مالكي جديد في العراق!

By : طلعت رميح

مضى المالكي، أو هو يتلكأ في الطريق ويناور ليضمن عدم محاكمته على الجرائم المروعة التي ارتكبها ضد الشعب العراقي، وربما يلجأ لاستخدام القوة، أو هو يهدد بها ليرسم لنفسه طريقا للبقاء في داخل العملية السياسية تحت الحماية الإيرانية، وإن تعذر فالأغلب أنه سيمنح حق اللجوء في طهران إذا صدر قرار من المحكمة الاتحادية لغير صالحه، وقد فعلها الصدر من قبله تحت مسمى رحلة الدراسة في قم.

وجاء العبادي، ليحل محل المالكي بعد طول مناورات وصراعات ونزاعات، فكان لافتا في تعيينه عدة أمور، أولها، أن نفس الدول التي أتت بالمالكي، هي نفسها التي أتت بالعبادي، وأنها من تتولى حمايته وقد أظهرت العين الحمراء للمالكي، حين هدد باستخدام القوة العسكرية لمقاومة ما اسماه بالانقلاب على الدستور.وثانيها، إن الإعلام والدبلوماسية الأمريكية والإيرانية ومن لف لفها صارت تقدم العبادي وكأنه خيار الشعب العراقي، وكان هذا التغيير سيؤدي لبناء وضع جديد مختلف في العراق. وهو ما يؤكد استمرار التمسك بالعملية السياسية المسخ التي تتحكم بمصير حكم العراق .وثالثها، إن اسطوانات مسجلة جرت إذاعتها في كثير من المحطات الفضائية، تبشر بأن حكومة العبادي ستتشكل من كافة أطياف الشعب العراقي، والقصد أن يجري تحميل المالكي وحده ما جرى ويجري وكأن الآخرين لم يكونوا شركاء!

وفي الخلفية ظهرت الحقائق بقصد أو دون قصد، إذ تحدث الرئيس الأمريكي عن استعداد أمريكي للتدخل العسكري– الأشد مما هو حاصل طبعا- إذا اتفق العراقيون، وانتهز الرئيس الفرنسي الباحث في كل مناطق الأزمات عن فرصة لإثبات الوجود، مكررا ذات المقولات سياسيا وعسكريا ..الخ . فهل يختلف العبادي حقا عن المالكي أم أن العبادي هو مالكي جديد لا أكثر ولا أقل، وأن ما يجري ليس إلا غرفا من ذات الدست، كما يقال؟

 والإجابة واضحة . فالمالكي لم يصبح هكذا، بسبب النوايا العدوانية وهوسه الطائفي فقط، لكنه ارتكب جرائمه طوال السنوات الماضية، تحت عين وبصر الجميع . وهو قتل وعذب وأعدم ومارس أشد السياسات إغراقا في الطائفية والميلشياوية، إنفاذا ورعاية لمصالح المحتلين. هو لم يفعل ذلك لا سرا ولا دون دعم من رعاة سلطة الاحتلال عسكريا وسياسيا وإعلاميا ودبلوماسيا وقانونيا. كان الدعم الأمريكي والإيراني واضحا، والسبب أن المالكي لم يرتكب كل تلك الجرائم إلا تجاه ذات الأطراف التى قاتلتها أمريكا وإيران ولا تزال تقاتلها أو تقتلها.

لكن الأهم أن المالكي لم يجبر على ترك مكانه والتنازل عن حلم الولاية الثالثة بمبادرة لا من أمريكا ولا من إيران، وإنما تحت ضربات الثوار، الذين دحروا الجيش الذي شكله الاحتلال وأصبح المالكي قائدا له، وباتوا يهددون العاصمة بالاقتحام وإعادة تشكيل نظام وطني عراقي مناقض للعملية السياسية التي شكلها ويسيطر عليها الاحتلال.

ما يجري الآن من تحركات وتصريحات بعد وصول العبادي والصراع مع المالكي ليس إلا محاولة، إعادة تثبيت سلطة الاحتلال التي تهاوت تحت ضربات الثورة الوطنية العراقية، وإعلانات الدعم السياسي والعسكري والديبلوماسي للعبادي، هي إعادة وتكرار لمشهد مساندة ودعم المالكي في مواجهة علاوي الذي فاز في الانتخابات قبل الأخيرة .

لقد حول المالكي الحكم والعملية السياسية والجيش إلى حالة شيعية ميليشاوية محضة، على حساب كل الأطراف الأخرى المتعاونة مع الاحتلالين الأمريكي والإيراني - التي تتحدث بتمثيلها لمكونات أخرى في العراق -بما أدى لانصرافها بعد انفراد المالكي بجني المكاسب. المالكي غير قواعد اللعبة التى أسسها الاحتلال وأنهى ما شددت عليه أميركا بضرورة وجود نظام سياسي شكلي يظهر أمام العراقيين وكأنه حكم يمثل كل الطوائف والمكونات السكانية، ويخفى جوهره كحكم موال وخاضع للدول المحتلة. الآن يجرى استعادة ذات المشهد والغرف من نفس "الدست" وبيد المحتلين أنفسهم وبنفس خطة تقاسم المصالح والنفوذ داخل العراق، من قبل المحتلين الذين لم يتحركوا ولم يقصوا المالكي ويأتوا بالعبادي، إلا لأن مشروع احتلال العراق بدا يتلقى ضربات قوية وحاسمة، إذ الثورة تتطور وتتقدم في كافة أنحاء العراق .

تلك هي سياسة الاحتلال .وتلك هي العملية السياسية التي شكلوها .وهذا هو نتاجها السابق والقادم. والعبادي هو مالكي جديد وربما محسن!


 (بوابة الشرق)


اترك تعليق