القابضون على الجمر

By : حسن فوزي الصعيدي

ثمانية وعشرون شهرا .. قضاها الإمام أحمد قابعا في ظلمة السجن، وقسوة القيد.

تعاقب عليه ثلاثة من الحكام، كما تعاقبت عليه سياط الجلادين، وهو كالطود الأشم، ثابت لا يتزحزح، صلب لا يلين. والمعتصم، يقول له: أجبني إلى شيء لك فيه أدنى فرج! ويؤكد: لئن أجابني لأطلقكن عنه بيدي، ولأركبن إليه بجندي، ولأطأن عقبه.

كلمة واحدة أرادوه عليها، وأرادوها منه، ولكنه أبى، وظل قابضا على الجمر، حتى جعل الله له مخرجا!

تتصاغر النفوس، وتتضاءل العبارات، وتعجز الكلمات أمام هؤلاء القابضين على الجمر، الذين يحملون مشاعل الحرية، ويرفضون مذلة الخنوع، وتقهر عزائمهم حاجز الخوف، وتكسر حماستهم جدران اليأس، ويسحق ثباتهم  شبح المستحيل، ويمحو صبرهم مذلة القهر! 

إنها الأيام التي قال النبي صلى الله عليه وسلم فيها: "فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامًا، الصَّبْرُ فِيهِنَّ مِثْلُ القَبْضِ عَلَى الجَمْرِ".

هؤلاء الصامدون في زمن  الانكسار .. الشامخون في زمن الانبطاح .. الثائرون في زمن الخنوع! 

أي نوع من البشر أنتم، وأي إرادة حملتم، وأي عزيمة سطرتم، وأي ثبات أظهرتم، وأي صبر قدمتم! 

يدافع أحدهم عن دينه وحريته بالنفس والنفيس، ويذود عن رأيه وصوته أن يسرقهما مأجور خسيس .. يريد حياة الأحرار لا عيش العبيد .. قابضا على الجمر، شعاره أحدهم: احذروا من رأى الموت أمام عينيه مرات!

هؤلاء الذين يسطرون كل يوم روائع التضحيات، وملاحم البطولات، يردد كل منهم: 

ســأحمل روحــي عـلى راحـتي              وألقــي بهـا فـي مهـاوي الـردى

فإمــا حيـــــــــــاة تســر الصــديق               وإمــا ممــات يغيـــــــــــظ العــدى

تتردد في أذني كلمات مشرقة، نطق بها بعض من صدر بحقه حكم الإعدام ، وهو يقول:لو أعدموني ألف مرة والله لا أنكص عن الحق.. إننا لم نكن نهزي ونحن نقول:  الموت في سبيل الله أسمى أمانينا!!

وأسمع صدى أصوات أخرى تنادي من خلف القضبان: لو أردنا أن نتبوأ أرفع المناصب تحت حكم العسكر، لكنا فى مقاعد الوزراء، لكننا لا نبيع الدم أو نخون الوطن.

إنها ضريبة الحرية الباهظة، وابتلاء صدق العهد مع الله، بدءًا بالغازات الخانقة، مرورا بطلقات الخرطوش، وانتهاء بالرصاص الحي، عبر مواجهة رجال الشرطة والمواطنين الشرفاء (البلطجية)، وما يتبع ذلك، من ارتقاء الشهداء، وآلام الجرحى، ومعاناة الاعتقال، وما يلحقه من أحكام قاسية، وتعامل وحشي مع المعتقلين، وانحطاط  خلقي في التعامل مع المعتقلات. وكما قال شوقي:

وللحرية الحمراء باب       بكل يد مضرخة يدق

يقولون: الكرة ما زالت في الملعب! ونحن نقول: الكرة والملعب واللاعبون تحت سيطرة الملك، والأيام حبلى بالأقدار!

وما أجمل عبارة صاحب الظلال: النصر فوق الرؤوس ينتظر كلمة كن فيكون!

أيها القابضون على الجمر{إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ }.


اترك تعليق