واقعية التشريع الإسلامي

By : أ. د. يوسف القرضاوي

من خصائص التشريع في الإسلام: الواقعية، فهو لم يغفل الواقع في كل ما أحل وما حرم، ولم يهمل هذا الواقع في كل ما وضع من أنظمة وقوانين للفرد، وللأسرة، وللمجتمع، وللدولة، وللإنسانية.

في التحليل والتحريم:

فمن مظاهر هذه الواقعية في مجال الحلال والحرام، وهو ما يتعلق غالبا بشؤون الفرد، رجلا أو امرأة:

1- أن شريعة الإسلام لم تحرم شيئا يحتاج إليه الإنسان في واقع حياته، كما لم تبح له شيئا يضره في الواقع.

ومن ثم أنكر القرآن تحريم الزينة والطيبات، معلنا إباحتها لبني الإنسان جميعا بشرط القصد، والاعتدال، وعدم الإسراف في استعمالها: (يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ، قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ)؟ (الأعراف:31-32)

2- وراعت الشريعة فطرة البشر في الميل إلى اللهو والترويح عن النفس، فرخصت في أنواع من اللهو كالسباق وألعاب الفروسية وغيرها، إذا لم تقترن بقمار ولا بحرام، ولا تصد عن ذكر الله وعن الصلاة. وخصوصا في المناسبات السارة، كالأعراس والأعياد. وقد غنت جاريتان عند عائشة في بيت النبي صلى الله عليه وسلم، فانتهرهما أبو بكر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "دعهما يا أبا بكر فإنها أيام عيد"، وقال يومئذ: " لتعلم اليهود أن في ديننا فسحة… وأني بعثت بحنيفية سمحة"!، وأذن للحبشة أن يلعبوا في مسجده بالحراب، وسمح لزوجته عائشة أن تنظر إليهم حتى اكتفت.

وقد راعت الشريعة فطرة المرأة وواقعها في حب الزينة، وعمق الرغبة في التجمل، فأباحت لها بعض ما حرمت على الرجال كالتحلي بالذهب ولبس الحرير.

3- ومن واقعية الشريعة: أنها قدرت الضرورات ـ التي تعرض الإنسان وتضغط عليه ـ حق قدرها، فرخصت في تناول المحرمات على قدر ما توجب الضرورة. وقرر فقهاء الشريعة: أن الضرورات تبيح المحظورات، استنادا إلى ما جاء في القرآن عند ذكر الأطعمة المحرمة من مثل قوله تعالى: (إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)(البقرة:173).

4- ومن واقعية الشريعة أنها عرفت ضعف الإنسان أمام كثير من المحرمات، فسدت الباب إليها بالكلية، ولهذا حرمت قليلها وكثيرها، كما في الخمر، لأن القليل يجر الكثير، كما أنها عدت ما يوصل إلى الحرام حراما، سدا للذريعة، وإقرارا بواقع الكثير من البشر، الذين لا يملكون أنفسهم إذا فتح لهم طريق إلى الحرام. ومن هنا كان تحريم الخلوة بالمرأة الأجنبية، إغلاقا لباب قد تهب منه رياح الشر، فلا يستطاع صدها. ومثل ذلك النظر بشهوة إلى الجنس الآخر. فإن العين رسول القلب، والنظرة المشتهية بريد الفتنة، وقديما قال الشاعر:

كل الحوادث مبداها من النظر ومعظم النار من مستصغر الشرر

وحديثا، قال شوقي:

نظرة، فابتسامة، فسلام فكلام، فموعد، فلقاء!

في تشريعات الزواج والأسرة:

5- ومن واقعية الشريعة الإسلامية: أنها راعت قوة الدوافع الجنسية لدى الإنسان فلم تطرحها دبر الأذن، ولم تنظر إليها باستخفاف، ولا باستقذار، كما فعلت بعض الملل والنحل، ولم ترض للإنسان أن يقاد من غرائزه وحدها، كما فعلت بعض الفلسفات… فشرعت إشباع الدافع الجنسي بطريقة نظيفة، تضمن بقاء الإنسان، وكرامة الإنسان، وارتفاع الإنسان عن الحيوان، وذلك بشرعية "نظام الزواج"، وقد أشار القرآن إلى ذلك بعد ما ذكر ما حرم الله من النساء، وما أحله وراء ذلك بشرطه، ثم قال: (يُرِيدُ اللّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ، وَاللّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيمًا، يُرِيدُ اللّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا) (النساء:26-28)

فالمفهوم من وصف الإنسان بالضعف في هذا المقام: ضعفه أمام الغريزة الجنسية.

6- وانطلاقا من هذه النظرة الواقعية للحياة والإنسان، كانت إباحة تعدد الزوجات كما شرعه الإسلام.

ــــــــ

- عن كتاب "مدخل لمعرفة الإسلام" للشيخ القرضاوي.

 http://www.qaradawi.net/new/library2

 


اترك تعليق