التعليق على أحكام القضاء

By : عصام تليمة

مقولةٌ تواجهك عندما تعترض على حكمٍ صادمٍ من قاضٍ لا يراعي القانون، ولا أصول الحكم، ونغمة يرددها مؤيدو الانقلاب العسكري في مصر: ليس لأحدٍ حق التعليق على أحكام القضاء. وزاد الطين بلّة تصريح مفتي الانقلاب، علي جمعة، بعد الحكم على أكثر من ألف شخص بالإعدام، في حكم أشبه بالهزلي، أن التعليق على أحكام القضاء أمر مقيت، والقضاء المصري في أعلى عليّين! فهل حقاً: لا يجوز التعليق على أحكام القضاء؟ وما موقف الشرع الإسلامي والفكر من هذه المقولة؟


موقف الإسلام من هذه المقولة هو إنكارها، بل ربما لو تعمّد صاحبها إسباغ هالة من التقديس على حكم القاضي، ربما وصل الحكم به إلى أمور شديدةٍ، تخصّ اعتقاده وإيمانه بالله تعالى، إنْ كان قاصداً ذلك، فإن لم يكن يقصد، فهي تصدر منه من باب الجهل بالإسلام، لأنه لا قداسة لرأي في الإسلام، ولا عصمة لفعلٍ، أو قولٍ، إلا للرسل والأنبياء، عليهم الصلاة والسلام فقط، ولا معقّب على حكم أحد، كائناً من كان إلا الله سبحانه وتعالى، أما البشر، من غير الرسل والأنبياء، فلا قداسة ولا عصمة لكلامهم، ولا تصرفاتهم، بل تُنقَد وتُناقَش، ويكتب بالمخالفة لها كل مَن يشاء وقتما شاء، وأعتقد أن هذه مسلّمات يعرفها الجميع.


وقد حفل تاريخنا الإسلامي بمواقف لقضاة تتعلق بالرأي، بل تنقض حكم قاضٍ آخر خالف الصواب، بل رأينا نبياً يصوّب حكم نبي، وكلاهما في القضاء والحكم. فرأينا نبي الله سليمان، عليه السلام، وهو أصغر سنّاً من أبيه نبي الله داود، حين حكم داود في حكم لم يكن رأيه أقوى من وجهة نظر الابن سليمان عليه السلام، فقال الله تعالى معقّباً على ذلك، بصحة تعقيب سليمان: (ففهمناها سليمان).


بل حتى قضاء محمد، صلّى الله عليه وسلّم، في أحكامه، والتي قال عنها الله عز وجل: (فلا وربك لا يؤمنون، حتى يحكّموك فيما شَجَر بينهم، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً ممّا قضيتَ ويسلّموا تسليما)(النساء). ومع ذلك، قال صلّى الله عليه وسلّم عن حكمه بوصفه قاضياً، وعن إمكانية النقاش حوله: "إنكم تختصمون إليّ، وإنما أنا بشر مثلكم، فلعلّ بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأحكم له بقدر ما أسمع من حُجّته، فمَن قضيتُ له من حق أخيه بشيء فلا يأخذ، فإنما أقطع له قطعة من النار"، وقد فعلها رجل بدوي مع النبي صلّى الله عليه وسلّم، فعقّب، واعترض على قضائه وحكمه، في حادثة مشهورة.

وترسّخ هذا المفهوم عند الصحابة أن قضاء القاضي هو رأيٌ بناهُ على أدلّة، أو قرائن، قد يصيب فيها ويخطئ، ولا حرج عليهم من التعليق والتعقيب عليه، فعن ابن عباس، رضي الله عنه، قال: أُتيَ عمر بمجنونة زنت، فاستشار فيها أناساً، فأمر بها عمر أن تُرجَمْ، فمرّ بها على علي بن أبي طالب، رضوان الله عليه، فقال: ما شأن هذه؟ قالوا: مجنونة بني فلان زنت، فأمر بها عمر أن ترجم، قال: ارجعوا بها، ثم أتاه، فقال: يا أمير المؤمنين: أما علمت أن القلم قد رُفع عن ثلاثة: عن المجنون حتى يبرأ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يعقل؟ قال: بلى، قال: فما بال هذه ترجم؟ قال: لا شيء، قال: فأرسلها، قال: فجعل عمر يكبّر. وفعلها ابن عباس مع عثمان ابن عفان في قضاء له.


ومن أشهر التعليقات على حكم قاضي القضاة في الكوفة، ابن أبي ليلى، تعقيبات ونقد أبي حنيفة له، في كتاب معروف بعنوان: "اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى"، وجامع الكتاب هو قاضي القضاة أبي يوسف، أحد تلامذة أبي حنيفة، في مسائل كثيرة جداً يسهل الرجوع إليها.


والعجيب أن يعلن ذلك مثقفو الانقلاب ممن صدّعوا رؤوسنا بالخوف من دولة دينية، بينما هم يؤسسون لها، والتي من أركانها: عصمة الحاكم فيها، وعدم التعقيب عليه! أما إن كان يقصد بها استقلال القضاء، فهذا لا يتحقق بتقديسه، بل بضمانات عدة توضع، منها: رقابة المجتمع عليه، وفصل السلطات، ورفع يد السلطة عنه، وضمان معيشة كريمة للقضاة، أما تقديسه وجعله صنماً يُعبَد من دون الله، وإسباغ هالة من التقديس عليه، ورفع شعار: الحكم عنوان الحقيقة، فهو كلام ينطوي على مغالطات عدة، ولو كان الحكم عنوان الحقيقة، فما قولنا في قضاة حادثة "دنشواي"، وقد كانوا قضاة مصريين، حكموا بالإعدام على مصريين بسطاء بُرآء، لصالح الاحتلال الانجليزي، هل كان الحكم وقتها عنواناً للحقيقة، أم عنواناً واضحا للعمالة والظلم؟


أذكر مرة كتبت تدوينة على "تويتر" ساخراً: الحمد لله أن النبي محمداً، صلى الله عليه وسلّم، لم يكن في زماننا، وإلا لحوكم بتهمة إهانة القضاء، وذلك لقوله صلى الله عليه وسلّم: "قاضٍ في الجنة وقاضيان في النار"، إذ كيف يهين القضاء، ويقول إن قضاةً سيدخلون النار؟


اترك تعليق