الثورات العربية: أزمة الإنسان وأزمة الدولة

By : د. جاسر عودة

"الشعب يريد إسقاط النظام”  كانت صيحة الشارع العربي الذي خرج في 2011م مطالباً بالتغيير وحالماً بـ "نظام” سياسي واجتماعي واقتصادي أفضل. وقد فوجئ الإنسان العربي -بعد أيام معدودات- أن رؤوساً عتيدة للسلطة قد غابت، وأن روحاً من الاحتفال والفرحة قد عمّت، بل وأن العالم شرقاً وغرباً يدعي أنه "يتعلم” من "الربيع العربي” ويتمنى أن ينسج على منواله.

واستمر الحلم شهوراً – طالت أو قصرت- ظن خلالها من ظن أن "الياسمين هزم البندقية”، وأن "السلمية أقوى من الرصاص”، وأن "الربيع أتى بعد الشتاء”، بل وظن البعض بعد جويلات انتخابية أتت في فورة الحماسة أو بريق السلطة أو ردود الأفعال قصيرة النظر أن "المشروع الإسلامي دخل مرحلة التمكين”، وأن "الأمة قد عادت إلى الإسلام”، وأن "أستاذية العالم هي المرحلة التالية”، وهلم جراً.

ولكن، سرعان ما اصطدم الحلم بالواقع وكشفت الحقيقة الخيال. سرعان ما اتضح أن ذلك "النظام” أصيل وعميق ومتغلغل في المجتمعات العربية ولم ولن يسقط أو يتغير ببساطة، واتضح أن "الدولة” العربية هي في أحيان كثيرة مجرد منظومة صمّمت فقط لتخدم جماعات مصالح خطيرة وأسر متنفذة وهيئات معينة في كل دولة، ولن يتورع أي منهم عن استخدام وسائل العنف المذكورة وبكل صرامة لإجهاض كل محاولة للإصلاح والتغيير وضمان الحريات ورد الحقوق وتحقيق العدالة الاجتماعية.

واتضح كذلك أن توازنات القوى الإقليمية والعالمية لم ولن تسمح ببساطة بتغيير "ديمقراطي” في العالم العربي، وأن دون ذلك الأموال والأنفس والأرصدة الاستراتيجية المادية والمعنوية.

وخلاصة الأحداث الكثيرة المتتالية منذ 2011م -ودون الدخول في التفاصيل التي هي خارج نطاق موضوعنا- أن الحال قد عاد في الشأن العام والحقوقي والسياسي والأمني والاقتصادي بل والديني إلى أسوأ من ما كان عليه قبل عام 2011م، رغم أن الشارع العربي ما زال غاضباً من أوضاعه وتائقاً لاسترداد مكانته وكرامته وحقوقه الضائعة، ورغم أنأأ فكرة الثورة ما زالت حية في نفوس الشعوب العربية على الرغم من اتخاذها أشكالاً متباينة بل ومتناقضة أحياناً بين السلمية الشديدة المثالية إلى العنف الشديد الانحراف.

صار الإنسان الثوري العربي بين فكرين نقيضين أحلاهما مر: إما فكر "سلمي” ساذج يضحي بأفضل وأنضج وأغلى شباب وشابات العالم العربي والأمة الإسلامية لصالح الثورة ولكن دون استراتيجية تضمن مكاسب حقيقية مجتمعية وإصلاحية على الأرض، وهو عجيب. وإما فكر عنيف منحرف اتخذ شكلاً شديد الإجرام وانتهج استراتيجية لا تخدم إلا أعداء الإسلام والعرب والإنسانية، ورغم أن خدمته للأعداء ظاهرة بوضوح شديد كالشمس في رابعة النهار إلا أنه يطلق على نفسه أسماء من قبيل "الدولة الإسلامية” و”خلافة المسلمين”، وهو أعجب!

وقد علمتنا الأحداث منذ عام 2011م درساً مهماً، ألا وهو أن تفاؤلنا حينئذ بتغير حاسم وسريع وتاريخي لم يكن في محله، وأن التغيير الحقيقي المنشود في العالم العربي والإسلامي لن يكون سهلاً ميسوراً لأن دونه عقبات جسام لابد لها أن تتغير أولاً، لعل أكبرها في نظري تغييران مهمان منشودان: أولهما تغيير في بناء الإنسان نفسه، وثانيهما تغيير في بناء الدولة نفسها.

أما الإنسان، فقد أكدت الأحداث أن عندنا مشكلة كبرى في بنائه ثقافياً وفكرياً وخلقياً ودينياً وصحياً ومهنياً وتربوياً واجتماعياً، وأن الإصلاح السياسي الجزئي الذي قد تنتجه أي "ثورة” في أعلى سلم السلطة لن يصمد –ولو كان مؤيداً بصندوق انتخاب- دون إصلاح تعليمي وأخلاقي وثقافي واجتماعي ومهني وفني وإعلامي يؤازره ويحافظ عليه، وأن ثلاثي الفقر والجهل والمرض هم أعداء الثورة والإصلاح الحقيقيون الذين لن تقوم لهما قائمة ما داموا متوغلين في هذه الشعوب. فمع الفقر تضيع المبادئ والقيم والكرامة، ومع الجهل تضيع العقلانية والحكمة والدين، ومع المرض تضيع العزيمة والأموال والحياة. إذن فنحن نحتاج إلى ثورة فكرية وأخلاقية وحضارية تتجذر أولاً في المجتمع ثم تنشأ على أساسها مؤسسات مدنية تضمن استمرارية أي تغيير سياسي حقيقي.

وأما "الدولة” في العالم العربي، فقد أثبتت الأحداث أن في بنائها الحالي خللاً فادحاً، بدءاً من التعصب للتعريف الحدودي الضيق (السايكسبيكي الريموني اللوزاني أصلاً) للدولة الوطنية العربية،[1] والذي رأينا معه من خلال أحداث كثيرة كيف تضيع مع العصبية الوطنية المصالح المصيرية المشتركة، بل والأخلاق والقيم الإنسانية في تعامل كل دولة -إلا من رحم الله- مع الدول الأخرى ولو كانت شقيقة صديقة، ولو كانت ضحية معتدى عليها، ولو كانت في حد ذاتها تمثل بعداً استراتيجياً هاماً للجميع.

ثم رأينا الخلل الواسع في مختلف الدول وبأشكال مختلفة متمثلاً في الاستبداد العسكري بالقرار السياسي، وتحكم ذوي النفوذ السياسي بمختلف مستويات وأنواع السياسات في الدولة حتى تصنع لخدمة السياسيين بدلاً من أن تخدم الصالح العام والخير المشترك، ورأينا الاحتكار الغير مشروط للسلطات من التنفيذيين على رأس الدولة الوطنية لمجرد تحكمهم في قرار استخدام وسائل العنف فيها، ثم رأينا كيف تستباح بوسائل العنف هذه دماء وأعراض دون حق -بل وباسم الدين أحياناً- لمجرد المعارضة في الرأي أو تبني إيديولوجية سياسية مختلفة أو المناداة بالحقوق أو القصاص لدماء سفكت ظلماً.

وأخيراً وليس آخراً في موضوع إشكاليات الدولة العربية، رأينا بأم أعيننا خلطاً ممنهجاً وخطيراً بين السلطات الخمسة – إن صح التعبير: التنفيذية والقضائية والتشريعية والإعلامية والمجتمع المدني، وبين القرار السياسي والقرار السياساتي، وبين سلاح الدولة وسلاح العصابات وقطاع الطرق، وبين العقيدة السياسية والعقيدة الدينية. وما زال الطريق طويلاً، والله المستعان.

ونحن نعتقد أن الحل لهذه الأزمات في الدولة العربية هو في الوصول إلى وعي شعبي اجتماعي وسياسي يضمن بناء دولة "مدنية” "تعددية” تبني سياساتها على أسس أخلاقية، ونعتقد أن الإسلام كمنهج حياة وفكر إنساني وهوية حضارية قادر على تقديم الكثير في بناء الوعي والإصلاح المنشود – ثورياً كان أم تدريجياً، عربياً كان أم إسلامياً أم عالمياً.

إلا أن العهد قد طال والبون قد اتسع بين فكر وفقه «السياسة الشرعية» كما درسناه في الكتب التراثية وبين واقع المسلمين الحضاري والسياسي والسياساتي المعيش اليوم، والمفاهيم التي تحكم ذلك الواقع بدءًا من أصوله وفلسفته وانتهاءً برؤية مؤسساته ومعايير تطبيقاته.

والبحث والتجديد والتوسيع لعلم السياسة الشرعية بأصوله وفروعه هو أمر يجب أن يهتم له كل حريص على مستقبل الإسلام ومصلحة المسلمين، وأن يدلي كل من له دلو صالح بدلوه في هذه الحالة الراهنة من التجاذبات والمداولات الواسعة حول عدد من القضايا المهمة التي يعيشها العالم العربي والفكر الإسلامي في هذه المرحلة.

وقد طُرحت مؤخراً أفكاراً حول قضية الدولة دارت حول مفهوم "الدولة المدنية”، وأفكاراً حول نظام الدولة دارت حول مفهوم "التعددية السياسية”، وأخرى حول قضية المرجعية في شؤون السياسة دارت حول مفهوم "المرجعية الإسلامية”.

ولكن ينبغي أن نركز على طبيعة الدولة الوطنية المنشودة، والتي هي مرحلة في رحلة عودة الأمة الإسلامية إلى رشدها ووحدتها، والتي نتصورها دولة مدنية ذات مرجعية مقاصدية، ويعني هذا أن نتصور طبيعتها "المدنية” متمثلة في بعدين: أولهما تعددية سياسية بمفهوم يوسع مفهوم السياسي ليشمل كل التيارات السياسية أياً كانت ويشمل كذلك الحركات والهيئات المدنية، وثانيهما أولوية للسياسات، أي أن الدولة تولى أولوية للسياسات التي تهدف للصالح العام وتحقيق العدالة الاجتماعية. وقد تصورنا مرجعية تلك الدولة المدنية فكرياً وقيمياً وفلسفياً متمثلة في مقاصد الشريعة الإسلامية.

[1] الوزيران الفرنسي فرانسوا بيكو والبريطاني مارك سايكس وصلا لاتفاقية سرية عام 1916 بمباركة من الإمبراطورية الروسية وقتها على اقتسام الهلال الخصيب وبلاد الشام بين فرنسا وبريطانيا، ثم كشف عنها الشيوعيون حين حكموا روسيا بعدها بعام، مما أثار الشعوب شيئاً ما، ولكن التقسيم مضى قدماً بمؤتمر سان ريمون عام 1920، ثم بغيره من المعاهدات والمذكرات مثل معاهدة لوزان عام 1923. ورسمت تلك الاتفاقيات ومثيلاتها في ما تلا ذلك من عقود حدوداً لأول مرة في التاريخ، وهي الحدود الحالية لكل من: العراق وسوريا ولبنان وتركيا والأردن، ثم فلسطين، والتي قامت "إسرائيل” فوق أجزاء كبيرة منها سنة 1948. وهناك قصص شبيهة بهذه القصة في فحواها وتلاعبات موازين القوى العالمية فيها إلى أن وصلنا إلى كل التقسيمات والحدود الأخرى تقريباً في عالمنا العربي والإسلامي بشكل عام.


اترك تعليق