محاكم التفتيش الجديدة

By : ديمة طارق طهبوب

منذ أيام الدراسة الأولى والمجتهدون يحاولون ان يكون لهم دائما اسم في لائحة الشرف التي تعلن للجميع الأذكى والأكثر تميزا على المستوى الأكاديمي وغير الأكاديمي، وكانت المعايير واضحة والمنافسة شريفة إما باجتهاد دراسي أو أخلاقي أو عملي، وتخرجنا من المدرسة وما خرجت من نفوسنا الرغبة في ادراك الشرف والمعالي وخلود الذكر والعمل بل ان هذه جميعا يعتبرها علماء النفس من أقوى محفزات العمل والبقاء واستمرارية العطاء.


الا أنه في عالمنا الذي تنحسر فيه الانسانية والمنطقية والاخلاقية لسلطة القوة الباطشة ورأس المال العميل تنقلب الموازين واللوائح وتختلط المفاهيم والتصنيفات وتلتبس الحقائق ولا يعود التمييز ممكنا!
في الماضي كان الاعداء واضحي العدواة والاختلاف، فكان معظم رواد التحرر في العالم العربي يحجزون لأمريكا وذيولها في المنطقة دور الشيطان الأكبر ورأس الحية حتى تحركاتها نحو الحوار والدعم كان ينظر اليها بعين التشكيك والحذر!


الان انقلبت الموازين وأصبحت العداوة من الداخل بوكالة ومباركة دولية وأخذ العرب والمسلمون اسما دور الغرب في تصفية كل من يريدون بإلباسه ذلك الثوب المرعب المسمى بالارهاب وهي تهمة كفيلة لنزع الانسانية والحقوقية والعصمة عن اي شيء بحيث يصفى كل من تُلصق به دون مساءلة ولا حساب ولا دية!


وما اصدار لائحة الارهاب بنسختها العربية الجديدة والتي تحظر منظمات سياسية واغاثية وفكرية الا وراثة لدور أمريكا القذر في المنطقة وخلطا للاوراق ببعضها لمزيد من تضليل الشعوب العربية التي تاه بعضها في دوامة المذابح والتشريد والملاحقة ليوصلوه الى الترحم على أيام الطغيان الاولى والاستبداد السابق!


ان هذه اللائحة تحوي منظمات وحركات متطرفة لا يختلف جمهور حركات الاسلام المعتدل، وعلى رأسهم الاخوان المسلمين، على ادانتها واستعبادها كونها لا تمثل اطلاقا روح ولا تعاليم الاسلام بحال من الاحوال، ولكن دولا عربية بأسلوبها غير العقلاني وعدائها غير المفهوم حاولت ان تضرب العصافير كلها بحجر واحد، فصنفت علماء المسلمين ونشطاء الاغاثة وبعض المؤسسات البحثية ضمنها لمجرد تبني بعض الاعضاء لخط فكري يرى الاسلام نظام حياة قائما على تحرير البشر من كل الالهة وسلطة أرباب السلطان وكل اشكال العبودية!


لا يختلف ما تفعله هذه الدول عما فعلته اسبانيا في محاكم التفتيش يوم كانت تلاحق الناس لتغيير دينهم وفكرهم وحتى اشكالهم وملابسهم وتنزع حق الحياة ممن أبى!


نعم انها محاكم تفتيش عربية جديدة ولقد تندر أحدهم بتصنيفاتها وتهمها قائلا: «أي انسان يشهد الشهادتين فقط يسمى «مسلما‘‘


فإن كان يصلي ويؤدي الفرائض يصبح اسمه ’’متدينا‘‘


فإن كان متدينا ويطالب بتطبيق الشريعة يصبح اسمه ’’إسلاميا‘‘


فإن كان إسلاميا ولديه قميص ولحية يصبح اسمه ’’سلفيا‘‘


فإن كان سلفيا ويكره سيطرة الغرب على الأمة يصبح اسمه ’’سلفيا جهاديا‘‘


فإن كان يجاهد يصبح اسمه ’’إرهابيا‘‘!!


في عهد رسول الله صلَّى الله عليه وسلم كان من يفعل كل هذا يسمى’’مسلما‘‘ فقط!»


ان الخطورة في مثل هذه الخطوات هو التعريف الجديد والتلاعب بتقديم الاسلام، اذ تظن هذه الدول انها تتزعم وتتسيد تمثيل الاسلام بشكل حصري وان المسلم الجيد هو الذي يدعو للسلطان ويأكل ويشرب ويتكاثر وينام، أما فرائض الاسلام فتلك حاجة شخصية بين العبد وربه وحتى هذه قد لا تنجو من المحاسبة فالحريص مثلا على صلاة الفجر في المسجد يوضع تحت المراقبة مخافة ان يكون له ميول فكرية او ان توسوس له نفسه بالامر بالمعروف والنهي عن المنكر كما تدعوه الى ذلك الصلاة!


اذا كان يحاربون الشيخ المعمم والاستاذ الجامعي والكاتب والباحث والناشط في حقوق الانسان الذين يتخذون من الفكرة والحجة والقلم والورقة والدراسة والمشروع وسيلة لانقاذ الناس فهم عن جهالة او قصد يدفعون بالشباب للتطرف ويغلقون الباب في وجه الحوار والحكمة والحسنى، بل يتآمرون على قبلة المسلمين الاولى واهلها الصامدين وقضيتهم المركزية في فلسطين!


يبدو ان الدافع وراء هذه الخطوة هو الدراسة الخطيرة التي نشرها معهد واشنطن لسياسات الشرق الادنى في ٢٣-١٠-٢٠١٤ والتي اظهرت ان ٥٢٪ من السعوديين و٥٣٪ من الكويتين و٤٤٪ من الاماراتيين يؤيدون حماس والاخوان المسلمين لذا ارادت هذه الدول ان تأخذ الامر بيدها وتقطع ادنى تعاطف او تأييد لحركات الاسلام السياسي المعتدل والوسطي وحركات المقاومة في فلسطين وتجرم كل من يدعمهما فكرا او عملا!!


وبالرغم من هذه اللائحة المضللة فإن وجود بعض المنظمات والحركات السياسية والفكرية والاغاثية عليها شهادة شرف ومصداقية واصطفاف في خندق الشعوب وحقوقهم، وهي من باب واذا أتتك مذمتي من مستبد فهي الشهادة لي بأنني حر، فيا علماءنا ويا سياسينا ويا نشطاءنا أنتم على لائحة الشرف عندنا فما زال بعض العقلاء حول العالم يستطيعون تمييز الغث من السمين، والارهابي من الانساني، وطالب الحرية من الطاغية


 ان على المسلمين والشعوب ان يتحسسوا الارض من تحتهم فلم تعد البراءة والحيادية تكفي لان الحرب على الاسلام اصبحت معلنة يقودها أبناء جلدتنا، انه زمن تحديد الافكار والمواقف!


لقد علمنا التاريخ ان الذين يصطف دهاقنة المال والسلطان لحربهم هم أصحاب الحق والشرف والنصر عندما يدور التاريخ دورته وهو دائما يدور فتلك هي سنة الله لو كانوا يعلمون! 


اترك تعليق