العولمه بين يدي الخطاب الاسلامي

By : اسماعيل عبدالمجيد

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها فقال قائل ومن قلة نحن يومئذ قال بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم وليقذفن الله في قلوبكم الوهن فقال قائل يا رسول الله وما الوهن قال حب الدنيا وكراهية الموت) أخرجهُ أحمد والترمذي)


فاذا مأردنا التعرف إلى العولمة من خلال الخطاب الإسلامي لوجدنا تأكيد الإسلام على أن الناس جميعًا أمة واحدة، تجمعها الإنسانية وإن فرقتها الأهواء والمصالح، قال تعالى: {كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين} (البقرة:213)، وقال تعالى: {إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون} (الأنبياء:92)، {ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين } (الروم:22). وإن خلـق الناس شعــوبـًا وقـبـائل لم يكن ليتقاتلوا، ولكن ليتعارفوا ويتعاونوا، قال الله تعــــالى: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم} (الحجرات:13).

فليس في الإسلام اختلاف في المعاملة بسبب اختلاف اللون، وإن التفاوت بين الناس بالعمل لا باللون والقومية والإقليمية، ليكون العدل هو السائد. كما حث نبي الإسلام eعلى مساعدة الأخ لأخيه في أي موطن أو موقع: «والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه». كما أن قانون الأخلاق قانون عام يشمل الأبيض والأسود، ويشمل الناس جميعًا في الأقطار والأمصار، وهم مخاطبون بأحكام الإسلام أنى وجدوا، فهو الشريعة لعامة الناس: {وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرًا ونذيرًا} (سبأ:28). كما أقر الإسلام للإنسان أن يعمر الأرض ويستثمرها ويسير في طريق إصلاحها، قال تعالى: {هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها} (هود:61).. فتأمل عبارة (استعمركم)، أي طلب منكم عمارتها: {هو الذي جعل لكم الأرض ذلولاً فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه} (الملك:15)، وقوله: {ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها} (الأعراف:56). فالشمولية الإنسانية العالمية تعين الناس على التواصل والتعاون في اقتسام الطيبات، حتى يكون العالم كله سوقًا للعمل، وسوقًا للإنتاج، ومجالاً للتبادل والتداول..

فرسالة الإسلام إلى الإنسان تعميرية، طالبة منه التنقل في أرجاء الأرض للاستثمار ولغيره، طالبة منه التعاون مع الآخرين، مع استخدام أسلوب الحوار في تشكيل القناعة: {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن} (النحل:125). وبناء على ما تقدم يمكن القول: بأن الإسلام له رؤيته الخاصة للعالمية، وبذلك ينفصل عن إشكالية العولمة -فهو بعكس النظام الغربي- وبذا يتعزز المستقبل في العالم الحديث لصالح مبادئ الإسلام، لأنه يقود العالم كله إلى الخلاص بعد فشل رأس المال، وفشل الشيوعية، وقصور العقائد الدينية الأخرى عن تدارك أحوال المعاش وتدبير الحلول للجماعات الإنسانية ومشكلات الاجتماع والاقتصاد وما يتفرع عنها من مشكلات الأخلاق والآداب ومن هنا لا يكون غريبًا أن نجد المؤرخ الكبير «توينبي» يقرر بأن المسار الإنساني نحو العالمية سيحتاج إلى عطاء الإسلام في القضاء على العرقية بجميع تفرعاتها، وفي التخلص من مظاهر الانحطاط التي أحدثتها المجتمعات الكحولية والملاهي. ويقرر «ريتشارد ب.سنون» بأن مفتاح المستقبل رهن بمعرفة كيفية مجابهة العولمة، أو يتعين على كل ثقافة على حدة أن تجد نقط ارتكاز لتحركها. فالإسلام بما يمتلك من معرفة الوحي ساهم على مر تاريخه في إذكاء جذوة الفكر العقلاني والعلمي وضبط أهدافه، وربما سيضطلع الإسلام بمسؤولية حمل هذا المشعل من جديد. ونؤيد بل نعزز السند الإقناعي بأن الإسلام هو المؤهل لحل هذا المشكل بشهادة من أهلها. فلقد صدرت صيحات تحذيرية للحضارة الغربية لا من أقوال رجال الدين، بل من أقوال أقطاب العلم وزعماء السياسة في تلك الدول نفسها، فنجد «روبرت ميلكان» العالم الطبيعي الأمريكي يقول: «إن أهم أمر في الحياة هو الإيمان بحقيقة المعنويات وقيمة الأخلاق، لقد كان زوال هذا الإيمان سببًا للحرب العامة، وإذا لم نجتهد الآن لاكتسابه أو لتقويته فلن يبقى للعلم قيمة، بل يصير العلم نكبة على البشرية». أما علاقة المسلمين بالعولمة، فترجع إلى الصراع والاحتكاك والتفاعل المستمر تاريخيًا، والذي أخذ أشكالاً متعددة تتراوح من التبادل الثقافي إلى الحروب الصليبية، وحتى الاستعمار الغربي والهيمنة الرأسمالية الغربية. فالعولمة لدى

المسلمين، من خلال الرصيد التاريخي للاستعمار والتغريب، هي مشروع غربي للهيمنة. ومن هذا المنظور يتم تحليل العولمة، ومن ثم التعامل معها، وبالتـالي فإن النظرة للعولـمة هي امتداد للبحث عن كيفيـة التعامل مع الغـرب من خلال تأكيد الهوية الإسـلامـية، إلا أن ذلك يجـب أن لا يحول دون النظر للعولـمة من خلال معايـير موضوعية وصحـيحة حتى نتمكن من أن نعرف وننـكر بعيــدًا عن الأحكـام العـامة والعـامـية، التي سـوف لا تمكننا من التعامل معها بمهارة. ويلاحظ أنه قبل انتشار العولمة كمفهوم أو ممارسات، بدأ المسلمون في تأكيد هويتهم المتميزة، مع شعور بعضهم بجاذبية الحضارة الغربية وقوتها، ومن ثم بدأ التفاعــل الذي اعتـبره المسـلمون هجـمة غربـيــة أو شكلاً جديدًا للحروب الصليبية، التي يرى بعضـهم أنها لم تتوقف أصلاً. وقد أظهر النقاش أن الفكر الإسلامي يهتم بنظرة الغرب له، لذلك ظل لفترة طويلة في مرحلة الرد على اتهامات الغرب -كما يقول المسلمون- في محاولة لإظهار الصورة الإيجابية. ويفسر هذا المطلب انتشار «خطاب السبق أو الأولوية»، فعندما يأتي الكلام عن العقائد أو الديمقراطية مثلاً ينبري كثيرون إلى الرد بقولهم: إن الإسلام سبق الغرب في العقلانية أو حقوق الإنسان مثلاً.. وعلى الرغم من صحة هذا، إلا أن موقف المسلمين دائمًا يأتي كرد فعل لما يحدث على أرض الواقع، فليسوا الآن في موقف المبادرة، ولكن في موقف ردود الأفعال. وفيما يتصل بالهوية التي أصبحت في مهب رياح العولمة، وموضع كثير من التساؤلات، فإن الـحفاظ عليها مطلب تنموي وحــيـاتي، فــلا يمكــن الخــروج من أزمة التبــعيــة دون أن تتبلور هوية المجتمع.  إن نظرة الإنسان إلى نفسه وإلى الآخرين، وعلاقته بالمجتمع والكون، تبنى على أسس فكرية تشكــل خصــيصة هذا الإنسان، الذي كلما تحرر من التبعية استطاع أن يبـني نـموذجه الـخاص والـملائم لواقعه..

فكلما افتقدت الخصوصية، اتسم الإنتاج بالمماثلة. أما التعميم الثقافي فإنه سيفرض ثقافة الأقوى، وهي ثقافة أحادية الجانب، لا تقبل التبادل والتنوع، أو هكذا ستتشكل تلقائيًا. من هنا أولى الدين الإسلامي عناية فائقة لشحذ عقل وفكر الإنسان تجاه ما يحيط به من موجودات ومخلوقات وسنن كونية، وتجاه نفسه. فالإنسان في المفهوم الديني الإسلامي لا يعد كائنًا سلبيًا صنميًا، بل هو فاعل إيجابي يتأثر بما يجري حوله ويؤثر فيه، هكذا شخصية الإنسان ومنها تتبلور هويته.  كما يستعرض الدكتور نبيل علي في كتابه الموسوم بـ «العرب وعصر المعلومات» أمثلة عديدة للتأثير بين التكنولوجيا والثقافة العامة للمجتمع، وهو ليس أثرًا سطحيًا كما يذهب بعضهم، بل هو تأثير عميق وقوي وثوري، يتصل بالأبعاد الثقافية الـمختلفة للمجتمع. وما نستورده من الغرب اليوم ليس منتوجات فقط، أو آلات مجردة، بل سلوك وقيم ومعايير، وبقدر احتياجنا لاستيراد تلك المنتوجات، فإننا نستورد معها الأفكار والفلسفات، وقد لا يتم ذلك برغبتنا ولكنه واقع الانفتاح والتطور، الذي حول عملية الاستيراد إلى أحد أهم شؤون الحياة المعاصرة. نحن إذن لا نتوخى العدالة أو الحياد العولمي، فنحن أمام محاولات تغريب وهيمنة، وتعميم الهوية الثقافية، والعمل على دعم أدوات التفاعل مع الحضارات الأخرى، وأن نتحول من حالة الاستقبال والانتظار السلبي، إلى فاعلية الإرسال والاستقبال، سيكون في ذلك فائدة ليس لنا فحسب، بل للعالم أجمع. إذ أن ثمة ضرورة لتعدد الثقافات في العالم، وتباينها حسب مصلحة الإنسانية، فاحترام الخصوصية الثقافية لكل أمة، يجب أن يكون أساس الحضارة المعاصرة. فالسبيل الوحيد للحفاظ على هويتنا الثقافية، هو التجديد المستمر لكل جانب من جوانب الحياة، اجتماعيًا وتربويًا وسياسيًا، وسيكون ذلك عندما تتغير نظرتنا إلى ذاتنا، ونعيد صياغة علاقتنا بالكون بصورة فاعلة. 

 لقد استطاع الدين الإسلامي بأفقه العلمي أن يؤسس قنوات لتفاعل إيجابي مع مجتمعات متنوعة، دون أن يفرض نفسه عليها قسرًا أو عنوة. وقد أسس مبادئ دعوية تقوم على مبادئ الإقناع والمجادلة بالتي هي أحســن، وبتأسيس قاعدة رفض الإكراه في الدين والعقيدة. هذه الأمة التي جاء ذكرها في الكتاب العزيز بوصفها خير أمة: {كنتم خير أمة أخرجت للناس}، علامتها الفارقة هي التصدي لعملية التوجيه الذي يتطلب حضورًا دائمًا: {تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر} (آل عمران:110). هذا الدور، وهذه الشهادة: {وكذلك جعلناكم أمة وسطًا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا } (البقرة:143)، لا يمكن أن تؤديها أمة خائفة أو جاهلة، بل أمة قائدة لذاتــها، واثــقة من نفســها ومن مخــزون فكرها، وكما يقول الإمبراطور الصيني صان تسو: «إن المعرفة هي القوة التي تـمكن العاقــل من أن يسود، والقائد الـخيّر من أن يهاجم بلا مخاطرة، وأن ينتصر بلا إراقـة دمــاء، وأن ينجز ما يعجز عــنه الآخرون». وأمتنا حتى هذه اللحظات تفتقر الفهم الحقيقي للإسلام الجامع، وهي تفتقد القدرة على إدراك قيم العلم، ولا تحتوي أجندتها حتى الآن على أي أدوات تساهم في وعي العلم واستكشاف المعرفة.


اترك تعليق