الفساد ومنبر الجمعة

By : عبد الله القرشي

 
قبل أسابيع أدركَتْني الجمعةُ في مدينة جدة، وصليت في مسجدٍ رائقٍ جميل، في فراشه النظيف، وأجوائه المعتدلة، وسكينة أهله التي ملأت أرجاء المسجد، إذ صعد المنبرَ شابٌّ متواضع، بثوبه الأبيض وعمامته البيضاء، وقد ترك جُبَّة الخطباء في بيته. وخطب بنا خطبة تستيقظ لها القلوب الساهية، والضمائر الغائبة. لقد تذكرت بهذه الخطبة تلك الأيام الجميلة التي كانت الخطبة للناس هي الحَدَث الأجمل، والحديث الأمتع. تفقد الجمعة تأثيرها ومعناها إذا حضر المصلي بقلبه الغافل، ثم عاد به وبغفلته. إن الله لم يفرض على المسلم أن يترك عمله وتجارته وراحته ويحضر للمسجد إلا لفائدةٍ جليلة تعود على دينه ودنياه. ولم يفرض عليه الإنصات التام للخطيب إلا لمصلحة ظاهرة. وكم هي الجناية التي يرتكبها الخطيب حين يصفُّ لهم كلاما بلا روح، ويمارس الخطابة باعتبارها مجرد وظيفة وليس باعتبارها الروح والرسالة والأمانة.

إن خطبة الجمعة هي المقام الوحيد الذي يجمع شتات المجتمع أسبوعيا تحت المنبر، في استماعٍ وإنصاتٍ عجيب لا يتكرر في خطاب آخر. إن منبر الجمعة يمكن أن يكون بمثابة «الترمومتر» لحياة الأمة وآفاقها، وتفوقها وعافيتها. لا يمكن أن تنهض الأمة في حال موات المنابر وضعفها. المنبر هو وجه الأمة الذي نقرأ فيه حزنها وضعفها، ونشاطها وحيويتها.

نعود لخطيبنا في مسجد جدة، وقد أعجبني في خطبته أمران: أنه تناول موضوعا غائبا عن منابرنا، وهو موضوع المال العام، وحرمة التعدي عليه بغلول أو رشوة أو هدايا العمال، أو غير ذلك. وأعجبني كذلك أن خطبته خلت من حشو الكلام، حتى كادت كلها تكون أحاديث نبوية كأنها القبَس في الظلام، والماء للظمآن. وتمنيت أن هذه الخطبة توزع في بقية المساجد، وأنها تتكرر علينا مرة بعد أخرى. إنه لا يليق أبدا أن ينتشر التساهل عند الموظفين في المال العام، والرشاوى والهدايا، على غفلةٍ من منبر الجمعة، وفي الوحي المعصوم من الآيات والأحاديث ما يكفي ويشفي، وسينتفع به خلق كثير لا يخافون ملاحقة النظام، لكنهم سيخافون من ضمائرهم التي استيقظت تحت المنبر.

إن لكل دولة سمعة دولية في النزاهة أو الفساد، ولا يليق براية التوحيد - وهي بين الرايات - أن تكون في مهمَزٍ من سمعتها. إن للمال سلطة وشهوة، والتأويل باب مفتوح يمتد بامتداد الشهوة، وما لم تجد شهوةُ المال والتأوّل فيه سلطانًا وقانونًا مانعًا، وخطابًا دينيا واعيا، فإن الفساد المالي سيكون أقوى من الأنظمة، وأذكى من الرقابة. وسيصبح «إدمانًا» تعجز عن علاجه مستشفيات الأمل. ولو كان للفساد المالي مَصحَّات خاصة، لوجدت فيها موظفا كان يعرقل المعاملة حتى يقبض الثمن، وموظفا كان يقبل الهدايا من أقوام يرجون نفعه ومحاباته، وموظفا يسرق من وقت الوظيفة، وصاحب المكافآت والبدلات التي يستحقها على الورق دون أن يقدم العمل. والمناقصات وما أدراك ما المناقصات.

لن يتتبع هذا الفساد المُعدي إلا القانون الصارم، والإيمان الصادق. حدثني أحد العلماء الوافدين من خارج البلاد، عن صدمته الكبيرة وهو يواجه موظفا يطلبه رشوةً في أول يوم يدخل فيه البلاد! وقد طلبه بصراحة وبجاحة لكنه امتنع عن أدائها، ثم ذهب مع أمثاله يشكونه عند رئيسه دون أي تفاعل يذكر!

إن هذا «الفيروس» أخطر من كل الفيروسات التي أثارت مخاوفنا، وما لم نستيقظ في وقت مبكر فسيفتك بأخلاقنا ونظامنا، وسَيَلْتَهِمُ كلَّ فرصة لنهضة البلاد وتقدمها.


اترك تعليق