ما يطلبه المصريون من شيخ الأزهر

By : أ. د. يوسف القرضاوي


تصلنا أسئلة كثيرة، من أفراد ومن جماعات، من إخواننا المصريين الذين يعيشون منذ عام كامل، في أسوأ ظرف مرت به مصر، بعد اغتصاب الحكم المدني الشوري الديمقراطي، القائم على الانتخاب الحر النزيه،  حتى جاء الانقلاب فاختُطف الرئيس الشرعي، وغُيِّرت الحكومة الشرعية، وأُلغي الدستور، ودخلت البلاد في فترة سوداء مظلمة، طُورد فيها كل  داع إلى الحق والعدل والخير، وسيق الناس إلى القتل العمد، والاعتقال، والتعذيب للرجال، والاغتصاب للنساء، وكل ما يمكن أن يلحق بالأحرار من سوء وأذى: لحق بهم.


ثم جاءت الأحكام القضائية الظالمة، بما فيها من موجات إعدام عنيفة تطال معارضي الانقلاب، حتى أصبح أحدهم يحكم بالإعدام على المئات في جلسة واحدة أو جلستين، دون أن يقرأ تفاصيل القضية، إضافة إلى الحملات الإعلامية الفاجرة التي تلصق تهمة الإرهاب بكل من يعارض المسار الانقلابي، الذي تعيشه مصر، ويرزح تحته المصريون، بقوة السلاح وسلاح القوة، ويسعى هؤلاء جميعا إلى صياغة الفرعون الجديد، والتلبيس على المصريين، بأن ذلك هو الحل الوحيد لإنقاذ مصر مما هي فيه!


وفي هذه الأثناء يقولون: إن شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب، يريد أن يجهد نفسه، ويتعب روحه، ليحصل لأهالي المقتولين وأولياء دمهم في مصر، منذ 25 يناير 2011م  وإلى اليوم: على دية لقتلهم، ويعتبر ذلك نوعا من الترضية لهم، عما أصابهم في أعز ما أصيبوا به من أبناء ، أو إخوان، أو آباء، أو أزواج، أو أقرباء، أو أحباء، أو أصدقاء.


وكل واحد علم أن صاحبه خرج من بيته، وليس في يديه سلاح، ولا عصا، ولا نية لأن يضرب أحدا بأدنى شيء؛ بل خرج ليشارك الصائمين في شدة الحر احتجاجا، ويشاركهم في الليل –أوله وآخره- في القيام الطويل خشوعا لله تعالى، وإيمانا واحتسابا.


وكنت أودّ كما ود كثيرون غيري من أبناء مصر، وأبناء العرب والمسلمين: أن نسأل شيخ الأزهر، الذي يفترض الناس فيه: أن يسعى لتمكين حكم الشرع، وقانون الإسلام، الذي فرضه الله على الناس في الدماء التي سفكت بغير حق. فهل فوَّض أولياء الدم شيخ الأزهر، أم هو عيَّن نفسه نائبا عنهم؟ وهل قالوا له: إنهم يقبلون الدية عن القتل العمد العدواني؟ وأي دية هي، والدية الشرعية مائة ناقة، لا تقل أعمارهن عن خمس سنين،  وقيمة كل ناقة لا تقل عن خمسة عشر ألف جنيه مصري، أي دية كل واحد مليون ونصف المليون جنيه.


 وهذا في القتل الخطأ، أما القتل العمد، إذا قبل الأولياء الصلح، فتقدر الدية بما يشاؤه أهل القتيل وأولياء دمه.


فهل سأل الشيخ من حوله من علماء الفقه وجهابذة الشرع: ما حكم الدماء التي أريقت بغير حق في مصر، وخصوصا إذا كان قتلها بالألوف، وعن طريق التعمد الظالم، وهم لم يعتدوا على أحد، لا على رجل، ولا على امرأة، ولا على طفل، ولا على إنسان، ولا على حيوان.


وقد ظلوا طوال شهر رمضان: يصومون النهار في الحر الشديد، ويقومون الليل بتلاوة القرآن الكريم، في صلوات طويلة: أول الليل وآخره، داعين مبتهلين إلى الله تعالى.


لم يرَ أي إنسان فيهم أية مظاهر للرغبة في الاعتداء على مخلوق. وقد كان الشباب يفتشون كل داخل، ليطمئنوا أنه لا يحمل أي شيء، أو أدنى شيء يمكن أن يؤذي أحدا.


فلم يحمل أيٌّ منهم مسدسا ولا سيفا، ولا سكينا، ولا عصا، بل ولا حجرا، مما كان يحمله أطفال الحجارة في فلسطين!


هؤلاء القوم هم من هُيِّئت لهم المجازر لذبحهم، لا أقول كما تذبح النعاج؛ بل أسوأ؛ لأن النعاج لا تذبح إلا بعد التهيئة وإعداد الآلة، وإراحة الذبيحة، كما علمنا النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته".


لقد قتل هؤلاء في مذبحة الحرس الجمهوري، وفي مذبحة المنصَّة، وفي المذبحة الكبرى في ميدان مسجد (رابعة العدوية)، وفي ميدان ( النهضة) بالجيزة، وعند جامع الفتح برمسيس، وفي الإسكندرية، وفي المنصورة، وغيرها من البلدان.


هؤلاء يا شيخ الأزهر قتلوا عمدا وعدوانا، ظلمهم الظالمون، وطغى عليهم الطاغون {الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ} [الفجر:11-12 ].


وأفظع هذه المجازر وأشرسها وأشدها غلظة ووحشية: مجزرة رابعة، التي أعد لها السيسي ورجاله، وجيشه وشرطته، وعلى رأسهم وزير الداخلية: محمد إبراهيم: الذين أصروا أن يدبروا معركة كبرى بغير مبرر، فلا يوجد مقاتل واحد في هذه المنطقة، ولم يتخيل الإخوة المقيمون بها بحال: أن يحدث فيها ما حدث.


ولماذا يقاتلون وهم لا يحملون سلاحا، ولا  يبيتون أي نية لاستعمال القوة أو العنف. لقد أعلنوا من أول ما وقفوا أن ثورتهم سلمية، وأن سلميتها أقوى من الرصاص. ولهذا فوجئ هذا الجمع المسالم بهذه المعركة الهائلة، التي أُعد لها إعدادا كبيرا، من يمين وشمال، ومن مشرق ومن مغرب، ومن فوق ومن تحت. المدافع والدبابات من تحت، والطائرات والقنابل من أعلى، والقناصة من فوق السطوح المجاورة، يفقؤون العيون، ويصيبون الصدور والبطون، ويضربون الرؤوس والرقاب. ونحن نراهم بأعيننا على شاشات التلفاز، يطلقون النار على الأشخاص، وهم يتضاحكون، ويمضغون العلك (اللبان).

 

فوجئ الشباب الأطهار البرآء، الأمناء الأصلاء لمصر بهذه  المجزرة التي لم يتوقعوها أبدا، وأخذوا على غرة!


كيف يتصور أناس ليس معهم قطعة سلاح واحدة أن يواجههم جيش بمدافعه ودباباته ومدرعاته وأسلحته المتطورة، وطائراته المدوية، وقناصيه المسلحين بأدق البنادق وأقدرها على الاستجابة للمدربين المحترفين في قتل المدنيين؟!


لم يستطع الشباب أن يفروا من المعركة، وقد أجبروا على أن يدخلوها، لأن وجودهم مهم، لإنقاذ من يستطيعون إنقاذه من إخوانهم، وعلاج من يستطيعون علاجه ممن أصيب منهم، وتكفين من يستطيعون تكفينه، وإيواء من يمكنهم إيواؤه، أو إبعاده عن المتوحشين، الذين يحرقون كل من يجدونه، وما يستطيعونه.


وظلت القوة العسكرية الرهيبة تقتل وتذبح، وتحرق وتجهز، ولا تبالي بأحد، لا بشيخ ولا بطفل ولا بامرأة، ولا بجريح. والله شهيد على كل ما وقع، والناس شاهدون، وقد سجل كثيرون هذه الوقائع، وحصروا الناس بالأسماء، ما أمكنهم، فيبدو أن هناك أناسا قتلوا، ثم نقلت جثثهم إلى أماكن بعيدة، ولا يعرف عنهم شيء.


ماذا تقول يا شيخ الأزهر في هؤلاء القتلى؟ هل هؤلاء قتلوا خطأ؟! هل كان الجنود والعساكر والقناصة والبلطجية، والطيارون وراكبو الدبابات، يلعبون بالمدافع والبنادق والقنابل، فأصابوا بعض المقيمين في ميدان رابعة خطأ؟!  فعلى هؤلاء المخطئين أن يدفعوا الدية لأهل المصابين كما قال الله تعالى:{ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا} [النساء:92].


كل ما تقوله الحقائق، وتنطق به الميادين، ورآه الناس علنا، وسمعوه بآذانهم، ويقوله كل أهالي المقتولين والمصابين: إن هذه مقتلة متعمَّدة، قام بها السيسي ورجاله وشرطته وجيشه، عامدين متعمدين، معتدِّين بأنفسهم، مغرورين بقوتهم، ساخرين من الشعب، ذاهلين عن قدرة الرب، ناسين يوم الحساب.


أهالي الشهداء والمصابين يطالبونك يا شيخ الأزهر – الذي يفترض فيك أن تمثل المسلمين، وتدافع عنهم، وتطالب بحقوقهم، وتخشى الله فيهم-: أن تتبنى الدعوة لمحاكمة القتلة، لا أن توفر لهم الغطاء، للفرار بجرائمهم من عقاب الدنيا، بذريعة دفع الدية الشرعية.. أن يحاكم الذين صمَّموا على إقامة هذه المذبحة الشنيعة، وتنصب لهم محاكم عادلة، ويعرف مَن الذي أعدَّهم وهيأهم لهذه المجزرة، وغيرها من المجازر؟! ومن الذي أعطاهم الأوامر بالقتل، وضرب الرصاص الحي؟!


مَن الرئيس؟ ومن المساعد؟ ومن المرؤوس؟ ومن الحارس؟ ومن المنفذ؟


لا بد أن يحاكم هؤلاء جميعا محاكمة علنية.


 لابد أن يعرف الشعب المصري الكبير: لماذا قُتل هؤلاء الألوف من المواطنين الشرفاء الأطهار، الذين يعدون من خيرة أبناء مصر، إيمانا وتعبدا وأخلاقا، وتعاملا مع الناس.


إن هؤلاء الأحرار الأطهار، الصائمين القائمين، مقتولون ظلما وعمدا وعدوانا.


والإسلام يعتبر القتل من أعظم الكبائر، وأشنع الموبقات الموجبة للعنة الله وغضبه { وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا } [النساء:93].


ويقرر القرآن مع كتب السماء: { أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} [المائدة:32].


 ويقول تعالى في قصة ابني آدم: { لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِين } [المائدة:28-29].


ويقول الرسول الكريم: " لا يزال المؤمن في فسحة من دينه، ما لم يصب دما حراما".


ويقول: " لزوال الدنيا أهون على الله من قتل امرئ مسلم بغير حق".


ويقرر القرآن في قتل العمد قبل عقوبة الآخرة فرضية القصاص، الذي كتبه الله على الناس: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى } [البقرة:178]. ويقول تعالى: { وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة:179]. ويقول عز وجل: { وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا} [الإسراء:33].


اترك تعليق