الأصول الجامعة للأخلاق في الإسلام

By : أحمد الريسوني

لعل أجمع مقصد تربوي خلقي في جميع الرسالات المنزلة هو مقصد التزكية؛ فتزكية الإنسان فردا وجنسا وجماعة هو الملتقى والغاية القصوى لكل عناصر التخلية والتحلية. وقد ذكر مقصد التزكية صريحا في عدة آيات هي:

1– قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ}[الجمعة: 2]

2– قوله تعالى: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ} [البقرة: 128].

3– قوله تعالى: {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ}[البقرة: 151].

4– قوله تعالى: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} [آل عمران: 164].

قال العلامة الشيخ أبو الحسن الندوي رحمه الله:"ذكر الله تعالى مقاصد البعثة المحمدية الرئيسية وفوائدها الأساسية في عدة آيات من القرآن الكريم…(يقصد الآيات الأربع السابقة)، ثم قال: "ومهمة تهذيب الأخلاق وتزكية النفوس تشغل مكانا كبيرا في دائرة الدعوة النبوية ومقاصد البعثة المحمدية.”([1]).

والخصال النفسية والسلوكية التي تشكل عناصر التزكية الخلقية كثيرة ٌ ومتنوعة جدا، ويمكن أن تعدَّ بالمئات. وقد حاول الفلاسفة وعلماء الأخلاق إرجاعها إلى أصول أساسية جامعة وحاكمة. وعلى هذا الأساس شاع عندهم ذكر الأصول الأربعة للفضائل، مع أضدادها التي تعتبر أصولا للرذائل. قال ابن مسكويه : "أجمع الحكماء أن أجناس الفضائل أربعة وهي: الحكمة، والعفة، والشجاعة، والعدالة”([2]). ثم قال: "وأضداد هذه الفضائل الأربع أربعٌ أيضا، وهي: الجهل، والشَّرَهُ، والجُبن، والجور”([3]). ثم أورد ما يدخل تحت هذه الأصول الأربعة وأضدادها، من الفضائل والرذائل المتفرعة عنها …

وقال الغزالي: "الفضائل وإن كانت كثيرة، فتجمعها أربعة تشمل شُعَـبها وأنواعها، وهي: الحكمة، والشجاعة، والعفة، والعدالة . فالحكمة فضيلة القوة العقلية، والشجاعة فضيلة القوة الغضبية، والعفة فضيلة القوة الشهوانية، والعدالة عبارة عن وقوع هذه القوى على الترتيب الواجب، وبها تتم جميع الأمور، ولذلك قيل: بالعدل قامت السماوات والأرض.

فلنشرح آحاد هذه الأمهات، ثم لنشرح بيانها وما ينطوي من الأنواع تحتها … ” ([4])

ثم أعاد ذكرها بشكل أكثر توضيحا، فقال: ” الفضائل النفسية…أربعة أمور: العقل وكماله العلم، والعفة وكمالها الورع، والشجاعة وكمالها المجاهدة، والعدالة وكمالها الانصاف، وهي على التحقيق أصول الدين … "([5])

ويرى العلامة شاه ولي الدهلوي أن تحصيل السعادة البشرية مرجعه إلى أربع خصال هي:
- الطهارة،
- والإخبات لله تعالى،
- والسماحة،
- والعدالة.

ويرى أن الأنبياء إنما بعثوا للدعوة إلى هذه الخصال الأربع، وأن الشرائع الإلهية إنما هي تفصيل لها وراجعة إليها ومنشعبة منها ([6]).

وقد نص على "انشعاب الشرائع الإلهية” كلها من هذه الخصال الأربع، وهي في جوهرها وأساسها خصال خلقية.

ويرى صاحب (دستور الأخلاق في القرآن) أن خُلُق (التقوى) هو العنصر المركزي والفضيلة الأم في الشريعة الإسلامية. قال رحمه الله: "قد جرى العرف على تسمية القوانين الأخلاقية، بحسب العنصر الغالب في مضمونها، فرديًا أو اجتماعيًا، صوفيا أو إنسانيًا: شريعةَ عدل، أو شريعةَ رحمة، وهكذا … وليس شيء من هذه الصفات ذاتِ الجانب الواحد بمناسب هنا فيما يبدو لنا.

إن هذه الشريعة توصي بالعدل والرحمة معًا، وتتوافق فيها العناصر الفردية والاجتماعية، والإنسانية والإلهية على نحو متين، بيد أننا لو بحثنا في مجال هذا النظام عن فكرة مركزية، عن الفضيلة الأم التي تتكثف فيها كل الوصايا، فسوف نجدها في مفهوم (التقوى)، وإذن، فما التقوى إن لم تكن الاحترام البالغ العمق للشرع.”([7])

وممن اهتموا بهذا الموضوع من المعاصرين أيضا، الشيخ عبد الرحمن حبنكة الميداني في كتابه (الأخلاق الإسلامية وأسسها) . فقد عمل على استقراء الصفات الخلقية المحمودة والمطلوبة، وإرجاعِها إلى أصول كلية لها، ثم عالج من خلالها الأخلاق التفصيلية المندرجة تحتها، وكذلك أضدادها من مساوئ الأخلاق . قال موضحا طبيعة عمله ونتيجته: "ولدى سبر مفردات الأخلاق في استقراء لا ندعي له التمام والكمال، وبعد إجراء تصنيف لها، انكشفت لنا الأصول أو الكليات التالية:

الأصل الأول: حب الحق وإيثاره.

الأصل الثاني: الرحمة.

الأصل الثالث: المحبة.

الأصل الرابع: الدافع الاجتماعي.

الأصل الخامس: قوة الإرادة.

الأصل السادس: الصبر.

الأصل السابع: حب العطاء.

الأصل الثامن: علُوُّ الهمة.

الأصل التاسع: سماحة النفس.

ولهذه الأصول التي ترجع إليها مفردات مكارم الأخلاق، أضدادٌ ترجع إليها مفرداتُ الرذائل والنقائص الخلقية … "([8])

وبعد هذه الأصول التسعة، التي عالجها في فصول تسعة، أضاف في فصل عاشر فضيلتين أخريين، اعتبرهما منبثقتين عن ” أكثر من أساس خلقي”، وهما: العفة (مع ضدها)، والشجاعة (مع ضدها) ([9])

يُتبع…

 

[1] — العقيدة والعبادة والسلوك، ص 134.

([2]) تهذيب الأخلاق لابن مسكويه ص 19.

([3]) نفسه ص 20.

([4]) ميزان العمل للغزالي ص 27.

([5]) نفسه ص 25.

([6]) حجة الله البالغة للدهلوي 1|191– 194، نشر مكتبة الكوثر للنشر والتوزيع بالرياض، الطبعة الأولى 1420|1999.

([7]) دستور الأخلاق في القرآن، لمحمد عبد الله دراز ص 681.

([8]) الأخلاق الإسلامية وأسسها، لعبد الرحمن حبنكة الميداني 1|517.

([9]) المرجع السابق 2|581.

 


اترك تعليق