العقيدة بين التفعيل والتأصيل

By : هاني إسماعيل محمد

بعد الانفتاح الإعلامي وعصر السماوات المفتوحة أصبح للقنوات الفضائية دور بارز في نشر الثقافة الإسلامية وإحياء العلوم الشرعية في المجتمعات العربية والإسلامية، فسادت القيم الدينية والسلوكيات الإسلامية بين عامة الناس، وعادت روح الشريعة إلى الجماهير المتعطشة إلى مرضات ربها، تخطو بخطى حثيثة، وتلهث بأنفاس متسارعة شعارها عجلت إليك ربي لترضى، بعد سنوات عجاف من القمع الفكري والتعسف الأمني، والتشويه الإعلامي لكل ما هو إسلامي، بيد أنه ـ في هذه الزخم العلمي الكمي والكيفي ـ كانت هناك بعض الملاحظات التي شابت هذه الصحوة الدعوية من خلال بعض البرامج الفضائية، لا أقصد تلك البرامج المثيرة للفتن أو لهذه القضايا الشاذة، التي تبث عن سوء نية وسوء قصد على حد سواء، بل أقصد هذه البرامج التي تطرح بعض القضايا المختلف فيها، بحسن نية، وبدافع الغيرة على الدين والرغبة في التعليم، يتناولها شيوخ وعلماء لا نشك في إخلاصهم ولا نتهم علمهم.

 

من هذه القضايا العلمية الشائكة التي طرحت على القنوات الفضائية في برامج دينية، قضايا العقيدة الإسلامية، وخاصة القضايا الخلافية منها، مثل صفات الله وأسمائه، فمن المعلوم أن صفات الله الخبرية دارت بينها معارك علمية ومدارس جدلية عديدة بين السلف والخلف، بين مُأوّل ومفوض، ومثبت ومتأول، ولكل دليله وحجته.

 

لا يجانبنا الصواب إن قلنا أن هذه المسائل الخلافية ـ في كثير منها ـ من المتشابه الذي يجب أن نؤمن به ونسلم به دون تكلف أو تعمق {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ } [آل عمران: 7]

 

هذا نهج الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم تعالى الذي تعلموه من المدرسة النبوية، الذي يقوم على عدم البحث عن هذه المسائل التي لا ينبني عليها إلا الشقاق والنزاع، والتي لا تزيد القلب إلا شكا وريبة، وقد قالت امرأة بفطرتها السليمة للإمام الرازي عندما قيل لها أنه أتى بألف دليل على وجود الله: "والله لو لم يكن في قلبه ألف شك ما احتجنا لألف دليل، ما الحاجة إلى ألف دليل على وجود الله تعالى" من ثَمّ قال الإمام الجويني وهو يدرك أن الفطرة السليمة خير من ألف دليل ودليل: "عليكم بدين العجائز"([1]). 

 

حقيقة يجب أن نسلم بها أن العوام من الناس والبسطاء من المسلمين يملكون فطرة نقية سليمة لم تلوثها الشبهات ولم تعكرها النزاعات الجدلية، عن أبي هريرة فيما رواه البخاري في صحيحه أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال([2]): «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَا تُنْتَجُ البَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ، هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ»، ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ } [الروم: 30]

 

وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم كثير من الأحاديث التي تأمرنا بالكف والإمساك عن الخوض في هذه المسائل التي يعجز العقل عن إدراك كنهها وسبر غورها، فيقول عليه أفضل الصلاة وأتم السلام: «تفكروا في آلاء الله ولا تفكروا في الله عز و جل» ([3]) ، ويقول ـ أيضا ـ : «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْتِي أَحَدَكُمْ فَيَقُولُ مَنْ خَلَقَ السَّمَاءَ فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَيَقُولُ مَنْ خَلَقَ الْأَرْضَ فَيَقُولُ اللَّهُ فَيَقُولُ مَنْ خَلَقَ اللَّهَ فَإِذَا أَحَسَّ أَحَدُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ هَذَا فَلْيَقُلْ آمَنْتُ بِاللَّهِ وَبِرُسُلِهِ»([4]) .

 

وفي هذا توجيه نبوي للأمة إلى الاشتغال بالحكم الربانية في الأحكام التشريعية، والأسرار الإلهية في المخلوقات الكونية بدلا عن الاشتغال فيما لا نطيق ولا نقدر، فتزل الأقدام وتخطئ الألسن والأفهام، وقد تزيغ القلوب وتضل العقول وتُتبع الأهواء، إذا تكلفنا أو تعسفنا، ولكن إذا تشبثنا وتمسكنا بنهج الصحابة فنسكت عما سكتوا ونتكلم فيما تكلموا ونتوقف عما توقفوا، ونسلك ما سلكوا نجونا كما نجوا بإذن الله.

 

وعلى هذا أكد الإمام أبو حامد الغزالي حين طلب من كل من وصله حديث في صفة من صفات الله تعالى أن يسكت: فلا يسأل عن معناه، ولا يخوض فيه، ويعلم أن سؤاله عنه بدعة، وأنه في خوضه فيه مخاطر بدينه، وأنه يوشك أن يكفر لو خاض فيه من حيث لا يشعر([5]).

 

وعلى هذا النهج سار الأئمة الأربعة رضوان الله تعالى عنهم جميعا، من قبل، فعن أبي حنيفة رضى الله عنه قال: «لا ينبغي لأحد أن ينطق في ذات الله بشيء بل يصفه بما وصف به نفسه ولا يقول فيه برأيه شيئًا تبارك الله وتعالى رب العالمين»([6]).

 

أما الإمام مالك بن أنس إمام المدينة رضي الله عنه فيحذر قائلا: "إياكم والبدع قيل يا أبا عبد الله وما البدع؟ قال أهل البدع الذين يتكلمون في أسماء الله وصفاته وكلامه وعلمه وقدرته ولا يسكتون عما سكت عنه الصحابة والتابعون لهم بإحسان"([7]).

 

 وعن الشافعي أورد الذهبي عن المزني أنه قال: «قلت: إن كان أحد يخرج ما في ضميري وما تعلق به خاطري في أمر التوحيد فالشافعي؛ فصرت إليه وهو في مسجد مصر، فلما جثوتُ بين يديه قلت: هجس في ضميري مسألة في التوحيد فعلمت أن أحدًا لا يعلم علمك فما الذي عندك؟ فغضب ثم قال: أتدري أين أنت؟ قلت: نعم. قال: هذا الموضع الذي أغرق الله فيه فرعون، أبلغك أن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أمر بالسؤال عن ذلك؟ قلت: لا. قال: هل تكلم فيه الصحابة؟ قلت: لا، قال: تدري كم نجمًا في السماء؟ قلت: لا، قال: فكوكب منها تعرف جنسه، طلوعه، أفوله، مم خُلق؟ قلت: لا، قال: فشيء تراه يعينك من الخلق لست تعرفه تتكلم في علم خالقه؟ ثم سألني عن مسألة في الوضوء فأخطأت فيها ففرعها على أربعة أوجه فلم أُصِبْ في شيء منه فقال: شيء تحتاج إليه في اليوم خمس مرات تدع علمه وتتكلف علم الخالق إذا هجس في ضميرك ذلك فارجع إلى قول الله تعالى: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [البقرة: 163، 164]. فاستدِل بالمخلوق على الخالق ولا تتكلف على ما لم يبلغه عقلك»([8]).

 

ويروي عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه أنه قال: «كتب أبي إلى عبيد الله بن يحيى بن خاقان لست بصاحب كلام، ولا أرى الكلام في شيء من هذا، إلا ما كان في كتاب الله أو في حديث رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فأما غير ذلك فإن الكلام فيه غير محمود»([9]).

 

أكد الأئمة على ضرورة الوقوف عند حدود السنن، وعدم الولوج في الفتن، وجعلوا الكلام في هذه المسائل وإثارتها من البدع المذمومة التي يجب هجرها، والنهي عنها، وهم في ذلك على قاعدة عظيمة في الاتباع ذكرها عبد الله بن مسعود حين قال([10]): إياكم وما يحدث الناس من البدع، فإن الدين لا يذهب من القلوب بمرة، ولكن الشيطان يحدث له بدعا حتى يخرج الإيمان من قلبه، ويوشك أن يدع الناس ما ألزمهم الله من فرضه في الصلاة والصيام والحلال والحرام، ويتكلمون في ربهم عز وجل فمن أدرك ذلك الزمان فليهرب، قيل: يا أبا عبد الرحمن فإلى أين؟ قال: إلى لا أين. قال يهرب بقلبه ودينه لا يجالس أحدا من أهل البدع.

 

لا ينكر أحد أن الخير كل الخير في اتباع السلف الصالح والالتزام بفهمهم الصافي للإسلام وعقائده، ولا يجحد أحد أن خير منهج لدراسة العقيدة الإسلامية هو منهج القرآن الذي ضرب صفحا عن الخوض في التفاصيل والاستطراد في الجدال، بينما ركز على الأدلة الساطعة والحجج الواضحة {وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [البقرة: 118].

 

الناس في حاجة إلى معرفة الله للقرب منه، والتمسك بهديه، وليست في حاجة إلى التعمق في ذات الله والكشف عن الحجب والأسرار، الناس في حاجة إلى تطهير القلوب من أوثان الشرك وتثقيف العقول بنور الإيمان الراسخ في أرواحهم منذ عالم الذر، {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ } [الأعراف: 172].

 

جاء الخطاب القرآني واضح الدلالة مفهوم الغاية، يدخل إلى لب الموضوع بعيدا عن المهاترات الكلامية، أو المجادلات الفلسفية، يخاطب القلوب في صفائها والعقول في جلائها، {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (136) فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (137) صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (138)} [البقرة: 136 - 138]

 

ما أحوجنا إلى الخطاب القرآني مع عامة الناس أصحاب الفطرة النقية، نوقظ فيهم الإيمان المخدر، فنحدثهم عن اليقين والتوكل، الذي أوشك أن يفقدوهما في متاهات المطالب الحياتية، والاحتياجات الاجتماعية، والأزمات الاقتصادية، ما أحوجنا أن نحدثهم عن الإيمان بالقضاء والقدر والرضا بما كتب الله تعالى لنا بعد أن فرضت المدنية الحديثة سُعارها الاستهلاكي، وجعلتهم يتنافسون ـ رغبة أو رهبة ـ على زينة الحياة الدنيا ومباهجها، ما أكثر أبواب العقيدة التي يحتاج إليها الناس في حياتهم اليومية وفي حركاتهم وسكناتهم؛ وعلى رأس هذه الأبواب باب الإيمان بالكتب السماوية وأولها قدرا وآخرها زمنا القرآن الكريم، فالمسلمون في حاجة ماسة إلى الإيمان بالقرآن قولا وعملا، وتحويله إلى قرآن يمشي على الأرض فيكون أخلاقا عملية لا مناظرات جدلية، يكون شريعة ودستورا حاكما، وقد رأينا من المسلمين ـ العامة قبل الخاصة ـ من يظن أن الزمان والمكان غير صالحين للاحتكام إلى القرآن، ويعارض بكل ما أوتي من جهل ولباقة تطبيق الشريعة، فنحن نحتاج إلى العقيدة التي تدفعنا بإيمان راسخ إلى العمل الشامخ لإعمار الدنيا وحصاد الآخرة، فالعقيدة  الإسلامية جاءت للتطبيق لا للتنظير، وللتفعيل لا للتأصيل.

د. هاني إسماعيل محمد

كلية العلوم الإسلامية بجامعة غِرَسُنْ التركية

عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

الهوامش

([1]) تلبيس إبليس: أبو الفرج ابن الجوزي، دار الفكر، بيروت، ط أولى 1421 هـ ، 2001م ، ص 77

([2]) صحيح البخاري: ح رقم 1359 ، تحقيق: محمد زهير بن ناصر، دار طوق النجاة، ط أولى 1422 هـ ، 2/95

([3]) حسنه الألباني في السلسلة الصحيحة، ح رقم 1788 ، مكتبة المعارف، الرياض، 4/395

([4]) رواه أحمد في مسنده، ح رقم 8376 تحقيق شعيب الأرنؤوط وآخرون، مؤسسة الرسالة، ط الثانية 1420 هـ ، 1999م ،  14/109

([5]) إلجام العوام عن علم الكلام: مجموعة رسائل الإمام الغزالي، محمد أبو حامد الغزالي ، دار الفكر، بيروت، 1416 هـ ، ص302

([6]) أصول الدين عند الإمام أبي حنيفة: محمد بن عبد الرحمن الخميس، دار الصميعي، ط الأولى 1416 هـ / 1996م ، ص 299

([7]) ذم الكلام وأهله: عبد الله بن محمد الهروي، تحقيق عبد الرحمن عبد العزيز الشبل، مكتبة العلوم والحكم، 1418هـ ، 1998م، 5/70

([8]) تاريخ الإسلام للذهبي: تحقيق عمر عبد السلام ترمدي، دار الكتاب العربي، بيروت، ط أولى 1407هـ / 1987م، 319/14

([9]) جلاء العينين في محاكمة الاحمدين لابن الألوسي: طبعة المدني،  1401 هـ - 1981 م ، ص 460

([10]) الحجة في بيان المحجة وشرح عقيدة أهل السنة للأصبهاني: تحقيق محمد ربيع، دار الراية، الرياض، 1419 هـ 1999م، 1/339



اترك تعليق