الهجرة مصطلح خالد لا تنحصر بعصر معين

By : أ. د. علي القره داغي

كان الجاهليون قبل الإسلام، وحتى كان أهل الديانات بعد تحريفها، كل هؤلاء كانوا يعتمدون في تقربهم إلى الله -حسب ظنهم- على الشكليات والمظاهر والطقوس، ولذلك حينما جاء الإسلام العظيم، كانت تربية الرسول صلى الله عليه وسلم أن توجه هذه الأمة نحو العناية بالنيّات والمقاصد والقيم السامية وعدم الوقوف الكثير عند المظاهر والشكليات حتى ولو كانت موجودة في بعض العبادات.

حيث الرسول صلى الله عليه وسلم طوّر هذه المصطلحات التي كانت سائدة في تلك العصور، فعلى سبيل المثال: كانت الهجرة يراد بها هجر الإنسان البلاد التي لا يريد أن يقيم بها لظلم، أو غير ذلك، وهذا هو معناه اللغوي، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم جعل لهذا المصطلح خصوصية، ثم بعد ذلك عمّمها حتى تشمل كل الأجيال وكل القرون، لأن المصطلحات القرآنية والنبوية مصطلحات خالدة، لا ينحصر معناها في عصر معين، ولا يحرم جيل من أجيال هذه الأمة من تلك النيات، وتلك الأجور والثواب وما أعده الله سبحانه وتعالى للجيل الأول، فإن الله سبحانه وتعالى أراد أن تبقى بصورة عامة هذه الأمور وهذه الأجزية كلها لجميع الأجيال إلى أن يرث الله الأرض وما عليها.

فالإسلام لم يعمم ولم يعطِ هذا الأجر العظيم الذي بينه الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريمن ونطق به الرسو صلى الله عليه وسلم لكل مهاجر يهاجر شكلياً مهما كانت هذه الهجرة، وإنما خصص وقيد هذه الأجور وهذا الثواب العظيم بمن كان يهاجر في سبيل الله سبحانه وتعالى، فقال في الحديث الصحيح المتفق عليه (إِنَّمَا الأَعْمَالُ بالنِّيَّاتِ وإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ ما نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلى اللهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أَو امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ) حتى هذه العملية الصعبة وهو هجر الإنسان بلاده، ولا سيما هؤلاء الصحابة الكرام الذين أوذوا وعذبوا في مكة المكرمة، وقتل منهم من قتل بأشكال مختلفة، حينما هاجروا، بيّن الرسول صلى الله عليه وسلم الفرق بين من يهاجر بالنيات والقلوبن وبين هجرة من حيث الشكل والظاهر ، فالرجل الذي ترك مكة وهو كان يعذب والثاني أيضاً ترك مكة وربما كان معرضاً لذلك لأجل إيمانه، ولكن الهجرة وأجر الهجرة لن يكتب له إلا إذا كانت هذه الهجرة خالصة لله سبجانه وتعالى، ثم بعدما أغلق الرسول صلى الله عليه وسام باب الهجرة بهذا المعنى وقال لا هجرة بعد الفتح على رأي الجمهور حينئذ عمّم الرسول صلى الله عليه وسلم هذا المصطلح لكل المسلمين على مر الأجيال وعلى مر العصور، وهذا ما بيّنه الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري في صحيحه وابن حبان وأبو داود وغيرهم أن الرسول قال : ( المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويديه والمهاجر  من هجر ما نهى الله عنه ) فالمهاجر  اليوم، بل في عصر الرسول بعد الهجرة، خصص من جانب أنه لا بد أن يكون في سبيل الله، ثم عمم معناه لجميع الأجيال بأنه هو الشخص الذي يكون حريصاً جداً على أن يهجر على ما نهى الله عنه ، فمن كان قادراً على هجرة ما نهى الله وترك ما حرمه الله وقادراً وفاعلاً ومتحركاً بإيمانه وعقيدته فهذا هو المهاجر  الحقيقي في أي عصر من العصور كان، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، بل وفي رواية صحيحة أخرى رواه ابن حبان في صحيحه والإمام البيهقي في شعب الإيمان (أَلا أُخْبِرُكُمْ بِالْمُؤْمِنِ، مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ)  وانظر كيف حدد الرسول صلى الله عليه وسلم المصطلحات، والإيمان شعلة وحركة، والحركة لا بد أن تكون لها طاقة، والطاقة لا بد أن يكون لها أثر  وحركة، والحركة لا بد أن يراها الناس ( وَالْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ النَّاسُ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ ، وَالْمُجَاهِدُ مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ ، وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَاجَرَ السُّوءَ) وفي رواية من هجر السيئات ورواية البخاري من هجر ما نهى الله عنه، وختم الرسول صلى الله عليه وسلم الحديث وقال (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَبْدٌ لا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ) أي أسراره، أي أن الرسول صلى الله عليه وسلم يحلف بأن الإيمان الحقيقي لا يمكن أن يتحقق لشخص يكون له من السيئات والخيانات، جاره لا يأمنه على أسراره، ولما يصل الإنسان إلى هذه المرحلة حينئذ يحلف الرسول  صلى الله عليه وسلم بالله تعالى أنه لم يحقق الإيمان الحقيقي .

هذه المصطلحات التي حددها الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولا سيما مصطلح الهجرة أو المهاجر، ينبغي أن نقف عنده كثيراً لنعرض أعمالنا على هذه المصطلحات، لنعرض أعمالنا على تربية الرسول صلى الله عليه وسلم، بأن الشكليات وإن كانت لها أهمية ولكن هذه الأهمية لن تتحقق إلا إذا وجدت وارتبطت القلوب مع هذه المظاهر والشكليات، لأن قبولها عند الله مرتبط بما لها من نور وطاقة وحركة، فبدونها تكون كما قال سبحانه وتعالى في حق اليهود والنصارى في عصر النبي صلى الله عليه وسلم وخاطبهم وبيّن لهم بأن ما يدعونه من اتباعهم للتوراة لا قيمة له حتى يقيموا التوراة والإنجيل على الرغم ما فيها من التحريفات ولكن بقيت فيها القيم، فلا قيمة لدعوى الاتباع إلا إذا أقمتم وحركتم وطبقتم ما بقي ما في الإنجيل والتوراة  ، فما الذي يقول رب العالمين لنا وكتابنا محفوظ كأنه اليوم نزل ونحن نعرض أنفسنا على كتاب الله وعلى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم فكم نرى من أنفسنا ما هو مطبق فينا من القرآن الكريم وسنة النبوية وسيرة نبينا الحبيب وصفاته وأفعاله وتصرفاته وخلقه العظيم!

جعل الرسول صلى الله عليه وسلم الهجرة بعيداً عن الجانب التاريخي  ثلاثة أنواع :

أولاً: هجرة القلوب لكل ما تفكر فيه من السيئات والذنوب، وأن يفارق القلب وكذلك النفس وما في داخل الإنسان هذه الأمراض الخطيرة وهي أمراض كراهية المؤمنين أو أمراض الحقد على الناس مهما كانوا أو كراهية وبُغض الناس بدون سبب مشروع وما بيّنه الرسول صلى الله عليه وسلم وما بيّنه العلماء الربانيون من أمراض القلوب والنفوس والأرواح والعقول التي تجسدت في كثير  من المسلمين لأن المسلمين اليوم  لا يهتمون بهذه الهجرة الحقيقية بأن يصل القلب إلى هجر كل ما نهى الله سبحانه وتعالى عنه من الكراهية والحقد والحسد وغير ذلك وهجرة القلوب لأمراضها ومعاصيها وشهوات النفس والفرج وغير ذلك من بقية أنواع الشهوات،

 وثانياً: هجر الروح مما فيه من الذل ومن الانحطاط والهبوط في المستويات بحيث يريد الله سبحانه وتعالى أن تكون هذه الروح المؤمنة بعيدة وهاجرة وتاركة لكل ما يؤدي إلى الهبوط المعنوي والانحطاط في قضايا السوء والمعاملات وعدم الإكرام النفس وإذلال الإنسان نفسه لأي جاه أو أي سبب ويدخل في ذلك النفاق والمجاملات والتكلف وغير ذلك مما يفعله الإنسان أمام شخص غني وأمام شخص ذي جاه أو مسؤول لأجل أن ينال بهذا النفاق ما لا يمكن أن يناله بحقه وحقيقته.

فالإسلام يريد أن يربي هذا الداخل بهذا المعنى أن تكون الروح سامية عالية عزيزة عظيمة كريمة متعلقة بالله سبحانه وتعالى وأن تكون هذه النفوس مطمئنة راضية مرضية دوامة على فعل الطاعات وترك المنكر وبعيدة عن الشهوات المحرمة وإشغال هذه النعمة العظمى وهي نعمة العقل في طاعة الله سبحانه وتعالى و بما يخدم المسلمين، وأن لا يفكر  العقل في

المكر و التخطيط للآخرين

ثالثاً: بعد هجر الداخل بهذا المعنى يريد الرسول صلى الله عليه وسلم أن تكون جوارحنا وألسنتا وبقية الجوارح خاضعة لما في الداخل وخاشعة لله وعاملة ونافعة لا تبحث ولا تعمل إلا بما فيه المنفعة للناس جميعاً وحتى الحيوانات، والهجرة أن تبعد جوارحك تماماً كل المعاصي وكل المحرمات وكل ما فيه إيذاء الناس وكل ما فيه إيذاء الحيوانات، فقد دخلت امرأة النار في هرة حبستها ودخلت امرأة الجنة لأنها سقت كلباً يلهث من العطش.

وكأن الرسول صلى الله عليه وسلم يريد أن يقول يا مسلمون إذا أردتم أن تكونوا في أي وقت من الأوقات مهاجرين وأن يكون لكم أجر المهاجر فهذا هو الطريق الذي بيّنه الرسول صلى الله عليه وسلم أما ما عدا ذلك فلن تنالوا ما أعده الله تعالى للمهاجرين في سبيله.

فعليا أن نقف عند تربية النبي صلى الله عليه وسلم وأن نستفيد من هذه التربية العظيمة التي يراد بها صناعة الإنسان وصناعة الأجيال التي تستطيع أن تقاوم مكر الآخرين ومكر الكفار والمشركين والصهاينة والمنافقين في داخلنا فحينما تكون الأمة متماسكة وحينما يكون المرء متماسكاً مع أخيه ومتعاوناً معه ولا يؤذيه حينئذ لا يمكن أن يفكر مؤمن في إيذاء صاحبه وتبقى الثقة موصولة ومؤكدة وموثقة بين المؤمنين بحيث لا يستطيع أعداء الإسلام والمسلمين أن يؤثروا فيما بينهم لأن ثقتهم ببعض أكبر من ثقتهم بالآخرين.

هذه التربية العظيمة والتربية الفردية لتأكيد معنى الهجرة لها علاقة كبيرة جداً بكيان الأمة وبتحقيق الأمة، لأن من أهم شروط تحقق وحدة الأمة ثقة بعضهم ببعض وحب بعضهم لبعض واحترام بعضهم البعض وعدم تخوين بعضهم لبعض، فمن هنا استطاع أعداء الإسلام أن ينالوا منا بهذه الصورة التي نراها اليوم، ووصلنا إلى مرحلة أن لا يهتم أحد بالآخر فانظر إلى ما حدث في سوريا، مأساة العصر والقرن، ولا أعتقد أنْ شهد قرن من القرون ما شهده هذا القرن من القتل المستمر والانتهاكات والتدمير، ونحن مشغولون بجهاد الفرق الإسلامية بعضها ببعض، لأن الفرق الإسلامية لم تُرَبَّ هذه التربية التي يريدها الرسول صلى الله عليه وسلم: (المؤمن من أمنه الناس على أموالهم وأنفسهم) ومع الأسف الشديد فأول ما بدأ هؤلاء المتشددون بدأوا بمشاكل مع جبهة النصرة والجيش الحر والآخرين وقتلوا من بعضهم البعض الآلاف!

من أحب الجهاد فأرض الله واسعة ولماذا تقتل أخاك! ولما التفرق! اجتمعوا على جبهة واحدة! فالرسول صلى الله عليه وسلم لم يقل من أمنه المؤمنون بل قال من أمنه الناس، أي كل الناس، فالمؤمنون يأمن بعضهم البعض والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويديه فالأشياء مربوطة بعضها ببعض.

لذا لا أشك، في أنه دبر شيء لهذه الأمة من خلال هؤلاء، بحيث يكون همّ الناس درء مشاكل المسلمين، وأن يستعين المسلمون بالكفرة والأعداء والطامعين لأجل حمايتهم من المسلمين أنفسهم، فهذه الأمور لن تأتي في عشية أو ضحاها، بل تأتي من خلال تخطيط الأعداء، فلو التزمنا نحن بمنهج رسول الله صلى الله عليه وسلم في أن لا يضر أحد من المؤمنين بالآخر  ولا أحد من المسلمين يضر  الآخر لا بلسانه أو يديه لكان هناك الوئام .

لقد وصل الأمر  إلى أن ال(لاءات) السابقة ضد إسرائيل أصبحت نعم ونعم لإسرائيل، حتى ذهب الصهيوني المجرم بنيامين إلى أن يقول: أكثر ما استفدنا من حربنا في غزة، أننا كسبنا الكثير من قادة العرب وأننا على تواصل معهم ما عدا قطر وتركيا وربما بعض الدول الأخرى والله أعلم.

واليوم قضية فلسطين، التي عاش عليها معظم الحكام في 50 السنة الماضية، وعملوا الانقلابات، وقادوا الناس، وفرضوا على الناس أنظمتهم، أصبحوا اليوم يتأمرون ضدها، وضد من يقف مع القضية من الإخوة في الحماس والجهاد الإسلامي وغيرهم وقضية الأقصى والقدس الذي هو أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين والأرض المباركة والتي دائماً نقرأها في القرآن ( سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى )

وفي لقاء لي مع بعض العجم قالوا نستحي أن نقرأ هذه الآية ويفعل بهذا المسجد ما يفعل ونحن ساكتون وصامتون.

متى تثور هذه الأمة! ومتى تتحرك إذا لم تتحرك للقدس! متى يتحرك الحكام والجامعة العربية! وحتى لم نسمع لا تنديداً ولا تشجيباً وكأنهما دخلا في عالم الممنوع.

القضية تتقطع لها القلوب أن تصل أمة مليار و700 مليون نسمة، والعرب 350 مليون نسمة،  إلى هذه المرحلة، والأموال تصرف ضد كل توجه يخدم القضية الفلسطية والقدس ، نحن سنسأل عنها يوم القيامة، وكل يسأل عنه، وقال العلماء بالإجماع إذا احتل جزء واحد من أراضي الإسلام، وليس القدس، وليست الأقصى أو الأرض المباركة في فلسطين، وإنما أي أرض إذا احتلت من قبل الكفار يجب على أهل المنطقة الجهاد فرض العين، ثم على أهل المنطقة الثانية، ثم الثالثة، ثم الرابعة، إلى أن يعم الأمة ويصبحوا آثمين جميعاً إلى أن يحرروا الجزء المحتل.

فالقضية في غاية من الخطورة، أن تصل الأمة إلى الخمود وعدم الإحساس بالمسؤولية، بل أن يصل الأمر إلى المؤامرة حتى في قضية القدس وأن يبقى معبر الرفح مغلقاً وأن تدمر هذه المنطفة التي كانت تحلم بها إسرائيل في أيام السادات ومبارك، فالمنطقة التي دمرت الآن بعمق 300 متر  وبأيدي الجيش المصري وجعلها منطقة عازلة كانت بغية الأعداء والصهاينة وقد تحقق لهم ما أرادوا.

إننا نفوض أمر هؤلاء الظلمة إليك يا رب العالمين الذين يتآمرون بدون وجه حق على القدس والعراق وليبيا وسوريا وأفريقيا الوسطى وبنغلاديش وغيرها من البلاد الإسلامية.


اترك تعليق