لا تحسبوه شرا لكم

By : حسن فوزي الصعيدي

كم أنت قاسية يا لطمةً صدرت من يد أخي .. وكم أنت غادرة يا طلقة أُطلقت من مدفعه!!


كلمات تخرج من نياط القلوب قبل أن  تنبس بها الشفاه، وتتناقلها العقول قبل أن تنطق بها الألسنة، كلما ارتقى الشهداء، وأصيب الصامدون، واعتقل الشرفاء، واعتدي على الحرائر!


 غصص تسكن الحلوق، ومرارة تملأ الأفواه، ومآسٍ  تدمي القلوب، ومصائب تعتصر الأعين، ومشاهد تعصف بالألباب، كظلمة الليل، وقسوة الوحش، وثقل الجبال!


وهكذا يشتعل الصراع قويا في قلوب الأحرار، الذين أبوا أن يعطوا الدنية في دينهم، والمرابطين الذين دافعوا عن حريتهم، والصامدين الذين بذلوا أرواحهم دون كرامتهم!


يتسرب إليهم اليأس فيصارعه الأمل، ويشرأب أمامهم الخوف فيقاومه العمل، ويقترب  منهم الضعف فتدفعه الإرادة .


 والمؤمن يعلم يقينا أن الذي يدبر شؤون هذا الكون هو الله، الذي لا تخفى عليه خافية، فلا يحدث شيء في كونه إلا بعلمه وحكمته.. يرى ما يصنع الظالمون، وما يفتري الكاذبون، وهو قادر على سحقهم! ويسمع أنين المظلوم، ونداء الملهوف، ودعوة المضطر ، وهو قادر على نصرتهم!


{وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ * سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ * وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ}.


أحلك ساعات الليل هي التي ينبلج بعدها الفجر، ويبزغ الضوء، ثم تشرق الشمس، و تجرع الدواء المر سبيل إلى العافية، وتحمل ألم الكي طريق إلى الشفاء، وإدراك أخطاء المرحلة والعمل على إزالتها: هو العلاج الناجع، والترياق النافع إن شاء الله.


من رحم المعاناة تولد البطولات، ومع قسوة الأحداث يبرز الفرسان، ووسط التضحيات  يخرج القادة.


إنها رياح الخريف التي جاءت لتسقط الأوراق الذابلة، لتهيئ الأشجار لفصل الشتاء، حيث تنمو أوراق غضة مفعمة بالحياة، جديدة متطلعة للحرية، ليظهر جمالها وتتفتح زهورها في الربيع.


كانت ثورة ناعمة فصلب عودها، وكانت ساذجة فنما وعيها، وكانت عجولة فنضج صبرها!


لقد عرفت الثورة أعداءها الذين طالما حاربوها من وراء ستار، وأدركت طبيعة المعركة التي ظنوها نزهة عابرة، أدركت الثورة الكثير، وتعلمت من أخطائها الأكثر، وأصبحت عصية على الانكسار.. أبية على المكر والخداع.


وقد تمايزت الصفوف، فاصطف كل فرد في معسكره اللائق به، وخرج المنافقون والمخذلون والمثبطون وأرباب المصالح، والمتطلعون السلطة من جحورهم، وأعلنوا العداوة والبغضاء لهذه الثورة العظيمة!


{لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ}


سقطت الأقنعة البائسة، واللحى الزائفة، وظهر القضاء المصري شامخا على المظلوم، منكسرا أمام الظالم، وظهرت المحكمة الدستورية وكرا للذئاب والضباع من أعداء الحرية، ووقعت ورقة التوت عن قادة العسكر، كما عادت الشرطة إلى سيرتها الأولى، وافتضح مردة الإعلام الذين {بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ}، لتأخذ الثورة مسارها الصحيح!!


ظهر من يتحدث باسم الأزهر ليقبل بالظلم ويتحالف معه، ومَن يحرض على قتل الشرفاء، ومن جعل السفاحين المنغمسة أيديهم بدماء الراكعين الساجدين رسولين من الله! ومن تحدث باسم الكنيسة داعيا إلى الموافقة على دستور الدم، وهو يردد: إن نَعَم تزيد النِّعم .. انتخبوا السيسي باسم يسوع.


ويسوع وموسى ومحمد والأنبياء جميعا برآء منهم!


وظهر من ملؤوا الدنيا صراخا على (ست البنات) و(حمادة المسحول) ليصمتوا صمت القبور عن الانتهاكات التي يتعرض لها الأحرا، والفظائع التي تصيب الحرائر؛ بل يتشفون في معاناتهم، ويلتمسون الأعذار لمن ينتهك حرماتهم، وأخذوا يبررون أفعال السلطة الإجرامية، لا أن ينتقدوها!


وتجرد الليبراليون من شعاراتهم الزائفة، وهم يلهثون خلف البيادة ثم يلعقونها، ثم يقوضون معالم الديمقراطية، ويطؤون مبادئها بأظلافهم وحوافرهم!


كان لا بد من التمحيص لتنقية الصف الإسلامي من برهامييه، من علماء السلطة وعملاء الشرطة، وأدعياء العلم، من أصحاب الفتاوى الشاذة والمواقف المريبة!


إنها بوتقة الابتلاء التي ينصهر فيها الشباب، فيشتد ساعده، ويصلب عوده، ويكون منهم رهبان الليل وفرسان النهار، ولتتغير أهدافهم وأحلامهم، بعد أن كان يرنو إلى الحياة الرغدة، فإذا أغلى أمانيه وأعذب آماله أن ينال الشهادة ويلحق بركب الشهداء، لنتذكر قول القائد المسلم خالد بن الوليد وهو يخاطب هرمز قائد الفرس: " جئتك بقوم يحبون الموت كما تحبون الحياة".


إنه طريق التمحيص، ليميز الله الخبيث من الطيب، ويصطفي الشهداء{وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ}.


وجدنا من يكتب في آخر تدوينة له قبل أن ينال شرف الشهادة: أنه يريد أن يزاحم الصحابة في العمل، لينال صحبة النبي والدنو منه في الجنة! وهؤلاء هم من يقهرون الصعاب، ويتحدون المستحيل، ومن أمثالهم كانت عصابات اليهود تفر في فلسطين المحتلة، بينما تركل وتصفع جنودا كثيرين من جيوش نظامية، بلا روح أو هدف!


وإذا كان زمان الصحابة يفتخر بالخنساء وبنيها الأربعة، فلنا أن نتيه بخنساوات كثيرات .. سرن مسيرها، واقتفين أثرها، وقدمن ما قدمت! 


وهابدت أخطاؤنا واضحة أمام الأبصار، ظاهرة أمام البصائر .. ظهر انشغالنا بالسعي نحو الحصاد أكثر من اهتمامنا بالبذر والغرس والبناء، وتبين أن عالم السياسة لا يصلح فيه إحسان الظن، وإنما كما قال أمير المؤمنين عمر: "لست بالخب، وليس الخب يخدعني"!


وعلى الجميع العمل على تدارك ما فات وإصلاح الخطأ، والالتحام بالجماهير ، والعمل على توعية الشعب.وليعلم كل فصيل أنه ضعيف بنفسه قوي بإخوانه، هزيل بفرقته، فتي بوحدته!


الثورة منتصرة، والقصاص قادم، ولن يسقط حق وراءه مطالب!


اترك تعليق