اليقين و الحقيقة في أصول الفقه

By : محمد أحمد حمود

لقد تناول المسلمون جميع الإشكاليات التي يمكن للعقل أن يطرحها في بحثه عن المعرفة سواء تعلق الأمر بالوسائل والروافد، أو تعلق بتقييم المعرفة ذاتها. أي انهم أخضعوا المعرفة للمعرفة وهو ما يسمى بعلم العلم أو بمعرفة العلم والذي يعبر عنه بعلم هو الأبيستمولوجيا التي هي دراسة المعرفة لتحديد شروطها و منهجها و قيمتها و حصيلتها و معوقاتها وتاريخها... وقد تأثروا في ذلك بالمعرفة اليونانية متمثلة في المنطق الذي هو آلة تعصم الفكر من الوقوع في الخطأ. وذلك سيرا في الاتجاه القائل بأنه أداة للعلوم وهو موقف أرسطو، دون من يقول بأنه علم قائم بذاته كما هو موقف الرواقية مثلا. سأتناول في هذا الموضوع مفهوم الحقيقة في الفلسفة اليونانية أولا، وتاثر المسلمين من الأصوليين بذلك الموقف القائم على الحقيقة المطلقة ثانيا، ومحاولة المسلمين تأسيس مفهوم خاص باليقين متأثر بالتجربة وملاحظة الواقع ثالثا، ونظرية الريسوني في التقريب و التغليب رابعا ، و الموقف الجديد حول معنى وحقيقة الحقيقة الشرعية خامسا.
أولا مفهوم الحقيقة في الفلسفة الونانية

من الأمر المشهور أن الفلسفة اليونانية مع أرسطو و أفلاطون على وجه الخصوص بحثت في المعرفة. حيث ميز أفلاطون بين المعرفة الحسية الظنية التي تتناول المحسوسات الظنية وبين المعرفة الاستدلالية التي تتناول الحقائق الثابتة التي لا تتغير في عالم المثل، فقد ميز ارسطو بين أنواع الاستدلال حيث قسمه بحسب قوة اليقين فيه إلي قياس برهاني يعتمد على الحقائق اليقينية، و اقيسة اخرى تقوم على مقدمات غير يقينية مثل القياس الجدلي و الخطابي وغيرهما . كما يقوم المنطق عند أرسطو على مبادئ تكرس اليقين المطلق و يمنع من تعدد الحقيقة وذلك انطلاقا من المبادئ العقلية الثلاثة. وهي مبدأ الهوية و يعني أن الشيء هو نفسه، وهو يعبر عن أبسط الأحكام لأن أبسط الأحكام هو الحكم بأن الشيء هو نفسه، مثل أن نقول بأن الإنسان هو الإنسان و المرأة هي المرأة . و يرى أرسطو أن هذا القانون هو أساس التفكير المنطقي لأنه يشير إلى ضرورة التقيد بذاتية مدلول اللفظ، الذي نستخدمه فلا نخلط بين الشيء و ما عداه، و لا نضيف إلى الشيء ما ليس فيه ، وعلى ذلك فهو يؤكد وجود علاقة مساواة بين طرفين متطابقين من شأنه أن يضبط التفكير ، ومخالفة هذا القانون يوقعنا في التناقض و يؤدي إلى فساد الاستدلال، كما يرى أرسطو أن هذا القانون يجب أن يعمل ليس في عملية الاستدلال أو البرهان فقط، لكن في حياتنا اليومية، فلكي نفهم بعضنا بعضا يجب أن نتحدث بلغة واحدة لا يحتمل أي لفظ من ألفاظها أكثر من معنى.

والمبدأ الثاني هو عدم التناقض أو نقيض الشيء هو نفيه فنقيض الحكم بأن هذا الشيء "قلم" هو الشيء نفسه "ليس قلما" و الكلام المتناقض هو الذي ينفي بعضه بعضا و في ذلك مخافة لقانون الهوية لأنه إذا كان الشيء هو نفسه بمقتضى فلا يجوز حينئذ أن نصف الشيء نفسه بصفة أو بنقيض هذه الصفة في الآن نفسه، و إلا نكون قد وقعنا في تناقض واضح و يرمز إلى هذا القانون بأن الشيء لا يمكن أن يكون أ و لا أ في وقت واحد أما المبدأ الثالث فهو الوسط المرفوع وهو مترتب عن المبدأين السابقين فيترتب عنهما مبدأ ثالث وهو قانون الوسط المرفوع أو الثالث المرفوع و يرمز إلى هذا القانون بأن الشيء إما أن يكون أ أو لا أ.

هذه المبادئ تكرس موقفا معينا من اليقين ظل يوجه المعرفة ردحا من الزمن و يقضي بأن هناك حقيقة واحدة ووحيدة ، إذا حاد عنها الإنسان وقع في الخطإ ، وهدف المنطق هو الوصول إلى هذه الحقيقة في كل شيء، ، فغاية المنطق هي البرهان، وهو ترتيب قضايا على وجه مخصوص بحيث يلزم عنها نتيجة بصورة إلزامية.

وكان الاتجاه العام هو التمييز في المعرفة بين معرفة يقينية يقينا مطلقا لا يتبدل و لا يتغير و بين معرفة متغيرة يقال لها بأنها معرفة على سبيل التجوز. و لا يمكن استيعاب منهج المسلمين في أصول الفقه بمعزل عن ما تقرر عند اليونان من مفهوم للحقيقة، وتحديد لها كما يقال في المثل بأن هذه العصا من تلك العصية. فمن أجل معرفة الكثير من المواضيع الأصولية و فك شفرتها لا بد من الإمام بموقف ارسطو من اليقين و الحقيقة لأن المنطق الأرسطي كان هو الموجه لتلك التوجهات والمواقف. فقد تأثر المسلمون بمفهوم الحقيقة في الفلسفة اليونانية وخاصة عند المعلم الأول أرسطو، و كانت أبحاثهم عن نظرية المعرفة و شرائطها و قيمتها متشبعة بالمواقف اليونانية عن الحقيقة.

من مظاهر هذا التأثر ما يطرح في مستهل الكتب الأصولية من السؤال عن اليقين في أصول الفقه . فكان سؤال المدخل في البرهان هو « فإنقيلأفيدخل في هذا الفن ما لا يلتمس فيه القطع أو العلم؟ قيل ما ارتضاه المحققون أن ما لا ينبغي فيه العلم لا يعد من الأصول . فإن قيل فأخبار الآحاد و المقاييس السمعية لا تفضي إلى العلم ، وهي من أدلة أحكام الشرائع ؟ قيل إنما يتعلق بالأصول تثبيتها أدلة على وجوب الأعمال و ذلك مما يدرك بالأدلة القاطعة ، فأما العمل المتلقى منها فمتصل بالفقه دون أصول الفقه»[1] وذهب الشاطبي إلى القول بأن أصول الفقه كالعموم والخصوص هو قوانين يقينية، فقال : « فإن إعمال الأدلة القطعية أو الظنية إذا كان متوقفا على تلك القوانين التي هي أصول العلم، فلا يمكن الاستدلال بها إلا بعد عرضها عليها، واختبارها بها، ولزم أن تكون مثلها، بل أقوى منها، لأنك أقمتها مقام الحاكم على الأدلة. بحيث تطرح الأدلة إذا لم تجر على مقتضى تلك القوانين[2]» وقال أيضا : « إن أصول الفقه في الدين قطعية لا ظنية والدليل على ذلك أنها راجعة إلى كليات الشريعة، وما كان كذلك فهو قطعي. وقد عزا الشاطبي القطع في أصول الفقه إلى القاضي أبي الطيب و المازري.

كما أن من مظاهر هذا التأثر موقف العلماء المسلمين من الحقيقة و اليقين ومفهوم الحقيقة العلمية عندهم. وفي هذا الصدد تراوحت مواقف المسلمين بين القول باليقين بالمفهوم العلمي لليقين، و بين أشكال أخري من اليقين ترفعه مرة إلى درجة اليقين المنطقي و تخفضه مرة إلى درجة أغلب الظن أو إلى درجة الشك كما هو الأمر عند السفسطائية حيث يكون الشيء حقيقة و غير حقيقة، أو بالتعبير الشرعي حرام و حلال في نفس الوقت .

إذن في هذا الموضوع اشتط المسلمون بعيدا في الخيال كلما اعتمدوا على المنطق الأرسطي ويقينه المطلق، كما أنهم اقتربوا من الموقف العلمي للحقيقة كلما كانوا أقرب إلى النصوص الشرعية وواقعهم المعيش. ولهذا اتسمت مواقف علماء المسلمين بالحرج و التناقض في بعض الأحيان.

ثانيا: حول اليقين المطلق عند الأصوليين

نجد عند العلماء المسلمين من تأثر بالحقيقة و اليقين المطلقين. و اتخذ موقفا صارما من اليقين، ذلك الموقف الذي صار هشا من أجل صلابته. ذلك أننا في عالم الواقع لا يجوز ان ننشد إلا الحقيقة الممكنة. نجد هذا الموقف الصارم من اليقين المطلق عند معظم الأصوليين . فالشافعي وهو أب هذا العلم كان ينطلق من موقف صارم من اليقين ذلك أن الحقيقة عنده تطرد كل إمكانية للاحتمال.

لقد نظر الشافعي إلي الحقيقة باعتبارها تتحدد بحسب الوضع العربي. فالقرآن نزل بلسان العرب و يجب ان يحذى في فهمه حذو الفهم العربي. و هذا يعنى أن الدلالة اللغوية هي المرجعية لفهم الخطاب، و ما كل دلالة بل دلالة الألفاظ بحسب الوضع الإفرادي و ليس حسب الوضع التركيبي. بمعنى ان الألفاظ التي جاءت في الشريعة يجب فهمها بحسب الوضع العربي مثل كلمة الناس في قوله تعالى " الذين قال لهم الناس" وبما ان هذه الكلمة تعني بحسب اللغة العربية جميع الناس فيجب ان يكون ذلك هو معناها أيضا بحسب الآية. وعندما لا يكون الأمر كذلك ـ وهو لا يكون أبدا ـ فإنه في هذه الحالة يمكن القول بأن الدلالة الشرعية ظنية و احتمالية، لخروجها من الحقيقة إلى المجاز، و يجب أن يفهم معناها بالأدلة المخصصة المتصلة والمنفصلة. وهذا هو سوف ما يتعارف عليه الأصوليون بأن دلالة العام على أفراده ظنية، وفي قولهم بأن من سمع العموم قبل أن يسمع التخصيص فلا يلزمه العمل بالعموم حتي يحصل على دليل التخصيص. إذن انطلق الشافعي من تصور صلب لليقين وهو الدلالة الوضعية للخطاب، وقدم الأدلة الكافية لكون الخطاب الشرعي خطاب نزل بلسان العرب ويجب أن يفهم بحسب لسان العرب. لكن هذا الموقف كان هشا من أجل صلابته الموهومة ذلك أن الألفاظ معانيها في حالة الإفراد ليست هي معانيها في حالة التركيب. وقد انطلق الشافعي من أن كل خروج عن الوضع العربي يعني الخروج عن الوضع القياسي، وعندما يخرج الوضع من أيدينا فلا بد من معرفة الوضع الجديد، وهو ما يعنيه الأصوليون بالتخصيص . وهذا المبدأ رغم أنه يقوم علي تصور علمي وهو القول بوجود حقيقة ثابتة يقاس عليها إلا أنه لا يخلو من تصور أولاني وبدائي لمفهوم المعرفة العلمية. لقد كرس الشافعي الشك و الاحتمال في المعرفة الشرعية بدليل ما يذكر من الاحتمالاات الدائرة حول الأدلة . ذلك أن الاحتمال يتطرق إلى آيات العدد و الحساب فكيف بالأدلة الأخرى فقي قوله تعالى في المتمتع: (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام)[3] يقول: « فكان بينا عند خوطب بهذه الآية أن صوم الثلاثة في الحج والسبع في المرجع عشرة أيام كاملة وتحتمل معنيين، أن تكون زيادة في التبيين واحتملت أن يكون أعلمهم أن ثلاثة إذا جمعت إلي سبع كانت عشرة كاملة» [4]وقوله تعالي: " وواعدنا موسي ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة”[5] يحتمل ما احتملت الآية قبلها، من أن تكون إذا جمعت ثلاثون إلي عشر كانت أربعين وأن تكون زيادة في التبيين[6]. ومثلت احتمالية النصوص عند الشافعي السند و الاعتماد و التبرير لما يقوم به الباحث في البحث الشرعي. فما يبرر البحث و الملاحظة و التقديم و التأخير في الأدلة هو احتمالية النصوص وعدم كشفها للبيان بصورة مباشرة.فما يبرر العمل الأصولي هو رفع الغموض في الأدلة وذلك بتقديم دليل و تأخير آخر بالوسائل المختلفة للترجيح و التي تكرسها القواعد الاصولية.

نجد هذا اليقين المطلق وهذا التصور للحقيقة باعتبارها مطلقة وغير مقيدة وثابتة و غير متغيرة عند الأصوليين اللاحقين. لا سيما بعد سيادة المنطق وتبوئه في مكانة المنهج العلمي في الإسلام، وهو ما تأكد منذ القرن الخامس حيث نلاحظ أن الجويني كتب البرهان متـأثرا بالبرهان في المنطق . لذلك نجد الحقائق تتحدد عنده انطلاقا من هذا المنطق و ما يقرره من مواقف عن الحدود والبراهين. لقد كان الجويني يمثل بوضوح مرحلة فارقة في أصول الفقه تمثلت في أن يكون هذا العلم منطقيا بالكامل، لذلك نراه يهاجم الغوغائيين والجهلة وما كانوا كذالك عنده إلا لخلو بضاعتهم من المنطق. فيقول في اطار صيغ العموم « ونحنمنهذاالمنتهىنفرعذروةفيالتحقيقلميبلغحضيضها،ونفترعمعنىبكراهوعلىالتحقيقمنشأاختباطالناسفيعماياﺗﻬمواللهوليالتوفيق» [7] ويقول ردا على من أجاز تأخر الاستثناء في كلام الله تعالى « وهذامنهؤلاءاقتحامالعماياتوالارتباكفيغمراتالجهالات» ويقول أيضا « استبعد مستبعدون من الذي نقصرتهم مهم عند ركالحقائقترديدالشافعيأقوالهفيالمسائل وتخيلواأنذلكحكممنهبحكمينمتناقضين وجمعبينتحليلوتحريمفيقضيةواحدةوهذاجهلمنهذاالظان وعمايةوقلةدراية»

يفصل الجويني في البرهان بين الطرف الذي يتوخي الحقيقة والقطع و اليقين في الأحكام و يطالع القارئ في مرات عديدة بأنه واحد من هذا الطرف، و يقدم له الموضوع في ثوب من الحق والحقيقة يتسم بالجدة والأصالة. أما الطرف الثاني فيمثله أهل العمايات و الجهالة الجهلاء، الذين يتقوقعون علي التقليد و لا يبنون الآراء علي العقل و اليقين ، لذلك يرفض بعض الحدود لأنها لا تفي بالشروط المنطقية لها. أضف إلى ذلك أن تناوله للمقاصد الشرعية كانت من أجل المتطلبات الايستيمولوجية لليقين، فقد قدم الضروريات باعتبار أن الأحكام فيها تتسم باليقين و لا تندفع بالاحتمالات في حين ان المقاصد الأخرى فهي ليست بنفس الدرجة في اليقين لذلك نزلت في الترتيب.

أما الغزالي فقد واصل طريق أستاذه الجويني في أن يلتحق هذا العلم باليقين الذي يتجلى في المنطق ، واهتمامه بالمنطق ينصب في هذا الاتجاه. وهو ما عبر عنه ابن خلدون عند تعرضه لنشأة علم الكلام، عن وجود منهجين سادا في علم الكلام، أحدهما هو المنهج الذي ظهر مع الأوائل من المتكلمين، وخصوصا مع أبي الحسن الأشعري وتلميذه ابن مجاهد، وكانت أدلتهم لا تخلو من ضعف وافتقاد للمنهج الصناعي، لسذاجة القوم، أما الطريقة الثانية فقد تبلورت عند ما « انتشرت علوم المنطق في الملة وقرأه الناس و فرقوا بينه وبين العلوم الفلسفية، بأنه قانون ومعيار للأدلة فقط. ثم نظروا في تلك القواعد والمقدمات في فن الكلام للأقدمين فخالفوا الكثير منها بالبراهين» ثم يتابع قائلا : «وأول من كتب في طريقة الكلام على هذا المنحي الغزالي وتبعه الإمام ابن الخطيب[8]»

وقد بالغ الغزالي في الاعتماد على المنطق و يقينه المطلق ليس فقط بقوله بأن من لا يعرف المنطق لا ثقة له بعلومه وحسب، ولا في قوله بأن علم المنطق: « يشمل جدواه جميع العلوم النظرية العقلية منها والفقهية، فإنا سنعرفك أن النظر في الفقهيات لا يباين النظر في العقليات في ترتيبه وشروطه وعياره، بل في مآخذ المقدمات فقط». ولذلك فقد قصد في كتاب معيار العلم الإكثار من الأدلة الفقهية، ويقول: «راعينا أن نورد في منهاج الكلام في هذا الكتاب أمثلة فقهية فتشمل فائدته، وتعم سائر الأصناف جدواه وعائدته». وبما أنه قد جرت العادة علي تمثيل الأدلة الفقهية بأقيسة ظنية، فإن الغزالي يريد تجاوز هذه المرحلة ليمثل الأدلة الفقهية بالأدلة القياسية البرهانية. فقال: «ولعل الناظر بالعين العوراء، نظر الطعن الإزراء، ينكر انحرافنا عن العادات في تفهيم العقليات القطعية بالأمثلة الفقهية الظنية، فليكف عن غلوائه في طعنه، و إزرائه، وليشهد على نفسه بالجهل بصناعة التمثيل وفائدتها، فإنها لم توضع إلا لتفهيم الأمر الخفي بما هو الأعرف عند المخاطب المسترشد ليقيس مجهوله إلى ما هو معلوم عنده فيستقر المجهول في نفسه».[9] ليس هذا فحسب بل إن الغزالي تجاوز الحد عندما يجرد علم المنطق من أصوله اليونانية، ويفصله عنها، ليلحقه بجذور إسلامية صرفة. وهذا هو الهدف من كتاب القسطاس المستقيم . ففي بداية هذا الكتاب الذي يرد فيه على زميله من الشيعة، يقول بان اشكال القياس ترجع إلى الأنبياء و الرسل و خصوصا إبراهيم عليه السلام في محاجته للنمروذ. فأشكال القياس خمسة وهي « ميزان التعادل و ميزان التلازم و ميزان التعاند ، وميزان التعادل ينقسم إلى ثلاثة أقسام وهي الأكبر و الأوسط و الأصغر فيصير الجميع خمسة، وهذه الأقيسة الخمسة إنما تلقاها الناس عن الأنبياء و الرسل عليهم الصلاة و السلام.

فأما موقفه من اليقين فقد حذا فيه حذو اليقين في المنطق، في كتاب المنقذ من الضلال يقول: « إنما مطلوبي العلم بحقائق الأمور، فلا بد من طلب حقيقة العلم، ما هي؟ فظهر لي أن العلم اليقيني هو الذي ينكشف فيه المعلوم انكشافا لا يبقى معه ريب، ولا يقارنه إمكان الغلط والوهم، ولا يتسع القلب لتقدير ذلك. بل الأمان من الخطأ ينبغي أن يكون مقارنا لليقين مقارنة لو تحدي بإظهار بطلانه مثلا، من يقلب الحجر ذهبا، والعصا ثعبانا، لم يورث ذلك شكا وإنكارا»[10] ويذهب الغزالي في كتابه المستصفي إلى وضع صفات لليقين أقرب إلى التعجيزية منها إلى الواقع فقال: «أما اليقين فشرحه أن النفس إذا أذعنت للتصديق بقضية من القضايا، وسكنت إليها فلها ثلاثة أحوال، أحدهما أن تتيقن وتقطع به، وينضاف إليه قطع ثان، وهو أن تقطع بأن قطعها به صحيح، وتتيقن بأن يقينها فيه لا يمكن أن يكون به سهو، ولا غلط ولا التباس، فلا يجوز غلط في يقينها الأول، ولا في يقينها الثاني، بل تكون مطمئنة آمنة من الخطأ، بل بحيث لو حكي لها نبي من الأنبياء أنه أقام معجزة، وادعي ما يناقضها، فلا يتوقف في تكذيب الناقل بل يقطع بأنه كاذب»[11] وعند ما يتعرض الغزالي لليقين في كتابه محك النظر فإنه يذكر نفس الشروط تقريبا، منبها أنه لا وجود له إلا بذكره، فيكفي للإنسان أن يحكي له عنه فتتلهي نفسه بما تسمع، وليس له أكثر من ذلك. أما وجوده بنفسه فلعله عسر. يقول الغزالي: « لعلك تقول قد استقصيت في شروط اليقين استقصاء مؤنسا، عن نيله، والظفر به، فمن أين يقتنص مثل هذا اليقين؟ وما آلته ومدركه؟ فاعلم أن مدارك الظنون لست أذكرها فإنها واضحة للفقهاء، والناس كافة، ولكن أذكر مدارك اليقين التي يظن بها اليقين ومجامعها[12]»

كما يرى الغزالي أن اليقين لا يكفي أن يكون يقينا عند الله، بل لا بد أن يكون يقينا عند من يعتقده فقال: « والعلم التصديقي هو العلم بنسبة ذوات الحقائق بعضها إلى بعض بالإيجاب أو السلب، ولا كل تصديق: بل التصديق الصادق اليقيني، فرب شيء في نفسه صادق عند الله، وليس يقينا عند الناظر، فلا يصلح أن يكون عنده مادة القياس الذي يطلب به استنتاج اليقين، ولا كل يقيني: بل اليقيني الكلي أن يكون كذلك في كل حال»

وقد حذا الشاطبي هذا المنحى في الصفات الموضوعية للحقيقة ففي الموافقات قدم خصائص المعرفة اليقينية مميزا إياها عن غيرها، ذلك في تقسيمه للعلم إلى ثلاثة أقسام: وهو ما هو من صلب العلم وما هو من ملح العلم لا من صلبه، و ما ليس من صلبه ولا من ملحه، والمقصود في البحث الشرعي هو صلب العلم. كما كان المطلوب عند أرسطو هو البرهان والعلم البرهاني. يقول الشاطبي عن صلب العلم « القسم الأول هو الأصل المعتمد والذي عليه مدار الطلب، وإليه تنتهي مقاصد الراسخين. وذلك ما كان قطعيا أو راجعا إلى أصل قطعي، والشريعة المباركة المحمدية منزلة على هذا الوجه، ولذلك كانت محفوظة في أصولها وفروعها كما قال الله تعالى: « إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون» وقد حصر الشاطبي خواص هذا القسم ومميزاته في ثلاثة خصائص:

إحداها العموم والاطراد فلذلك جرت الأحكام الشرعية في أفعال المكلفين على الإطلاق، و إن كانت آحادها الخاصة لا تتناهي. فلا عمل يفرض ولا حركة ولا سكون يدعي إلا والشريعة عليه حاكمة أفرادا وتركيبا. وهو معنى كونها عامة وإن فرض في نصوصها أو معقولها خصوص ما، فهو راجع إلى عموم كالعرايا وضرب الدية على العاقلة.

والثانية الثبوت بغير زوال. فلذلك لا تجد فيها بعد كمالها نسخا ولا تخصيصا لعمومها ولا تقييدا لإطلاقها، ولا رفعا لحكم من أحكامها، لا بحسب عموم المكلفين، ولا بحسب خصوص بعضهم، ولا بحسب زمان دون زمان، ولا حال دون حال، بل ما ثبت سببا فهو سبب أبدا، لا يرتفع. وما كان شرطا فهو شرط أبدا لا يرتفع.

والثالثة كون العلم حاكما لا محكوما عليه، بمعنى كونه مفيدا لعمل يترتب عليه مما يليق به. فلذلك انحصرت علوم الشريعة فيما يفيد العمل.

ويأتي ثانيا ملح العلم وهي ما أفاد الظن وذلك كمن يعلل التعبدات الشرعية كاختصاص الصلاة بهيئة مخصوصة لا يهتدي العقل إليها. فيحاول بعض الناس أن يزعم أن للشارع منها مقصودا معينا. وربما يجني على الشريعة. ومثل التأنق في استخراج الحديث.

ثالثا محاولة لتأصيل حقيقة نابعة الواقع والشريعة

لقد تبنى علماء المسلمين مفهوما خاصا للحقيقة وقيمتها ، وهذا الموقف لا يخلو ن تجاوز لمفهوم الحقيقة في المنطق الأرسطي اليوناني، حيث يتكلم البعض عن المنهج العلمي في الإسلام و يقصدون به اهتمام المسلمين بالتجربة و الواقع و تفصيل المعرفة عليهما . مما جعل للمسلمين منطقهم الخاص . و نجد أن ملهم هذا العلم الأول كان مشبعا أكثر مما نظن بالحس العلمي و يبدو في هذا الصدد أن العلم الحديث لم يتجاوز الشافعي في تقنين منهج بناء الأفكار و صناعة النظريات.

يقوم منهج البحث العلمي عند الشافعي على مبدإ ثابت وهو أن هناك موضوعا قائما نستخرج الأحكام من خلاله، و لا يتجاوز البحث ذلك إلا عندما لا يريد أن يكون علميا. فالبحث هو البحث في عين قائمة حسب عبارته، و هذه العين هي النص أو القياس وهو على أصل سابق. فيقول عن الاجتهاد «أنه لا يكون الاجتهاد أبدا إلا على طلب عين قائمة مغيبة بدلالة» و يقول: « والاجتهاد لا يكون إلا على مطلوب والمطلوب لا يكون أبدا إلا على عين قائمة تطلب بدلالة يقصد بها إليها أو تشبيه على عين قائمة، وهذا يبين أن حراما على أحد أن يقول بالاستحسان إذا خالف الاستحسان الخبر والخبر من الكتاب والسنة عين يتأخى معناها المجتهد ليصيبه كما البيت يتأخاه من غاب عنه ليصيبه أو قصده بالقياس. وأن ليس لاحد أن يقول إلا من جهة الاجتهاد، والاجتهاد ما وصفت من طلب الحق» انطلاقا من هذا المبدإ المتشبع بالروح العلمية قبل الشافعي الأصول التي يتحقق فيها و هي الكتاب و السنة و القياس بينما رفض ما لا يتحقق فيه هذا المبدأ مثل الاستحسان و الاستصلاح ذلك أن الاستحسان ليس على أصل سابق وهو تلذذ أي أنه يكرس النزعة الذاتية في البحث في حين أن المطلوب هو الموضوعية.

يقول رضوان السيد في قراءته لمشروع الشافعي التي يستنتج منها: « وهكذا فإن الشافعي ما كان توفيقيا أو تلفيقيا كما يقال... كان همه المركزي الحصول على اليقين في مصادر التشريع وأدلته فتركزت الوظائف التشريعية عنده في المصدرين الأولين، ووجد للمصدر الرابع وظائف تنظيمية علائقية، لكنه – بسبب من النظرة السالفة الذكر بالذات- ما استطاع أن يجد مكانا للإجماع في منظومته فاختلت فيها العلاقة ما بين الإلهي والإنساني، أو الموحى والتاريخ. وقد كان يمكن له أن ينكر الإجماع كما أنكر الاستحسان، غير أن هذا التصغير للدور الإجماعي ومكانه إن يكن قد أتى من جهة بسبب التوسّع في فهم دور السنة، فَإِنَّهُ من جهة ثانية يعني الكثير بالنسبة لرؤية الشافعي للجمهور ووعيه به وبدوره في التشريع؛ بل والقضايا السياسية»[13] و المقصود من الاستشهاد هو تردد الشافعي في الإجماع، ذلك التردد الذي نجده أيضا عند النظام الذي قبله على مضض وذلك عندما « تواتر إليه بالسماع تحريم مخالفته قال «هو كل قول قامت حجته[14]» انطلاقا من هذا المبدإ توصل الشافعي إلى موقف متعدد للحقيقة بعبر عن تنوع الأحكام و غناها. ذلك أن الأحكام ليست جامدة، و كذلك المفاهيم. فيقول مثلا عن الإحصان « فإن قال قائل أراك توقع الاحصان على معاني مختلفة؟ قيل نعم، جماع الاحصان أن يكون دون التحصين مانع من تناول المحرم فالاسلام مانع وكذلك الحرية مانعة، وكذلك الزوج والاصابة مانع وكذلك الحبس في البيوت مانع وكل ما منع أحصن قال الله (وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم) وقال: (لا يقاتلونكم جميعا إلا في قرى محصنة) يعني ممنوعة، قال وآخر الكلام وأوله يدلان على أن معنى الاحصان المذكور عاما في موضع دون غيره أن الاحصان ها هنا الإسلام دون النكاح والحرية والتحصين بالحبس والعفاف وهذه الأسماء التي يجمعها اسم الإحصان»

اما اختلاف الأحكام و الموضوع واحد فهو ما ذكره الشافعي في الرسالة بأن الرجل يتوجه إليه حكمان مختلفان وذلك ان يظهر الاسلام و العدالة عند قوم فيجوز لهم ان يزوجوه و يظهر للآخرين الكفر و الفسوق فيجب عليهم قتله. يقول الشافعي: « قلت وكذلك كلفنا ان نقبل عدل الرجل على ما ظهر لنا منه ونناكحه ونوارثه على ما يظهر لنا من إسلامه قال نعم، قلت وقد يكون غير عدل في الباطن، قال قد يمكن هذا فيه، ولكن لم تكلفوا فيه الا الظاهر، قلت وحلال لنا أن نناكحه ونوارثه ونجيز شهادته ومحرم علينا دمه بالظاهر وحرم على غيرنا ان علم منه أنه كافر إلا قتله ومنعه المناكحة والموارثة وما أعطينا ، قال نعم. قلت وجد الفرض علينا في رجل واحد مختلفا على مبلغ علمنا وعلم غيرنا»

في هذا السياق جرى الجويني و الغزالي و الشاطبي أيضا في بعض نصوصهم. فيقول الجويني عن منهجية الصحابة في إطلاق الأحكام عندما تحصل غلبة الظن «قلنا قد يتبين لنا أﻧﻬ مر ضي الله عنهم في الأزمان المتطاولة والآماد المتمادية، ما كانوا ينتهون إل ى وجوه مضبوطة،بل كانوا يسترسلو نفيا لاعتبار،استرسال من لا يرى لوجوه الرأي انتهاء،ويرون طرقا لنظرغيرمحصورة، ثم كان اللاحقون يتبعون السابقين،ولايعتنون بذكر وجوه في الحصر لا تتعدى، فعلمنا بضرورة العقل أﻧﻬم كانوا يتلقون معا ني ومص الحمنمواردالشريعةيعتمدوﻧﻬافيالوقائعالتيلانصوصفيها.فإذاظنوهاولميناقضرأيهمفيهاأصلمنأصولالشريعةأجروهاواستبانأﻧﻬمكانوالايبغونالعلماليقينوإنماكانوايكتفونبأنيظنواشيئاعلمافإذاظهراالإخالةوسلمالمعنىمنالمبطلاتوغلبالظنكانذلكمنقبيلمايتعلقبهالأولونقطعا، وأناأقربفيذلكقولا، فأقولإذاثبتحكمفيأصلوكانيلوحفيسبيلالظناستنادذلكإلىأمر، ولميناقضذلكالأمرشيء،فهذاهوالضبطالأقصىالذيلايفرضعليهمزيد، فإذاأشعرالحكمفيظنالناظربمقتضىاستناداإليهفذلكالمعنىهوالمظنونعلماوعلةلاقتضاءالحكم،فإذا ظهرهذاوتبينأنالظنكافوتوقعالخطأغيرقادح،ولامانعمنتعليقالحكمكانذلككافيابالغا، وممايعضدبهالغرضأنكلحكمأشعربعلةومقتضىولميدرأهأصلفيالشرعفهوالذييقضي بكونهمعتبرالنظرفإنالشارعماأشارإلىجميع العلل» وقد تردد هذا المعنى في كثير من المواقع في كتاب البرهان.

وقد سلك الغزالي هذ الطريق عندما تأكد له صعوبة اليقين العقلي او اليقين بالشروط المنطقية. فقال عن صعوبة الحد مثلا « بل أكثر المدركات الحسية يتعسر تحديدها فلو أردنا أن نحد رائحة المسك أو طعم العسل لم نقدر عليه، وإذا عجزنا عن حد المدركات فنحن عن تحديد المدركات أعجز» و يقول في موضع آخر: «الحد لا يحصل بالبرهان لأنا إذا قلنا في حد الخمر إنه شراب مسكر فقيل لنا "لم" لكان محال أن يقام علينا برهان»

فقال « و أكثر مما ترى في الكتب من الحدود رسمية، إذ الحقيقة عسرة جدا، وقد يسهل درك بعض الذاتيات ويعسر بعضها، فإن درك جميع الذاتيات حتى لا يشذ منها واحد عسر، والتمييز بين الذاتي واللازم عسر، ورعاية الترتيب حتى لا يبتدأ بالأخص عسر، وطلب الجنس الأقرب عسر». [15]

امام هذه الصعوبة لم يكن امام الغزالي إلا أن يتراجع خطوتين على الأقل في الحديث عن الحقيقة في الشرع و مستوى اليقين فيها . لذلك يتنازل عن درك اليقين المنطقي فيها حتى تستمر الأحكام لتلبي الواقع التكليفي.

واستدل على ذلك بما استدل عليه شيخه الجويني في أن منهج الصحابة بناء الأحكام على الظن الغالب. فهم في إلحاقهم غير المنصوص على المنصوص اكتفوا باتباع أغلب الظن. وهذا طريق المشيخة القديمة في الفقه. وذلك بخلاف من يدعى التحقيق في الفقه من المتأخرين الذين يطالبون بأن تكتسب الأدلة الفقهية قوة الأدلة العقلية. ومن يأخذ هذا الطريق غالبا ما ينتهي به الأمر إلى أخس العلل لأخس الأقيسة. يقول الغزالي : « ولقد خاض في الفقه من أصحاب الرأي من سدى أطرافا من العقليات، ولم يخمرها. وأخذ يبطل أكثر أنواع هذه الأقيسة ويقتصر منها على المؤثر، ويوجه المطالبة العقلية على كل ما يتمسك به في الفقه، وعند ما ينتهي إلى نصرة مذهبه في التفصيل، يعجز عن تقريره على الشرط الذي وضعه، فيحتال لنصرة الطرديات الردية بضروب من الخيالات الفاسدة ويلقبها بالمؤثر، وليس ينتبه لركاكة تلك الخيالات الفاسدة ، ولا يرجع فينتبه لفساد الأصل الذي وضعه. فدعاه إلى الاقتصار في إثبات الحكم على طريق المؤثر أو المناسب فلا يزال يتخبط». [16]

لذلك يدعو الغزالي في الفقه إلى عدم المطالبة باليقينيات العقلية، والاكتفاء بالظنون و ما يشبه السفسطة. فإذا غلب ظن هذا المجتهد على ربط الحكم بوصف وظن مجتهد آخر بخلافه فكلهم على حق وكلهم مصيبون. والخطأ في طلب الاستقصاء في موضع تركه، كالخطأ في تركه بموضع وجوبه. يقول في هذا الصدد « و المختار عندنا وهو الذي نقطع به ، أن كل مجتهد في الظنيات مصيب ، و أنها ليس فيها حكم معين لله تعالى»[17]

وإذا قلنا بأنه يتسامح في الفقهيات بالاكتفاء بالظن ، فذلك ليلا تتعطل الأحكام، فتتعطل المصالح وتضيع الحقوق. لأن اليقين عسر في العقليات. فإذا اشترطناه في الفقهيات لانتظرنا الأزمان الطويلة للوصول إلى حكم يقيني ولعلنا لا نجده أبدا. كما أن نظر الفقهاء يقوم على الظن بدليل أن قياس الشبه ترجع إليه اكثر أقيسة الفقهاء فيرجع إليه أكثر الفقه ، فقال « أكثر نظر الفقهاء على السبر و التقسيم يدور، لكن لا يشترط في الفقهيات الحصر القطعي ، بل الظن فيه كالقطعي في غيره»[18] فيمكن للشارع أن يجعل السكر علامة للتحليل و التحريم « فمن ظن أنه علامة للتحليل فقد حللت له كل مسكر ، ومن ظن أنه علامة للتحريم فقد حرمت عليه كل مسكر حتى يختلف المجتهدون في هذه الظنون و كلهم مصيبون»[19] كما جعل الأحكام تنبني على المناسبات الاقناعية فقال « فإن قال قائل فما قولكم في الإقناعيات من المناسبات قلنا ذلك أيضا من المعتبرات في إثبات الأحكام لأن جميع المناسبات قلنا ذلك أيضا من المعتبرات في إثبات الأحكام لأن جميع المناسبات عند البحث لا ترجع إلى اقتضاء المعاني الموجبات بذاتها و إنما هو نوع من المناسبة يستدعي الحكم بالعادات المطردة و لا يرجع ذلك إلى الذوات مثل العلل في المعقولات و العادات التفات إلى المعاني الخطابية الاقناعية و للشرع ملاحظة لجنسه ، وهو من الدواعي المتقاضية بالعادة أيضا ، فإحالة الحكم عليه اغلب على الظن من اعتقاد التحكم الجامد الذي لا معنى له و لا سبب و كأن العقول مشيرة إلى إحالة كل حكم على معنى ، والاعتراف بالتحكم ضرورة العجز ، فإذا فقد وجه سوى الوجوه الخفية الضعيفة وجب التعليل بها»[20] كما يقول أيضا « و الحكم عند الظن واجب قطعا ، فنحن كذلك نقول في سائر الاجتهادات»[21]

رابعا موقف الريسوني

في ظل هذه الاحتمالات و الظنون التي تصاحب الأدلة و تلابسها يطالعنا الأستاذ الدكتور الريسوني بنظرية التقريب و التغليب التي عرفها بقوله « و بمقتضى هذه النظرية فإنه يصح لنا و يتعين علينا حين نفتقد اليقين و الكمال أن نتمسك بما تدل عليه الأدلة ، وتهدي إليه القواعد و تتيحه الإمكانيات الميسورة ، مما هو قريب من درجة اليقين و الكمال ، و مما هو أمثل به و أشبه، فإذا لم تأت درجة التقريب هذه ، صرنا إلى التغليب وهو الأخذ بما غلب صوابه، و بما غلب احتمال صدقه وصحته ، وبما غلب من المقادير و الأحوال و الأصناف»[22] وقد برر هذه النظرية بما توصل إليه الأصوليون السابقون من القول بظنية الأحكام وتقاومها، بحيث لا يسع الباحث إلا التوقف عن إصدار الحكم أو ما ذهب إليه سكستوس التجريبي من تعليق الحكم في ظل تكافؤ أدلة النفي و الإثبات وقصور الحواس عن درك الحقيقة. ومثل بذلك بقول أحد الاكريتيين كل اكريتي كذاب فهذه القضية لا تصدق و لا تكذب، فإذا كانوا يصدقون يكون تناقض فهو واحد منهم ولا يجوز ان يكذب، واذا كانوا يكذبون لا يصح اذ هو واحد منهم ولا يجوز ان يقول الحق. وهذا الموقف يعزيه الريسوني إلى كبار الأصوليين ونراه للأسف يمدحه فقال « وذهب بعض كبار الأصوليين إلى القول بالتوقف وهذا هو المختار عند الغزالي، وهو الأصح عند الآمدي وهو أقرب المذاهب عند الشاطبي. و كل هذه الخلافات تخيم بانعكاساتها على كافة التطبيقات التفسيرية و الفقهية مما يوسع دائرة الأحكام الظنية ، ومن هذه الزاوية أرى القول بالتوقف فائدة أخرى خارجية كثيرا ما يحسم دلالات الأوامر و يخرجها من دائرة الخلاف ، ولعل أكثر الأوامر و النواهي القطعية إنما استمدت قطعيتها من قرائن و أدلة خارجية لا من نفس الأمر و النهي» [23]

ومن الأدلة على ذلك أيضا ما تتعرض له الأدلة من التقييد و النسخ و التخصيص وعلى سبيل المثال قول الريسوني «و بقدر ما تكثر تخصيصات أحد العمومات بقدر ما تنزل درجة الرجحان في دلالته، و هكذا حتى يتكافأ عمومه مع احتمال التخصيص ثم يصير عمومه مرجوحا ضعيفا ، قال ابن تيمية فالعام الذي كثرت تخصيصاته المنتشرة أيضا لا يجوز التمسك به إلا بعد البحث عن تلك المسألة هل هي من المستخرج أو من المستبقى ، وهذا عند مثل الظاهر الذي لا يغلب انتفاء معارضه فلا يغلب على الظن مقتضاه، فإذا غلب على الظن انتفاء معارضة غلب على الظن مقتضاه»[24] و إلى احتمالية النصوص يشير القرافي بقوله « فإن الاحتمال المرجوح لا يقدح في دلالة اللفظ و إلا سقطت دلالة العمومات كلها، لتطرق احتمال التخصيص إليها بل سقطت دلالة جميع الأدلة السمعية لتطرق احتمال المجاز و الاشتراك إلى جميع الألفاظ ، لكن ذلك باطل فتعين حينئذ أن الاحتمال الذي يوجب الإجمال إنما هو الاحتمال المساوي أو المقارب أما المرجوح فلا.» [25] ونستطيع ن نضيف إلى كلام الريسوني مما يعزز هذه المواقف ما يذكره الشاطبي مرارا و تكرارا في الموافقات عن ظنية لأدلة فقال :« فإنها (أي الأدلة) إن كانت من أخبار الآحاد فعدم إفادتها القطع ظاهر، وإن كانت متواترة فإفادتها القطع موقوفة على مقدمات جميعها أو غالبها ظني، والموقوف على الظنيات لا بد أن يكون ظنيا. فإنها تتوقف على نقل اللغات، وآراء النحو، وعدم الاشتراك، وعدم المجاز، والنقل الشرعي أو العادي، والإضمار، والتخصيص للعموم والتقييد للمطلق، وعدم الناسخ والتقديم والتأخير، والمعارض العقلي، وإفادة القطع مع اعتبار هذه الأمور متعذر»[26]

بإزاء هذا الواقع يقول الريسوني « و معلوم أن الله تعالى إنما كلفنا عند تعذر اليقين أو تعسره أن نعمل بالتقريب و التغليب ، ونأخذ بالظواهر ، فعندما نحكم بالتساوي الظاهري ، أو بالتساوي التقريبي فحكمنا نافذ ماض، إذا تعذر اليقين علينا أو تعسر ، وكلما كبر حجم المصالح و تعددت وجوهها و معايير وزنها كلما كان الحكم فيها بالتساوي الحقيقي عسر جدا بعيد المنال . قال شيخ المصالح و المقاصد الإمام عز الدين بن عبد السلام و الوقوف على تساوي المقاصد و تفاوتها عزيز عزة لا يهتدى إليها إلا من وفقه الله تعالى، و الوقوف على التساوى أعز من الوقوف على التفاوت و لا يمكن ضبط المصالح و المفاسد إلا بالتقريب»[27] و يقول أيضا « أمام هذا الواقع الذي لا يمكن إنكاره وهو أن كثيرا من النصوص يتعذر تحديد معانيها و أحكامها إلا على سبيل التقريب و التغليب» و يقول أيضا « وهكذا كلما انتفى اليقين كان اتباع الغالب و الأخذ به هو المخرج و على هذا لا يتعطل أي نص شرعي و لا أي حكم شرعي بدعوى الظنية و عدم اليقين»[28]

ويري الريسوني أن هذه النظرية جديدة في اكتشافها ، عامة في تطبيقها فيقول « هذه هي الفكرة الجنينية لنظرية التقريب و التغليب وهي فكرة تبدو صغيرة وبسيطة ، ولكنها تسري في كافة العلوم، وفي كافة مجالات الحياة و تخضع لهامعظم المسائل العلمية و الذي يعنيني منها الآن هو دخولها و العمل بها في نطاق العلوم الإسلامية خاصة»[29]

لقد ذكر الريسوني ان هذه النظرية جديدة واستغرقت معه عقدا من الزمن في معالجتها. وفي الحقيقة أنها امتداد لنظرية إسلامية عتيقة وعريقة في نظرية المعرفة عند المسلمين. والريسوني لم يات فيها بجديد يذكر بما في ذلك المصطلحين ( التقريب و التغليب) نفسيهما. فقد عزاهما إلى علماء سابقين كالعز بن عبد السلام مثلا. و إذا كان هناك شيء جديد هو إفراد الموضوع في كتاب، وهو شيء مهم ومهم جدا. كما أن هذه النظرية التي يذكر عنها انها تسري في جميع العلوم الإسلامية وغيرها، إلا أنه لم يستطع الوصول بها إلى النظريات العلمية الحديثة، التي ربما تكون تحاول ذلك و إن لم يصرح الريسوني بذلك. و أعني بالنظريات الجديدة موقف هايزنبرغ في مبدإ الارتياب فالتقريب و التغليب قد يكون ما يعنيه هايزنبرغ بمبدإ الارتياب حيث أن القوانين المتعلقة بالجسيمات الصغيرة كالالكترون مثلا هي قوانين تقريبية وهي ليست مطابقة مائة في المائة. كما أنها لم تصل إلى نظرية النسبية التي تسرى في جميع العلوم وتقول بالوصول إلى الحقيقة لكن بنكهة خاصة هي التي سنكشف عنها و عن مثولها في البحث الشرعي، في آخر الكلام.

خامسا موقف جديد حول معنى وحقيقة الحقيقة الشرعية

ما هو اليقين الذي نطلبه في البحث الشرعي؟ وما هو نوع الحقيقة التي نبحث عنها؟ إن الإجابة على هذين السؤالين تقربنا من الوصول إلى الهدف المنشود، و يضيق دائرة البحث مما يمكن من السيطرة على الموضوع و الأخذ بتلابيبه كما يقال.

يتطلب منا الأمر في البداية الفصل بين الحقيقة المنطقية، التي تأثر بها العلماء المسلمون عند اشتداد الغارة الهلينية في القرنين الرابع والخامس، و بين الحقيقة الشرعيةز الأولى ميتافيزيققة لا وجود لها على أرض الواقع، والثانية موضوعية وملموسة ووقتية لا مطلقة بحسب عبارة الشاطبي التي سنتعرض لها .

إن الحديث عن الحقيقة المطلقة الذي نجده عند علماء القرن الخامس، أو ما يمكن تسميته بعلماء الفلسفة اليونانية في الإسلام، هو حديث يدور حول عجلة الفلسفة اليونانية و منطقها الذي ينشد الحقيقة المطلقة التي لا يطالها تبديل و لا تغيير. وهذا النوع من الحقيقة يتعارض مع الحقيقة الشرعية لأنه عقيم و لا يقدم الإنسان خطوة واحدة إلى الأمام . دليل ذلك أنه لم يتخلص في المنطق من الأقيسة البرهانية إلا قياس موت سقراط ونتيجته متضمنة في المقدمة، ولم يتخلص فيه من الحدود إلا حدا واحدا هو حد الإنسان بالحيوان الناطق. وقد وجه إليه المسلمون انتقادات و أسولة مشهورة مع ابن تيمية و القرافي. ولهذا يقول القرافي معلقا علي الحد القائل بأن الإنسان حيوان ناطق: « إن الناطق معناه عندهم المحصل للعلوم، بقوة الفكر. فهو يرجع إلي قبول تحصيل العلوم بالفكر، وهذه القابلية مثل قابلية الضحك، في أنها قابلية، ولا مميز إلا الدفع، وليس مرادهم بالناطق النطق اللساني لأن الأخرس والساكت عندهم إنسان، وعلي هذا يبطل الحد بالجن والملائكة لأنهم أجسام حية لها قوة تحصل بالفكر فيكون الحد غير مانع، وبعضهم تخيل هذا السؤال فقال : حيوان مائت، والنقض يرد كما هو، لأن الفريقين يموتان كالإنسان»

وقال ابن تيمية في الاعتراض علي الحدود البديهية: «إنه إلي الساعة لا يعلم للناس حد مستقيم علي أصلهم، بل أظهر الأشياء الإنسان وحده بالحيوان الناطق عليه الاعتراضات المشهورةة»[30]. إذن فرق كبير أن نبحث عن الحقيقة عند أرسطو وبين أن نبحث عنها كما تتجلى في الإسلام من خلال أصوله و فصوله وقواعده و مقاصده. وموقف الإسلام هو رفض القواعد و المقررات المنطقية.

لذلك نجد عند الشاطبي موقفا أصيلا عن نظرية المعرفة في الإسلام. و يبدأ من رفض القواعد المنطقية التي لا يزيد الاهتمام بها إلا فشلا و خبالا، وينتهي بتقرير الواقع مصدرا للحقيقة على غرار ما يقال بأن الحقيقة هي تطابق الفكر مع الواقع. وانسجام القول مع الفعل.

فقال في الرد على المطالبين باليقين على طريق المنطق بأنه « تسور على طلب معرفة ماهيات الأشياء، وقد اعترف أصحابه بصعوبته. بل لقد نقل بعضهم أنه عندهم متعذر وأنهم أوجبوا أن لا يعرف شيء من الأشياء على حقيقته، إذ الجواهر لها فصول مجهولة»[31] فالشيء في ذاته والحقيقة المطلقة، خاصة بالله يقول الشاطبي: «وهذا المعني تقرر وهو أن ماهيات الأشياء لا يعرفها على الحقيقة إلا باريها، فتسورالإنسان على معرفتها رمي في عماية » كما يرى أن من شأن البحث عن القوانين المطلقة وقراءة الشريعة بها من شأن ذلك الوقوع في الخطأ والعدول عن الصراط المستقيم فذلك الطريق ليس : « بشرعي ولا تجده في القرآن ولا في السنة ولا فى كلام السلف الصالح فإن ذلك متلفة للعقل ومحارة له قبل بلوغ المقصود، وهو بخلاف وضع التعليم، ولأن المطالب الشرعية إنما هي في عامة الأمر وقتية فاللائق بها ما كان في الفهم وقتيا»[32]

و انطلاقا من ذلك يري الشاطبي أن فهم الأحكام يتنزل بحسب الواقع الذي يستهدفه و أن ذلك الواقع هو الذي يحدد الأحكام كما تتحدد به . بعبارة أخرى يرى الشاطبي أن الشريعة نزلت على شرط الأمية حسب عبارته و بالتالي فإن أمية العرب وعلومهم مثلت الواقع الذي تمرر الأحكام انطلاقا منه و إذا كان هناك واقع آخر كانت الحوالة عليه أيضا. .

فقد أقر القرآن بعض التجارب العربية و علومهم ورفض بعض عاداتهم وعلى هذا الأسلوب يصير فهم الشريعة. فقد بني الشرع الأحكام انطلاقا مما وصلت إليه العقلية العربية فمن ذلك اعتمادهم علي الخرص كطريق وحيد لمعرفة كميات الثمار و المردود الاقتصادي للمزارع. و اعتمدوا على ذلك في الإسلام لمعرفة مقدار الزكاة و الجزية وغير ذلك فيمكن خرص الزكاة الواجبة في الزروع والثمار‏, ‏ وذلك بتقدير الوعاء الزكوي تخمينا من ذوي الخبرة في الزروع والثمار‏, ‏ وحساب مقدار الزكاة لأخذه فيما بعد وإتاحة التصرف لصاحب الزرع بعدما أمكن معرفة حق الفقراء بالحزر والتخمين‏. والخرص تقدير ما على النخل من الرطب ثمرا وما على الكرم من العنب زبيبا ليعرف مقدار عشره ثم يخلي بينه وبين مالكه ويؤخذ ذلك المقدار وقت قطع الثمار وفائدة التوسعة على أرباب الثمار في التناول منها وهو جائز عند الجمهور خلافا للحنفية.

و في سنن أبي داوود «حدثنا حفص بن عمر حدثنا شعبة عن خبيب بن عبد الرحمن عن عبد الرحمن بن مسعود قال جاء سهل بن أبي حثمة إلى مجلسنا قال أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا خرصتم فجذوا ودعوا الثلث فإن لم تدعوا أو تجذوا الثلث فدعوا الربع»[33] قال أبو داود الخارص يدع الثلث للحرف

كما كان فيهم علم القيافة ففي الصحيحين من طريق لزهري عن عوف عن عائشة قالت دخل علي النبي صلى الله عليه و سلم مسرورا تبرق أسارير وجهه ، فقال : ألم تري أن مجزز المدلجي نظر آنفا إلى زيد بن حارثة و أسامة بن زيد فقال إن بعضه>ه الأقدام من بعض و في رواية أبن قتيبة مر على زيد و أسامة و قد غطيا رؤوسهما و بدت أقامهما.

و ذكر العلماء أن العرب كانت لهم علوم و تجارب و آراء في بعض الظاهر الطبيعية و الإنسانية فمثلت في ذلك الوقت قاعدة علمية للأحكام في ذلك الوقت قاعدة علمية للأحكام الشرعية إلا ما كان منها يتعارض مع العقيدة فعندئذ تخرج أن تكون مرجعية معتمدة. قال الشاطبي وهو من أوائل من أثاروا هذه الأفكار« و اعلم أن العرب كان لهم اعتناء بعلوم ذكرها الناس و كان لعقلائهم اعتناء بمكارم الأخلاق و اتصاف بمحاسن الشيم فصححت الشريعة منها ما هو صحيح وزادت عليه و أبطلت ما هو باطل و بينت منافع ما ينفع من ذلك و مضار ما يضر منه.

فمن علومهم علم النجوم و ما يختص بها من الاهتداء في البر و البحر و اختلاف الأزمان باختلاف سيرها ، و تعرف منازل سير النيرين ، و ما يتعلق بهذا المعنى وهو مقرر في أثناء القرآن في مواضيع كثيرة كقوله تعالى : هو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر و البحر ، وامتنان الله عليهم بالهداية بالنجوم يدل على أنهم كانوا يكتسبون معرفة معينة تمكنهم من الهداية في الليل حتى يتحقق مدلول الآية، و قوله تعالى و بالنجم هم يهتدون ... و منها علوم الأنواء و أوقات نزول الأمطار و إنشاء السحاب وهبوب الرياح المثيرة لها فبين الشرع حقها من باطلها ...إلى كثير من هذا ومنها علم التاريخ و أخبار الأمم الماضية و في القرآن. من ذلك ما هو كثير و كذلك في السنة و لكن القرآن احتفل في ذلك و أكثر من الأخبار بالغيوب التي لم يكن للعرب بها غلم لكنها من جنس ما كانوا ينتحلون»[34]

إذن الشريعة تخاطب الناس بما يفهمون وعلى حسب مبلغهم من العلم و ما لديهم من التجارب بحيث تمثل تلك التجارب و الآراء و الخبرات المرجعية في تمريرالأحكام و امتثالها. و عندما يتعلق الأمر بغوص أكثر في التجارب و الخبرات فإن الشريعة تحيل إلى الخبرات الجديدة,

إذن الشريعة تستفيد من علوم و معارف عصرها يقول المهندس محمد شحرور « لم يعد الاجتهاد ممكنا إلا إذا تم تجاوز هذه الأطر ـ يقصد الضوابط الأصولية المعمول بها ـ و العودة إلى قراءة التنزيل على أساس معارف اليوم ، واعتماد أصول جديدة للفقه الإسلامي»[35]. و قد عرض السيد جمال الدين عطية طرق معرفة المقاصد ملفتا الانتباه إلى دور المعارف الجديدة في تجلية الأحكام و تنفيذها . فذكر أولا الطرق المعروفة عند الشاطبي وهي :

1 ـ النص الصريح على التعليل في الكتاب و السنة .

2 ـ استقراء تصرفات الشارع وهو نوعان:

أ ـ استقراء للأحكام التي عرفت عللها بطريق مسالك العلة دون نص صريح بها

ب ـ استقراء أدلة أحكام اشتركت في غاية واحدة و باعث واحد

3 ـ الاهتداء بالصحابة في فهمهم لأحكام الكتاب و السنة .

وقد نبه إلى أنهم تجاهلوا طرق معرفة المقاصد التي قررها السابقون على الشاطبي مثل دور العقل و الفطرة في معرفة المصاح و المفاسد في حالة غيب اليقين.

و قدم تعريف ابن سينا للفطرة وهي عند ما يشاهد الشخص المحسوسات و يأخذ منها الحالات ثم يعرض على ذهنه شيء و يشكك فيه فإن أمكنه الشك فالفطرة لا تشهد به لم يمكنه الشك فهو ما توجبه الفطرة .

وذكر العلواني بعد ذلك دور الاستدلال عند الجويني في إثبات الأحكام بالعقل و الاستدلال من غير وجدان أصل متفق عليه[36]

و استعرض موقف العز بن عبد السلام في الاعتماد على العقل لمعرفة المصالح و ذلك في قوله « و معظم مصالح النيا و مفاسها معروف بالعقل و ذلك في معظم الشرائع إذ لا يخفى على عاقل قبل ورود الشرع أن تحصيل المصالح المحضة و درا المفاسد المحضة عن نفس الإنسان و عن غيره محمود حسن ، وأن تقديم أرجح المصالح فأرجحها محمود حسن، و أن درأ أفسد المفاسد فأفسدها محمود حسن، و اتفق الحكماء على ذلك وكذلك الشرائع»[37]

وأنا أتفق مع هذه الآراء في الوجه الذي يفيد أن الشرع يعتمد على الفطرة و العقل و التجارب في تصور الأحكام و تمريرها ,إن كنت أرى أنها جاءت في معرض ميتافيزيقي وهو إثبات نفس المصالح فهذا يتعارض مع البحث العلمي ، لأن نفس المصالح و تعيينها هو وضع من الشارع و لا يجوز أن يكون محل بحث و اجتهاد ، وإنما محل البحث هو تنزيل المصالح على الوقائع و الصور الحسية ، وهنا نلاحظ أن الفطرة و العقل منظورا إليهما لا كقوة مجردة بل عبارة عن مجموعة من التجارب والملاحظات الواقعية نفيد وفي هذه الحالة فقط في معرفة الأحكام و استيعابها.

وإلى هذا نرى أن تطور العلم الحديث يمكن اعتماده للوصول إلى تطبيق ألأحكام و تنزيلها بصورة أقرب إلى العلمية ، حيث أننا في هذه الحالة نتنفس الصعداء بأن الحكم قد تطابق مع محله ووافقه كما وافق شن طبقة.

ويصور عطية الحالة التي يتعانق فيها الواقع مع الأحكام بالوساطة العقلية فيقول« و ليس تنزل منظومة الأحكام على مسرح الحياة في شتى نواحيها و مشكلاتها إلا دليلا على تدخل العقل في صياغتها و تنفيذها بما قام من أدوار معتبرة في الفهم و التحصيل و التنسيق بين الأدلة نفسها و بين تلك الأدلة و الأوضاع المتنزلة فيها و الناس المخاطبين بها...

و من الآمثلة التي يبدو فيها الواقع مقرا للأحكام و مساعدا على تطبيقها التطبيق الأمثل ما يذكره في تفعيل المقاصد من دور للعلم في تحديد التغذية للحفاظ على النفس كأصل ضروري من الضروريات الخمس فالغذاء الضروري لحفظ الحياة يختلف ... ولكطن مع تقدم المدنية و علوم التغذية وجد أنه ينبغي توافر شروط معينة في الغذاء حيث العناصر المتكاملة التي يحتاجها الجسم و القدر اللازم من كل هذه العناصر يوميا لحياة الانسان و أنواع الأطعمة التي تحتوي على هذه العناصر بالقدر المطلوب ... و النقص في هذه العناصر و مقاديرها ينزل بالموضوع من مرتبة الضروري إلى مرتبة ما دون الضروري و يؤدي إلى أمراض سوء التغذية. وهذه المعطيات لم تكن متوفرة مما دفع بالغزالي الى القول بان النفقة لا تصح إلا بصفة تقريبية فلو زدنا اضررنا بالمنفق والنقص يضر بالمستفيد « وكذلك لا سبيل إلى تقرير متيقن في كفاية الأقارب و أروش المتلفات فإن التكثير فيه إلى حصول اليقين ربما يضر بجانب الموجب عليه ، كما يضر التقليل بجانب الموجب له »[38]

و يقدم هذا الأستاذ الجليل بعض الأمثلة التي يحقق فيها العلم المطلوب الشرعي على الوجه الأكمل و بصورة علمية و يقدم من الأمثلة أيضا المسكن فقد كانت تكفي فيه الخيمة و الكوخ لكن هذا الأمر تغير و صارت هناك مطالب ضرورية و حاجية وتحسينية لم تكن موجود من قبل كالتهوة مثلا و الاكسسوار مثل الثلاجة و الغسالة و الملابس و الهتف و الماء و الكهرباء.[39]

كما يتحدث عطية عن شروط جديدة في المسكن يقوم العلم الحديث بتحديد أقل القدر المطلوب من أجل مساحته ويقدم العلم في هذا ملاحظات طيبة ومسموعة.

و خلاصة القول في هذا الموضوع أن تنزيل الأحكام على الوقائع ليس طريقه الظن و التخمين . وإنما خاطب الله المكلفين بعبادات و شرائع تتنزل على واقعهم و علومهم وحياتهم تمثل بدورها مرجعية الدليل ومساحة تنفيذه وقالبه الذي يتحقق فيه. فإذا أوجب النفقة على القرابة و الزوجة والولد فإن النفقة الواجبة تتحدد بالواقع الاجتماعي ، وعندما يتماهي الحكم مع الواقع لا يكون هناك تخمين أو ظن و إنما هو حقيقة وهو حكم الله من فوق سبعة أخشب. فإذا كان الأمر يتعلق بمجتمع معين فإن خطاب النفقة يتحدد بنمط الغذاء في ذلك المجتمع كما و كيفا. فإذا كان المجتمع تقوم حياته علي الصيد فإن المراد بالنفقة هو السمك بحسب الكمية المعروفة التي يتغذي بها الإنسان في ذلك المجتمع، ومن قام بتلك النفقة فإنه لايظن أنه قام بالواجب بل هو متأكد من ذلك. فالخطاب الشرعي في النفقة هو نفسه ذلك السمك و بتلك الكمية وحسب توقيت الغذاء في ذلك المجتمع. فهما وجهان لعملة واحدة. هذا هو ذاك وذاك هو هذا بغير فرق. و عندما يتعلق الأمر بمجتمع آخر فإن الشريعة تحيل بأحكامها إلى ذلك الواقع.

والعلم الحديث يساعد أكثر من أي وقت مضى على تمثل الأحكام على طريق أقرب إلى اليقين من أي وقت مضى . فإن البصمات مثلا تساعد على تشخيص القائمين بالجرائم كالسرقة أو القتل مثلا مما يحل محل القسامة وتجميع خمسين شخصا للإدلاء بشهادتهم فإن ذلك كان هو طريق الإثبات الذي يمثل الحقيقة في ذلك العصر و اليوم فإن الشارع يحيل بخصوص هذه المسألة إلى علم البصمات وطرق الكشف المتطورة. وعندما تتطور هذه الطرق و تنسخ بطرق أخرى أكثر فعالية فإن الخطاب يحيل إليها و يبني عليها. و إذا أمر الشارع بالنفقة و السكن فإن العلم الحديث يقدم أقل ما ينطبق عليه اسمي النفقة و المسكن و يقدم إجابات أقرب إلى اليقين و قائمة على بيانات و إحصاءات رياضية تضيق نطاق الخطإ إلى أن يكون ميكروسكوبيا.

انواكشوط موريتانيا


--------------------------------------------------------------------------------

الجويني البرهان ص 7

ـ الشاطبي، الموافقات في أصول الأحكام ، ص 12

اليقرة 196

ـ الشافعي، الرسالة، 26

ـ الأعراف، 142

ـ الشافعي الرسالة، ص: 27

الجويني البرهان ص

ـ ابن خلدون : المقدمة ص: 379

ـ الغزالي أبو حامد، معيار العلم، شرحه أحمد شمس الدين، دار الكتب العلمية الطبعة الأولي، 1410 هـ 1990م بيروت، لبنان ص7

ـ الغزالي المنقذ من الضلال، ص 18-19

.الغزالي المستصفي ص

ـ الغزالي، محك النظر ص

- رضوان السيد: الشافعي والرسالة: دراسة في تكون النظام الفقهي في الإسلام، الاجتهاد، العدد 9، خريف 1990 ص100

ـ المستصفي للغزالي ص :173

ـ الغزالي المسصفى: ص15

ـ الغزالي : معيار العلم ص :175

الغزالي المستصفي ص 2/364

الغزالي معيار العلم ص 108

الغزالي المستصفى ص 3/499 ـ 500

الغزالي معيار العلم ص 205

الغزالي المستصفى ص 3 / 506

الريسوني التقريب و التغليب ص

الريسوني نظرية التقريب و التغليب ص 114

الريسوني التقريب و التغليب ص 115

المرجع السبق ص 116

ـ الشاطبي الموافقات ص38

الرسوني التقريب و التغليب ص 374

المرجع السابق ص 116

المرجع السابق ص 116

ـ ابن تيمية الرد علي المنطقيين ص ،

ـ الشاطبي، الموافقات ص، 57

ـ الشاطبي، الموافقات ص: 59/60

سنن أبو داوود ص 363 دار الفكر 1415 هـ 1995 م بيروت لبنان

الشاطبي الموافقات ص 2/73

الريسوني الاجتهاد و الواقع ص 26

جمال الدين عطية تفعيل المقاصد ص 16

المرجع السابق ص 17

الغزالي المستصفى ص 3/ 504

جمال الدين عطية تفعيل المقاصد ص 87 ـ 88


اترك تعليق