الفقهاء ضمير الأمة الحي

By : فتحى أبو الورد

قد تقع من الولاة والحكام بعض الهنات تجاه أهل الذمة، وقد يصدر منهم بعض الإيذاء لهم، ولكن يبقى العلماء العاملون والفقهاء الصادقون ضمير الأمة الحي إذا تجاوز الحكام أو ظلموا، أو جاروا وبدلوا، فهم الأمناء على ميراث النبوة، وهم الحاكمون على تصرفات الحكام والأمراء، فما وقع منهم موافقًا للشرع أقروه، وما جاء على غير هذه الصفة أنكروه وبينوا صوابه، وقلما نجد فى التاريخ الإسلامى عهدا ظلم فيه أهل الذمة إلا وقد ظلم معهم - أو قبلهم -المسلمون. ويبقي إنكار فقهائنا شاهدًا على نقاء صفحة الإسلام وصفائها من كل صنيع يقع مخالفًا للشريعة.


حدثنا التاريخ عن الموقف الإيماني الأخلاقي للإمام الأوزاعي كما يذكر البلاذري في فتوح البلدان حين أجلي صالح بن على بن عبد الله بن عباس قوما من أهل الذمة فى لبنان حين جاءوا بما يعد نكثا للعهد ، فكتب إليه الأوزاعي رسالة طويلة حفظ منها:" قد كان من إجلاء أهل الذمة من جبل لبنان ممن لم يكن ممالئًا –  مساعدًا ومعاونًا- لمن خرج على خروجه ممن قتلت بعضهم، ورددت باقيهم إلي قراهم ما قد علمت، فكيف تؤخذ عامة بذنوب خاصة، حتى يخرجوا من ديارهم وأموالهم وحكم الله تعالى : ﴿ أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ﴾ النجم 38،وهو أحق ما وُقِف عنده، واقْتُدِي به، وأحق الوصايا أن تحفظ وترعي وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه قال: "من ظلم معاهدًا أو كلفة فوق طاقته فأنا حججيه". رواه أبو داود.


وفي زمان عبد الملك بن صالح وقع من أهل قبرص – أيضا - حدث رآه عبد الملك نكثًا للعهد، أو من بعضهم، والفقهاء يومئذ متوافرون، فكتب إلي عدد منهم يشاورهم في محاربتهم فكان ممن كتب إليه الليث بن سعد ، ومالك ابن أنس، وسفيان بن عيينه، وموسي بن أعين ، وإسماعيل بن عياش  ، ويحيى بن حمزة  ، وأبو إسحاق الفزاري  ، ومخلد بن حسين  ، فكلهم أجابه فى المسألة . ثم عقب أبو عبيد القاسم بن سلام على ذلك فى كتابه الأموال  فقال: وقد اختلفوا في الرأي إلا أ نَّ منْ أمره بالكف عنهم والوفاء لهم وإن غدر بعضهم أكثر ممن أشار بالمحاربة.


 وكان مما جاء في كتاب إسماعيل بن عياش:"وإني أري أن يقروا على عهدهم وذمتهم، فإن الوليد بن يزيد قد كان قد أجلاهم إلي الشام، فاستفظع ذلك واستعظمه فقهاء المسلمين، فلما ولي يزيد بن الوليد ردهم إلي قبرص، فاستحسن المسلمون ذلك ورأوه عدلًا.


هذه أخلاقيات فقهائنا النابعة من تعاليم ديننا  ، فأين هذا من أخلاق الآخر الذى يطعننا فى ظهورنا  ؟ وأين هذا ممن يعيشون بيننا ويدينون بالولاء لغيرنا ؟ وأين هذا من الآخر الذى  يستقوى بالخارج ضد أبناء وطنه ؟ وأين أخلاق الآخر من المذابح التى ترتكب فى حق المسلمين  فى بقاع شتى يمثل فيها المسلمون أقلية عددية بل وللأسف فى بعض البلاد التى تقطنها أغلبية مسلمة ؟


لقد سقطت أخلاقيات زعامات الآخر الدينية من سجل الضمير الإنسانى حين صمتت أو أيدت أوحرضت  على قتل المسلمين فى بقاع شتى  لمجرد الهوية .

 

 



اترك تعليق