلام، ويلتزم المنهج الإسلامي.

(القرضاوي) هو الكاتب الكبير، الأكثر مبيعاً، والذي سدَّتْ مؤلفاته واجهات المكتبات، ودور النشر، وصارت كـــــ"عصا موسى" التي التهمتْ حبال السحرة وعصيِّهم! فهو هازم الماركسيين والعلمانيين، كما فعل بهم في كتبه: (الحلول المستورة .. كيف جنتْ على أمتنا) و(الاسلام والعلمانية وجهاً لوجه)! وهو قاهر البدو الوهابيين والأعراب السلفيين، كما ظهر ذلك جلياً في كتبه: (الفتاوى الشاذة) و(السنَّة مصدراً للمعرفة والحضارة) و(كيف نتعامل مع السنَّة) و(عوامل السعة والمرونة في الشريعة الإسلامية).

وهو عدوّ التكفيريين والخوارج الجدد، وقباقيب الوهابية؛ فقد أعلن عليهم الحرب بلا هوادة، في كثير من كتبه، مثل: (ظاهرة الغلوّ في التكفير) و(الإسلام الذي ندعو إليه). الحق أقول: إنَّ القرضاوي عبقري البيان، صادق العاطفة والإحساس .. ذو خيال خصب، وموهبة حقيقية، وأداء جميل، وتوفيق كامل ومؤثر في عرض الدعوة الإسلامية .. تبدو في مقالاته وأبحاثه وسائر مؤلفاته سلاسة العرض، وفصاحة الأسلوب، وطول النفس ..

وتتجلى فيه روح صاحبه: رجل العلم والفكر والدعوة. كما تتميز مؤلفاته بالسلاسة والتدفق، والصدق في الإحساس والتصوير، والأسلوب الخصب، والالتزام بعقيدة التوحيد وبالفكر الإسلامي الذي يبدو الاعتزاز به والانتماء إليه في كل آرائه وأفكاره .. فهو يعتقد أن الإسلام حيثما حلَّ ملازم للتحرر والتحرير؛ يحرر الأرض من العدوان، والإنسان من الطغيان، وهو السبيل الوحيد لتحرير الأوطان المسلوبة. وقد كتب في جميع القضايا، ومختلف الحوادث والمناسبات، خاصة مجال الفقه، والدعوة الإسلامية.

بلْ إنه لمْ يترك مجالاً من المجالات، ولا قضية من القضايا صغيرةً أوْ كبيرة؛ إلاَّ وأدلى فيها بدلوه، وكال فيها بالمكيال الكبير! ولا عجب أن يكون كتابه (فقه الزكاة) أهم كتاب في بابه، نال به جائزة فيصل العالمية، وكتاب (فقه الجهاد) أشمل كتاب لهذه القضية الشائكة.

وكتاب (تاريخنا المفترى عليه) ينم عن ثقافته التاريخية الواسعة، وقدراته الفكرية النوعية، وكتاب (مشكلة الفقر كيف عالجها الإسلام) تكشف عن موسوعيته الفقهية والإقتصادية. ولعلَّ كتبه: (الأقليات الدينية والحل الإسلامي) و(فقه المواطنة في الإسلام) و(غير المسلمين في المجتمع الإسلامي) تعكس مدى سعة أفقه، ورحابة عقله. ومؤلفاته عن (الصحوة الإسلامية) عالج من خلالها مسيرة الحركات الإسلامية في مصر والعالم العربي والإسلامي، بالنصح، والتوجيه، والتحذير. وكتاب (رسالة الأزهر –بين الماضي والحاضر والمستقبل) رسم فيه معالم الطريق الأمثل لِما ينبغي أن تكون عليه مؤسسة الأزهر الشريف. وفي كتابه (الشيخ الغزالـــــي كما عرفته) أخبر عن عبقرية أستاذه، وحجم الدويّ الذي أحدثه في حقل الدعوة! وفي تقديري أنَّ هذا الكتاب يتفوق على (140 رسالة علمية) تمَّ إنجازها في مختلف الجامعت عن الغزالي وجهوده.

ويأتي كتابه الأبرز (كيف نفهم القرآن العظيم) ثمرة رحلة مصاحبة طويلة للكتاب العزيز! ولعلَّ سائر مؤلفاته تكشف عن مواهبه المتعددة، وملكاته النقدية. كما تكشف عن ثورته العارمة على العادات الراكدة، والتقاليد الوافدة، والجهل والخداع، وسائر مخلَّفات عصور الاستبداد. * * * أمَّـــــا بعـــــد؛ فإنني أقول لأستاذنا الجليل/ يوسف القرضاوي: اصبر، ولا تحزن .. إنَّ الله معك، فالله ناصر أوليائه وعباده الصالحين! وعِشْ كوكباً يهدي إلى العُلا، وينقضُّ رجماً للشياطين كالشُّهُبِ!


اترك تعليق