إلى رحمة الله تعالى ورضوانه عالم السيرة النبوية وفقيهها

By : محمد فاروق البطل


فقدت الأمة الإسلامية ورابطة العلماء السوريين بوفاة الأخ الحبيب والشيخ العالم الجليل الأستاذ الدكتور منير محمد نجيب غضبان ، أحد المؤسسين الأوائل للرابطة ، عاصر تأسيسها ونشأتها منذ أول يوم تأسست في عام1426هـ  2006 م، وكان عضواً في أول مجلس تأسيسي لها، وفي أول أمانة عامة بعد التأسيس.

توفِّي رحمه الله تعالى في البلد الحرام مكة المكرمة، المدينة التي أحبها، وأحب المقام فيها، وذلك ضحى يوم الأحد الثالث من شعبان سنة 1435 الموافق 1/6/2014 وقد بلغ من العمر اثنين وسبعين عاماً، وإنه لعمر مبارك قضاه في طاعة الله ، وأنا لا أزكيه على الله ، فقد عرفتُه مذ كان صغيراً ، وقد كنت طالباً في جامعة دمشق عام 1956 حين رافقتُ شيخنا وأستاذنا الدكتور مصطفى السباعي رحمه الله تعالى مع عدد كبير من إخوة دمشق لزيارة مدينة التل وتعزية والده السيد نجيب غضبان باستشهاد ولده الضابط الذي اغتاله البعثيون في الجيش السوري، لانتمائه الإسلامي ، زرنا مدينة التل ، وخطب الشيخ السباعي في مسجد التل، وكانت كلمة بليغة مؤثرة، ثم غادرنا المسجد إلى منزل الأسرة الكريمة ،وكان الشبل منير صغيراً يقف أمام باب البيت ، مستقبِلاً الضيوف مع والده وأخيه الدكتور ياسين ، وهذه أول مرة أراه فيها ، لكنني لا أذكر شكله يومئذ ، لكنه كان هو الذي يذكِّرني أنه التقاني عام 1956... ثم غاب عني، وغبت عنه، مدة خمس وعشرين سنة لألقاه في عمان عضواً في قيادة الجماعة ، ثم مراقباً عاماً للإخوان عام 1982 ، بتكليف من مكتب الارشاد، وحين احتدم الخلاف بين فريقي  الشيخ أبي غدة وأبي عامر رحمهما الله تعالى ، وباعتبار أن الشيخ منير كان عضواً في مجلس الشورى العام ، ومحبوباً من إخوانه السوريين جميعاً، إذ كان ليناً ودوداً ، وليس له خلاف مع أحد ، اختاره مكتب الإرشاد مراقباً عاماً بالتعيين، وريثما يتم انتخاب مراقب عام جديد من قِبل مجلس شورى الجماعة، قبلت مجموعة الشيخ عبد الفتاح بذلك وبايعتْه، ورفضَتْ مبايعتَه مجموعُة أبي عامر ، سُلِق الأخ ابو عامر بألسنة حداد ، ولكنه كان عفَّ اللسان حليماً ودوداً ، يقابل كل ما يسمعه بضحكته المعروفة.

يُذكَر للأخ الشيخ منير أنه كان في الثمانينات مدرساً ومفتشاً في مدينة الرياض فلما قامت الثورة في سورية ، ودعاه إخوانه في القيادة للحضور إلى عمان متفرغاً سرعان ما لبَّى النداء، والتحق بإخوانه تاركاً وراءه العمل المأجور والراتب الكبير.

نعم حضر إلى عمان، ثم انتقل إلى  بغداد متفرغاً وبغير أجر ، وهذه هي الميزة الثانية للشيخ منير ، فقد كان عفَّ اليد إلى جانب أنه كان عف اللسان ، كان يرفض أي راتب أو تعويض يُقدَّم له من الجماعة رغم الإلحاح عليه ، ورغم تفرغه ، بل رغم ما يكلفه عمله في الجماعة مِن نفقات كان يؤثر أن يدفعها من جيبه ، رافضاً تناول أي ريال من الجماعة، تعففاً واعتقاداً منه أنها أموال زكاة...

بعد مبايعته مراقباً عاماً للجماعة، زارني في بيتي في جدة ، هنأتُه بثقة إخوانه وبايعتُه وأبلغتُه أنني جندي، ألتزم بتنفيذ ما يطلبه مني.

تعاونت معه رحمه الله تعالى في مجلس الشورى، وفي هيئة المحكمة العليا ، فكان نعم المساعد ، ونعم الأخ المعين...

وتعاونتُ معه رحمه الله تعالى كذلك في توحيد الجماعة في التسعينات من القرن الماضي ، والحمد لله فقد كانت وحدة مباركة استمرت حتى اليوم بكامل مؤسساتها ، والفضل لله سبحانه أولاً وآخراً.

وتعاونتُ معه كذلك في لجنة التقويم التي شكلها مجلس شورى الجماعة لتقويم أحداث الثمانينات .

أشهد أن الأخ أبا عامر رحمه الله تعالى كان زاهداً متواضعاً ، لا يستشرف منصباً ولا جاهاً ، ولكنه إذا دُعي لبَّى بكل صدق وإخلاص ، وينفذ ما يوكل إليه بكل جد وتفان.

كان يحرص على التفقه في دين الله ، يواظب على حضور دروس الشيخ محمد علي مشعل ـ عافاه الله ـ في الفقه الشافعي.

وكان يحرص على العطاء العلمي ، فقد كانت له دروس في فقه السيرة في جدة ومكة ، طلبتُ إليه رحمه الله تعالى أن ينوِّع عطاءه في فقه السيرة النبوية وفي فقه السياسة الشرعية، فأجابني إلى طلبي أسكنه الله فسيح جناته.

كان لا يتردَّد أحسن الله إليه أن يمدّ لجنة الدراسات بالبحوث التي تطلبها بل كان كوكبها ومرجعها، يحضر لقاءات اللجنة يناقش ويحاور ، رغم ما يكلفه هذا العمل من سفر وتعب ورهق ونفقه.

وأهم من كل ذلك ، تلك المحبة التي عَمَرَت قلبك أيها الأخ الحبيب أبا عامر إنها محبتك لله ولرسوله الكريم صلى الله عليه وسلم ولصحابته الأبرار رضي الله عنهم، وللإسلام العظيم ، فوجَّهَت فكرك وعلمك وبحثك وقلمك ووقتك، لتجلي حقائق السيرة النبوية وتكشف كنوزها ، وتستخلص دروسها وعبرها ، وتُعلِّم الأجيال والشباب دروس الأسوة والقيادة من سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، فأجدتَ وافدتَ وأبدعتَ ، وقدمتَ للأمة وشبابها أحد عشر مجلداً في المنهج التربوي للسيرة النبوية، وكتاباً في التربية الجهادية، وآخر في التربية القيادية، ثم في التربية السياسية ، وقدمت كتاباً في المنهج الإعلامي للسيرة النبوية ، إضافة إلى كتابك الأول في فقه السيرة النبوية وكتب أخرى كثيرة ... جزاك الله عن الإسلام والمسلمين كل خير.

ولقد كنا نعد الشيخ محمد الغزالي رحمه الله تعالى الرائد الأول في فقه السيرة ، لكنك اليوم أنت بحق الرائد الثاني، بل الأكثر تخصصاً وإبداعاً وإنتاجاً في خدمة السيرة النبوية ، وقد استقبلَت الجامعات وكليات الشريعة ووزارات التربية كتبك بحفاوة واهتمام، واعتمدتَهْا مقررات في التدريس والتعليم.

لم تنس على كثرة ما  كتبت في سيرة الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم وصحابته الأبرار حق وطنك وجماعتك وكتبت كتابك سورية في مائة عام وكتبت تاريخ الجماعة بعلم وأمانة وتوثيق.

منحك سلطان بروناي جائزته التقديرية مكافأة وتقديراً لما أنجزت من كتب في السيرة النبوية ، لكنّ جائزة أخرى أهم وأكبر وأعظم مما نلتَ في هذه الدنيا من تقدير وجوائز، هي رضوان الله سبحانه إن شاء الله ، فلك في كلمة كتبتها من وحي محبتك لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم وصحابته الأبرار وما كتبته منافحة عن دينك القويم ، وتجلية حقائق سيرة نبيك العظيم، نعم... لك في كلمة مما كتبت أجراً وثواب [فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ] {الزَّلزلة:7} . وأرجو أن تنال شفاعة المصطفى صلى الله عليه وسلم فضلاً من الله وتكريماً...

وهؤلاء الإخوة القراء الذين يقرأون ما كتبتَ ويفيدون مما كتبتَه أو سمعوا محاضراتك وأنت تحدثهم عن سيرة المصطفى، سيشهدون بذلك يوم القيامة أنك غرستَ فيهم ، وشحنَتهم بخالص المحبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وخالص التقدير والتعظيم لهذا الجيل الرباني الفذ الفريد من صحابته الأبرار الذين رباهم على عينه، وقادهم بحكمته، وأكسبهم بالمعية والصحبة والمعايشة والمحبة والاقتداء والتأسي أخلاقه وخصاله وسجاياه فكانوا خير أمة أخرجت الناس [مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفَّارَ وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا] {الفتح:29} .

هنيئاً لك أخي أبا عامر...ابا عتبة ...ابا الصبايا فستقبل على رب رحيم ودود يجزل لك العطاء ويجزيك الثواب.

هنيئاً لك أخي أبا عامر...أبا عتبة...أبا الصبايا ، ما كتبت وما ألفت وما أعطيت...

هنيئاًَ لك أخي أبا عامر...أبا عتبة...أبا الصبايا ، ما خدمت به دينك وأمتك ، ودعوتك وجماعتك...

هنيئاً لك أخي أبا عامر...أبا عتبة ما تركت من ذكر طيب ، وأثر طيب وتراث ذاخر طيب...


اترك تعليق