إلى من ربّانـــي وعلّمنـــي .. إلى القرضــاوي

By :

م. أحمد أبو العمرين

من أرض الرباط، الأرضِ المباركة، أرضِ فلسطينَ الصمودِ والإباء .. أكتب هذه الكلمات الخجلى إلى من ربّاني وعلمني، بل إلى من ربّى الملايينَ وعلّمها .. إلى أستاذ الأمة وشعلة الهمة ومُعلّم العلماء وموجّه الأجيال ومُنظّر التغيير والإصلاح .. إلى شيخي وأستاذي ووالدي فضيلة الدكتور/ يوسف القرضاوي.


فلَكَم تاقت النفسُ للقياك والاجتماع بك والنهْل من علمك وفقهك، وقد منّ الله عليّ بغيضٍ من ذلك في فترة الفتوة، حيث كنتُ ممن تفتّحت عيناه على صورة ذلك العالِم البهيّ الذي يأسر الألباب في شاشة التلفزة القطرية وعلى منبر مسجد أبي بكرٍ الصديق ثم عمر بن الخطاب بالدوحة مُشعًّا بعلمه وفقهه إلى الجيل الصاعد.. إلى الأمة التائهة، إلى العالم أجمع .. وتتلمذتُ على مناهج العلوم الشرعية في المدارس القطرية والتي كان له بصماته ولمساته في إعدادها وتوجيهها لبناء جيلٍ إسلاميّ الهوية والمنهج .. يعرف بوصلته إلى نهضة أمته ورفعة دينه ووطنه.


حتى إذا تفتّح العقلُ ونضج، وبلغ الجسدُ أشده ، كان النهْل من كتبك وسلاسلك الفريدة في شتى صنوف العلم والفكر الإسلامي الثاقب الذي بنى جيلاً بل أمةً تحمل لواء الإسلام فكرًا ومنهجاً، ومشروع حياةٍ لإعادة مجد الإسلام وقوته، وريادة المسلمين وتمكينهم.


لكن المولى لم يُنعم عليّ بدوام جوارك وقربك في الدوحة، وأراد لي كما الكثيرين أن أعود إلى وطني.. الأرض المباركة، أرضِ فلسطين الحبيبة قبيل انتفاضة الأقصى العظيمة متسلحًا بالعلم الذي تلقيتُه من شيخنا، ومتدرعًّا بالتربية العميقة التي أسداها لنا مُربّينا على مدار سنوات الطفولة والشباب، ومتزنّرًا بالروح الدعوية وبالفكر الإسلامي والفقه الوسطي الذي يحمل، والذي لا يعرف الإفراط أو التفريط، ولا يعرف الغلوّ أو التقصير، وحسبي كما غيري من الملايين في شتى أصقاع الأرض.. أننا نعيش معه من خلال كتبك ومؤلفاتك، وبرامجك وخطبك، ومواقفك الحيّة المُلهِمة، حتى غدوتَ لنا نبراساً في دعوتنا وسلوةً لنا في خلوتنا وبلسماً يداوي لوعة فراقك وبُعدك عنا، وفوق ذلك عشتُ مع مذكراتك التي تنوف على أربعة أجزاء أقرأها مراراً لأعيش حياة ذلك العظيم من عظماء الأمة وبقية السلف الصالح -أمدّ الله في عمره- والتي كعادة كتبه ومؤلفاته كانت تزخر بالحِكم الجليلة والفوائد العلمية الضافية، فضلاً عن المواقف التي تصنع التاريخ والتجارب النافعة لكل رجلٍ وصانعٍ للحياة.


ثم كانت انتفاضة الأقصى، نجوب فيها طرقات غزة وفيافيها رجالاً نحمل أكُفَّنا على أروحنا، نواجه أعتى أعداء البشرية عدواناً وظلماً، ونصنع البطولات.. بعد أن صنعتَ فينا أبطلاً لا نهاب الظلم ولا نهاب المنون.. ثم كانت حربُ الفرقان، التي كانت لنا فرقاناً بحق بين مرحلةٍ ومرحلةٍ أخرى فاصلة.. يكون فيها التحرير والتمكين بإذن الله، وعلمك لم يزل سلاحنا، وروحك التي بثثت فينا لم تزل وقود قوتنا وهِمّتنا بعون الله.


ومن وسط المعمعات، ومن أرض البطولات.. اسمح لي أيها الشيخ الجليل، أن أعلن بكل الفخر والاعتزاز.. أن عِلمك أثمر رجالاً، وأن تربيتك أينعت أبطالاً يقارعون المحتل الغاصب، ويوطّئون الطريقَ لجحافل المسلمين المحرِّرة لفلسطين بإذن الله، بل قل أن الجيل الذي بَنيتْ وأن الرجال الذين صنعتَ بعلمك وفقهك وفكرك ورؤيتك للحياة ونظرتك للصراع.. يوطّئ لمثلك إماماً يؤم المسلمين في المسجد الأقصى المبارك، ومرشداً للأمة أجمع يُنير لها طريق العزّة والتمكين.


إنني إذ أكتب اليوم لشيخ الأمة ومعلّم الجيل، فإنه جهد المقلّ وها نحن نلقى شيخنا على أرضنا .. ونطمع أن نرافقه إماماً جامعًا ومرشداً موجّهاً لملايين المسلمين وقد زحفت للصلاة بالمسجد الأقصى مُتوّجًا بذلك عمره الحافل ومسيرة علمه وعطائه، قبل أن يُنعم عليه المولى وعلينا بالشهادة في سبيله كما تمنى ونتمنى، فإنها خير ما يلقى به العبدُ مولاه.


وإننا إذا نترقب هذه الساعة، لنُطمئن شيخنا أننا نكفيك بإذن الله الجهد والجهاد لتحقيق هذه الساعة التي دنت بإذن الله قريبةً عاجلة.


اترك تعليق