الفقه والسياسة في الإسلام

By : أحمد بيبني

من المسائل التي لم تعط ما يناسبها من الأهمية و الاهتمام علاقة المعرفي و السلطوي في الحضارة الاسلامية. اذ غالبا ما ينظر الى السياسة في الاسلام بانها تتعلق بخلافات ذاتية بين هذه الجماعة او تلك او هذه الاسرة او تلك او هذا الزعيم او ذلك من اجل الحصول على الغنيمة السياسية و ما يتبعها من العوائد المادية و المعنوية. و فاتنا في هذا الصدد ان السلطة السياسية ـ على الأقل في صدر الإسلام ـ لم تكن اهدافها منحصرة في هذه الغايات المادية، بل كانت لها وجوه و تلونات معرفية وغايات معرفية عليا، جعلت الثقافة و المعرفة تاخذ وجهة دون وجهات أخرى ممكنة. و بعبارة اخرى نقول بان علاقة السلطة السياسية بالسلطة المعرفية في الإسلام كانت وطيدة وخطيرة أكثر مما نتخيل.

و اذا كان ما يسود الآن و في عصور انحطاط الحضارة الاسلامية هو طابع تبعية العلماء للسلطة السياسية إذ صاروا أداة طيعة لتبرير المواقف السياسية، فان العصور الأولى للحضارة الاسلامية عرفت العكس، حيث كانت السلطة السياسية سلطة تنفيذية تحقق على ارض الواقع ما يراه العلماء مناسبا و حقا شرعيا.

و لا بد من القول بان القوانين الفقهية التي ندين الله بها اليوم لم تكسب هذه المكانة المطلقة بين عشية وضحاها، بل شارك في اعطاءها هذا الدور وهذه الأهمية علماء الشريعة الى جانب زعماء القوة و السيف، عندما توحد المعرفي و السلطوى من اجل فرض قراءة معينة للنصوص الشرعية و بالتالي للشريعة ككل، و استبعاد كل القراءات الأخرى. وبهذه الطريقة نفهم لماذا قامت غالبية الحروب في صدر الاسلام و كيف ازدهرت مذاهب و انقرضت مذاهب اخرى.

وما نريد أن نتوصل إليه في هذا الموضوع هو أنه لما كانت الحضارة الاسلامية قامت على اساس الدين فهذا يعنى ان الارتباط بهذا الدين و فهمه و طريقة تطبيقه لا بد ان تترك بصمات واضحة على الحياة السياسية للمسلمين، و انه لا يمكن للأحداث السياسية ان تترى دون ان يكون لها تاثير و دور معين في مجال المعرفة الدينية.

و اذا رجعنا إلى الأحداث الأولى و خصوصا بعد وفاة الرسول صلى الله عليه و سلم نجد ان الإشكالية التي طرحت أولا هي اشكالية الزكاة حيث كان الاختلاف يدور حول احكامها و صيغ أدائها و لم يكن يدور حول الاختلاف في اصل وجوب الزكاة. كما يتصور الأكثرية عن خطإ. فإن بني حنيفة رأوا ان لا تنقل الزكاة إلى المدينة، و أن لهم الحق في التصرف فيها فيما بينهم. و قالوا أيضا بأنه يجب تخصيص الحكم بمحله كما ترتبط العلة مع معلولها وجودا وعدما. فالزكاة كانت لعلة وهي صلاة الرسول باعتبارها سكن فإذا تحقق السكن تحققت الزكاة و العكس صحيح. و بالتالي فإن صلاة ابي بكر ليست لهم بسكن، إذن فلا تصرف الزكاة له.

أما أبو بكر الصديق رضي الله عنه فأيضا كان خلافه معهم يدور حول مسالة شرعية وهي الزكاة، ويري ان حكمها ان تؤدي لخليفة الرسول فهو يقوم مقامه و صلاحيات المخلف تنتقل مباشرة إلى الخليفة. وقول أبو بكر لو منعوني عقالا يدل على انهم امتنعوا اداء الزكاة اليه ولم يمتنعوا من اداء اصل الزكاة فلو كان كذلك لقال لو منعوا المسلمين و ما في معناه .

وعندما جاء عمر بن الخطاب كان من ملامح خلافته حمل الناس على قراءة التراويح وقال نعمت البدعة هذه. اذا نلاحظ ان الأحكام الشرعية لم تكن بمنأى عن السلطة السياسية في دولة يحكمها الدين ويؤسسها.

كان هدف السلطة السياسية مع الخلفاء الراشدين ومع الأمويين وفي صدر العباسيين هو تقديم قراءة واحدة ووحيدة للمفاهيم الشرعية. باعتبار أن ذلك الهدف هو الجانب الأهم للسلطة السياسية فبتحققه تتحقق السيطرة السياسية و التحكم في الرعية و ذلك حتي لا يخلى الأفراد كل يتبع رأيه في تمثل الأحكام و ينجر عن ذلك قيام الفتن و الشرور.

و قد مثل الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز نقلة نوعية في هذا المجال مجال توحيد المسلمين على قراءة واحدة للشريعة تستمد اسسها و قوانينها من سنة الرسول صلى الله عليه و سلم.

كان هذا الخليفة يضع على عاتقه تدوين السنة النبوية وجمعها مثلما جمع الخليفة عثمان رضي الله عنه القرآن وذلك في مرحلة أولى، وفي مرحلة ثانية جعلها مرجعية تستقى الأحكام الشرعية منها . و العمل الذي قام به هذا الخليفة يمثل في الخطورة عمل ابو بكر الصديق في كتابة القرآن وعمل عثمان بن عفان في حمل الناس على قراءة واحدة. فقد كتب إلى عامله بالمدينة أبي بكر بن عمرو بن حزم أن « انظر ما كان من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أو سنة ماضية أو حديث عمرة بنت عبد الرحمن الانصارية فاكتبه فإني خفت دروس العلم وذهاب أهله[1]» وهذا هو ما برر به ابوبكر جمع المصحف بعد معركة اليمامة فقد خاف ايضا ان يموت حملة القرآن قبل تدوينه. أما الهدف من ذلك فهو حمل الناس على سنن واحدة قبل ان ياخذ كل انسان برايه في المفاهيم الشرعية و تمثلها و بسننه الخاصة التي يرويها بطريقته الخاصة، وهذا واضح في رسالته إلى أمرائه عندما قال: « سن رسول الله صلى الله عليه وسلم وولاة الأمر من بعده سننا، الأخذ بها تصديق لكتاب الله، واستكمال لطاعة الله، وقوة على دين الله، من عمل بها فهو مهتد، ومن استنصر بها منصور، ومن خالفها اتبع غير سبيل المؤمنين و ولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرا[2]» كما كتب إلي عدي بن عدي يقول: « إن للإيمان فرائض وشرائع وحدودا وسننا، فمن استكملها استكمل الإيمان، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان، فإن أعش فسأبينها لكم حتى تعملوا بها، وإن أمت فما أنا على صحبتكم بحريص[3]» وروي أن ابنه عبد الملك قال له: ملك لا تنفذ الأمور، فو الله ما أبالي لو أن القدور غلت بي وبك في الحق؟ قال له عمر: «لا تعجل يا بني فإن الله ذم الخمر في القرآن مرتين، وحرمها في الثالثة، وإني أخاف أن أحمل الحق على الناس جملة فيدفعوه جملة ويكون من ذا فتنة[4]».

كانت الغاية السياسية للقادة السياسيين في المراحل الأولى للإسلام هي توحيد الفقه و توحيد المفاهيم الشرعية و قوانينها مما يتيح وحدة المسلمين حتي ينصرفوا إلى غايات أخرى وقد أمنوا من الخلاف و الاختلاف في أمر مهم في حياتهم وهو الأمر الاهم فيها. وهذا المعني هو ما يفهم من كلام الخليفة الخامس وهو أن للإسلام سننا و قوانين سيبينها للناس و يطالبه ابنه بالإسراع في تنفيذها كلف ذلك ما كلف. جاءت ثمرة هذا العمل مع مالك عندما دون االموطأ وهو كما يفهم من اسمه مجموعة من الأحكام المتعلقة بتمثل المفاهيم الشرعية ومستخلصة اكثر ما استخلصت من السنة، تمهد وتوطأ لتكون مرجعية للمسلمين وتراقب تنفيذها السلطة السياسية العباسية التي تمر بمرحلة عنفوان الشباب، فقد طلب المنصور من مالك كتابة كتاب في الحديث يوطأ الناس عليه، كما انه ربطته علاقة حميمة مع أبي حنيفة و حمل إليه الهدايا التي تصدق بها، قبل ان تتوتر هذه العلاقة في ظروف غامضة.

إن العلاقة الحميمة بين علماء المذاهب السنية الأربعة مع السلطة السياسية تعكس حقيقة واحدة وهو الاتفاق على آراء موحدة لتطبيق الإسلام. وقد نجحت هذه المحاولة على مستوى الفقه و أحكام العبادات و المعاملات دون العقيدة التي فشلت السلطة السياسية العباسية فيها في حمل الناس على عقيدة واحدة.

فنجاح المذهب الفقهي مع الأئمة الأربعة يعكس نجاح السلطة السياسية في حمل الناس على مذهب فقهي واحد وموحد. أما الاختلافات بينها فهي اختلافات ثانوية يراد منها الحفاظ على المسائل المركزية فيكون النقاش خارجها في امور ثانوية، مما يعطي انطباعا في نفس الوقت على استمرارية الاجتهاد و البحث.

فعندما نرجع إلى ذكر نماذج من هذه العلاقة نلاحظ ما قيل خطأ بوجود خلاف بين مالك بن أنس و بين السلطة السياسية. فيقول البعض إن العلاقة بين مالك بن أنس وبين الخلفاء العباسيين لم تكن جيدة، ويستدلون علي ذلك بما يحكي أن والي المدينة جعفر بن سليمان ضربه حتي انخلعت كتفه، وهذه حكاية أعيان تعارضها الوقائع التي تؤكد العلاقة الحميمة بين الخلفاء العباسيين وبين مالك. فقد حاول هارون الرشيد أن يعلق الموطأ علي الكعبة. وحياة مالك الارستقراطية تفيد في تأكيد هذا.

وبالنسبة للشافعي فقد كان ولو لبعض الوقت مهتما بالقضايا السياسية وقد تقلب من المعارضة متمثلة في الولاء لأهل البيت، إلي موالاة الخلفاء من بني العباس. وكان شديد الاحتكاك بالولاة والأمراء فقد استدعاه والي اليمن ليساعده على تدبير الشؤون السياسية لمملكته، فعمل هناك كوالي نجران، كما تلقي دعوة إلى زيارة مصر من واليها الجديد وهو أحد تلامذته، إن احتكاك الشافعي بهارون الرشيد عن طريق محمد ابن الحسن قاضي الدولة، واحتكاكه بولاة الدولة في اليمن، وفي مصر وفي مكة المكرمة وفي المدينة المنورة، حيث قدم إلي مكة برسالة خاصة من والي مكة إلي مالك يحملها إليه والي المدينة بتوصية خاصة. إن هذه الأحداث تشير إلى أمور خفية في ما وراء الوقائع الظاهرة. ولا يفسر الأمر إلا أن الدولة في استراتيجيتها المعرفية كانت تريد من قراءة الشافعي للأدلة الشرعية و نصوصها و اجتهاداته أن تكون هي واجهة تلك الإستراتيجية المعرفية. و من أجل ذلك كانت نجاته من الهلاك على يد هارون الرشيد. و هي قراءة تتفق كما قلت مع قراءة مالك و ابي حنيفة للمسائل الشرعية. باعتبارها جميعا مذهب فقهي و احد ووجوه لعملة واحدة.

ما هي خصائص هذا المذهب و المبادئ التي يقوم عليها هذا هو محور المقالة القادمة ان شاء الله.


ـ صبحي صالح، علوم الحديث ومصطلحه ص 45

ـ الشاطبي، الموافقات ص 2/42

ـ البخاري، صحيح البخاري ص 9

ـ الشاطبي، الموافقات ص 2/62 


اترك تعليق