معتقل أنا ! (وليد أبو النجا)

By :

معتقل أنا، لست عميلا أجنبيا غربيا أمريكيا أو أوربيا ولا شرقيا روسيا أو صينيا، لست فلسطينيا من حماس، ولا داعشيا من سوريا أو العراق، ولا لبنانيا من حزب الله، ولا حوثيا من اليمن، للأسف مصري حتى النخاع، أبا وأما، وجدا وجدة، لا أعرف لي أصولا تركية، ولا شركسية، ولا يونانية، لست من نسل القبائل العربية المهاجرة من الجزيرة العربية منذ مئات السنين، وللأسف لست من الأشراف نسل الرسول صلى الله عليه وسلم.

متعلم أنا، تعليما جيدا، لكني لست صحفيا ولا إعلاميا ولا حقوقيا، أن تكون مواطنا (فقط) ليست جريمة!

سِلميٌّ أنا، لم أحمل في يوم من الأيام سلاحا، أبيض أو أسود، ولو أُعطيته لما تمكَّنتُ من استخدامه، لم أفجر قنبلة، ولم أرتدِ حزاما ناسفا، ولم ولن أقتل أحدا، وما خرجت إلا إنكارا للقتل، ولست مجرما ولا بلطجيا، ولا صاحب سوابق، ولا رد سجون.

صاحب رأي أنا، لكني لست قياديا في هذا التيار أو ذاك، ولم أخرج لأن قرارا صدر من هنا أو هناك بمعارضة الانقلاب، أو كسره، بل صدر قراري من ضميري وحده، بعد أن ضربوا برأيي عُرض الحائط، وقتلوا المصريين في الشوارع، وأرادوا أن يعيدونا مطيعين مستكينين كما كنا قبل ثلاث سنوات، نمشي بجوار الحائط، ونَدَع نهر الطريق لعلية القوم، يعربدون فيه كما يشاؤون.

واحد أنا من حوالي ثلاثين أو أربعين أو خمسين ألفا، لا يهم العدد، ولا يعلمه أحد على وجه الدقة، حتى وزير الداخلية نفسه؛ لأن السجن يستقبل نزلاء جددا كل يوم، عددنا يا سادة يقال له (حوالي)، ليس كلنا إخوانا، وإن كنا مسلمين، يثقل كاهل كل واحد منا هموم أسرته؛ زوجته، أولاده وبناته الصغار، والديه الكبيرين، عمله، وظيفته، تجارته، مستقبله، بل مستقبل البلد كله، لا يملك إلا التفكير، والدعاء أن يتولاهم الله من بعده.

لست مشهورا بحيث يرد اسمي في النشرات، وتتصدر صوري صفحات الجرائد، ولو من خلف القضبان، ولست معروفا بحيث تنطلق الدعوات التضامنية من أجلي، وتنطلق الأهازيج وأكاليل الغار عند إطلاق سراحي، وكأن نصرا وطنيا قد تحقق.

تنقلني الشتائم المنهالة عليَّ وعلى زملائي من فصيلة إلى أخرى بسرعة البرق، فبينا نحن وأهلينا من فصيلة الكلاب، نتحول إلى الثدييات بأنواعها، فالحشرات بدون فواصل.

أسال نفسي في بعض الأحيان: هل أنا إنسان أم ذبيحة أم معدن موصل جيد للكهرباء والحرارة؟ وإذا كنت إنسانا، فلِمَ أُعلق كالذبيحة؟ ولماذا يوصِّلون أسلاك الكهرباء إلى جسدي؟ وكأنهم يتوقعون أن أولِّد الكهرباء لسد العجز الحاصل في الشبكة!

عندي الوقت الكافي لأعيد النظر في شروطي السابقة، لقد كنت بالغ الترف، فالماء لا بد أن يكون باردا، والطعام ساخنا، والفراش وثيرا، والغرفة مظلمة، والجو هادئا ... ليس لشيء، سوى لأن هذه الشروط شئتُ أم أبيتُ لم تعد موجودة.

أتطلَّع بالطبع إلى اليوم الذي أخرج فيه من هنا، من بين هذه الجدران الكئيبة الكالحة، من هذا المكان الذي لا يصلح لسُكنى الحيوانات فضلا عن البشر، وتنتشر فيه الفئران والحشرات والصراصير، فهي البيئة المناسبة لها.

أرنو إلى اليوم الذي لا أطالع فيه هؤلاء الذئاب الذين تلبسوا بأجساد البشر، هذه الكائنات التي يردد كل واحد منهم كلمة فرعون في اليوم مائة مرة: (أنا ربكم الأعلى)، (أنا ربكم الأعلى)، (أنا ربكم الأعلى).

أحلم باليوم الذي يعود لي فيه بعض آدميتي، ولو جانبها الحيواني، فآكل وأشرب كما يأكل البشر ويشربون، وأستحم وأقضي حاجتي كما يفعل البشر، وأنام كما ينام البشر، لا كما سمك السردين.

أدرك أن الآخرين مسجونون، علموا ذلك أم جهلوه، غير أن سجنهم أفسح، وزنزانتهم أوسع، ونحن في سجن داخل السجن.

ينقلونني من السجن إلى النيابة، ومن النيابة إلى السجن بعد تجديد أمر الاعتقال، الذي يسمونه كذبا السجن الاحتياطي على ذمة قضية، لم يسألني القاضي، ولم يسمعني، ولم يستعمل روح القانون ولا نصه، قانون الغاب وحده هو السائد هنا.

ويل لك يا قاضي الأرض من قاضي السماء، تزعم أنك تحكم بين الناس، وأنت لا تحكم إلا على الضعفاء، وتدعي أنك لا تخشى إلا الله، وأنت لا تخشى إلا الحاكم، أعود إلى زنزانتي، وتعود أنت لتتناول الغداء مع أسرتك هانئا، بعد دورك الوطني الكبير بسجن الأبرياء!!

ورغم كل الجراح، فأن يكون الإنسان معتقلا، خير من أن يكون مغفلا، أن يهتف باسم الحق الذي يعتقده، أفضل من أن يهتف باسم الطاغية، أن يسير طوعا في ركب الباحثين عن الحرية، أكرم من أن يسير كرها كواحد من القطيع.

(خواطر على لسان معتقل)


اترك تعليق