محمد ديب الجاجي .. أنموذج يُحتذى

By : د. أحمد موفق زيدان
قد تكون شهادتي مجروحة في رمز من رموز الدعوة الإسلامية والعمل السياسي في سوريا لمكانتي منه كونه عمي والد زوجتي، لكن الكمّ الهائل من معاصريه الذين أجمعوا على الثناء عليه يجعل شهادتي مجروحة لكونها لن تفيه حقه، لا أدري عن أبي عابد أو أبي الطاهر كما كان يُدعى أتحدث، هل أتكلم عن أبي عابد الإنسان الرائع بين أهله وأصهاره، أم عن أبي عابد الداعية ذي الخصلتين الرائعتين اللتين قلما اجتمعتا في شخص وهما الحلم والأناة؛ ولذا امتدحهما نبينا عليه الصلاة والسلام في الأحنف بن قيس..
الدكتور محمد ديب الجاجي من مواليد معرة النعمان بلدة الشاعر الذي أطبق ذكره الآفاق أبي العلاء المعري، ولد الجاجي رحمه الله عام 1932 ونال درجة القانون من جامعة دمشق وكان ضابط شرطة مستقيماً شهد له كل من عمل معه في الحسكة وإدلب خلال فترة الستينيات، والتحق بجماعة الإخوان المسلمين منذ نعومة أظفاره، وتدرج في الجماعة ليصل إلى منصب رئيس مجلس شوراها قبل أن يغادر الشام مطلع الثمانينيات، وخلال الفترة العصيبة من تاريخ الخلاف البيني للجماعة عام 1985 قادها كمراقب عام فكان مراقب المرحلة بحق..
تُحدثني زوجتي الفاضلة ابنته رغد الجاجي كيف كان يرفض تقاضي راتب الجماعة وهو المتفرغ لها إبّان محنة الثمانينات، وعاش مع أولاده وبناته على مساعدة زوجته الفاضلة الخياطة الماهرة هالة بيروتي على تخييط أثواب للأطفال ليقوم ببيعها لمحلات الملابس في عمان، لقناعته أن هذه الرواتب من الزكوات والصدقات وهي من أوساخ أموال الناس، تذكرت يومها قولة الخليفة عمر بن الخطاب لأبي بكر رضي الله عنهما بعد أن أرجع جُعله لبيت مال المسلمين لقد أتعبت من بعدك يا أبا بكر.
ظل أبوعابد شامخاً حراً أبياً رافضاً كل المغريات، ومع تراجع أداء الجماعة أواخر الثمانينيات نتيجة الضربات التي وجهت لها، توجه إلى اليمن ليدرّس فيها، ولم يمنعه تقدم سنه من نيل درجة الدكتوراه بعنوان "النسق القرآني.. دراسة أسلوبية" فكان مميزاً بالعنوان والمحتوى..
أدرك أبوعابد رحمه الله كجماعة الإخوان المسلمين في سوريا الخطر الصفوي الإيراني مبكراً وأدرك معه خطر الطائفيين في سوريا، فأصدر مفتي الجماعة ورئيس لجنتها العسكرية في فترة من الفترات الشيخ سعيد حوى كتابه عام 1983 بعنوان"الخمينية.. شذوذ في العقائد شذوذ في المواقف"، أما أبوعابد فكان موقفه تماماً كموقف حبيبه الشيخ عدنان سعد الدين رحمه الله، فقد قال لي مع اندلاع ثورة الشام: إن هؤلاء الطائفيين ليسوا بشرا، ولا بد من تأهيلهم كبشر ليعيشوا مع البشر، ولا أظن العالم سيُفلح في ذلك..
لم يبخل يوماً بوقته وبماله من أجل العمل في الشام، فكان يرى أن بداية التغيير تكمن في الشام، وحين توجه إلى أفغانستان مع قيادات الجماعة لنسج العلاقات وتقديم الخبرات والمهارات لقادة المجاهدين ظلت عينه على الشام، ولمّا رحل إلى اليمن كان قلما يخلو مجلسه من الحديث عن الشام، وحين اندلعت ثورة الشام المباركة بقدر ما كحّل عينيه برؤيتها بقدر ما كان يُرعبه مصيرها لمعرفته بنظام طائفي حاقد.
الرحمة للفقيد، الذي رحل عنا دون أن نستفيد منه كما يجب وهو الذي اشتغل على تلامذته بشرح ونشر كتاب الموافقات الرائع للإمام الشاطبي، وكذلك تفسير بعض سور القرآن الكريم، رحلت أيها الفقيد لكن سيذكرك حي صلاح الدين بحلب الذي نشرت فيه دعوة الخلود، وستذكرك سهول وجبال أفغانستان وباكستان يوم وقفت مع إخوانك بوجه المحتل السوفياتي، رحلت وستذكرك اليمن وأهلها والعراق وشعبها والعالم كله..
"ومن خلّف ما مات" كما يقولون، فقد تربى جيل على يديك يا أبا عابد ومن بينهم صهرك وعديلي الغالي الذي لطالما افتخرت به، ولطالما حلمت بأن ألتقيه يوم كنت طالباً في الإعدادية لذكائه ولنشاطه الدعوي الدكتور غياث رجب حفظه الله.

اترك تعليق