الحكمة وأهميتها في تربية الفرد والجماعة

By : أ. د. علي القره داغي

أولى الله سبحانه وتعالى عناية كبرى في كتابه الكريم وسنة نبيه العظيم صلى الله عليه وسلم بكلمة جامعة ، كلمة نادرة الوجود في التطبيق ولكنها عزيزة وكريمة عند الله سبحانه وتعالى ولها مكانة كبيرة حتى وصف الله سبحانه وتعالى نفسه بها في أكثر من آية ودعا سيدنا إبراهيم على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام عندما أودع إسماعيل بوادٍ غير ذي زرع عند بيته المحرم بأن يكون رسول هذه الأمة متصفاً بهذه الكلمة.

ووصف الله كتابه كذلك بهذه الكلمة تلكم الكلمة العظيمة هي كلمة الحكمة. الحكمة وضع الشيء في محله والحكمة هي التعامل بالهدوء والطمأنينة والنظر إلى الوسائل المستعملة والنتائج المترتبة على كل تصرف وقول للإنسان أو ما نحن نسميه في علم أصول الفقه بفقه المآلات.

لا ينظر صاحب الحكمة إلى واقع اليوم وإنما ينظر إلى الجذور في الماضي وآثار هذا التصرف أو هذه الكلمة في المستقبل بكل ما تعني هذه الكلمة من آثار إيجابية أو آثار سلبية وسواء كانت هذه الآثار سياسية أم اجتماعية أم اقتصادية أم أي نشاط آخر حينما تتحقق هذه الرؤية وحينما يفكر الإنسان ويتصرف ويضع الأمور في نصابها ويبحث عن المعلومات الكافية عن النتائج وينظر إلى المستقبل البعيد جداً حينئذ تكون هذه الكلمة ويكون هذا التصرف تصرفاً حكيماً.

وقد وصف الله ذاته العلية وكتابه الكريم في أكثر من 40 أية  بالحكمة، منها ( وهو العليم الحكيم) وفي (وهو العزيز الحكيم) و(وهو الحكيم الخبير). ففي المرتين الأوليتين يؤخر الحكمة وفي الثالثة يؤخر خبير ويقدم الحكمة مما يفهم من هذه التركيبة أن الحكمة لا يمكن أن تتحقق إلا من خلال العلم بماضيه وحاضره ومستقبله وفي مآلاته وعلم الله علم شامل لا ندركه ولا أي جزء من جزئياته ولكنه يشير على الإنسان بأنه إذا أراد أن يكون حكيماً أن يسعى للعلم المتاح تأريخياً واجتماعياً وثقافياً وسياسياً، ومن هنا قدم الله سبحانه وتعالى العلم على الحكمة لأن الحكمة لا يمكن أن تتحقق إلا من خلال العلم.

وفي الأمر الثاني أيضاً سبق الحكيم كلمة العزيز مما يشير  إلى الجانب التطبيقي فالله عزيز أي غالب على أمره إذا أراد شيئاً نفذه مما يدل على أن الحكمة أيضاً مرتبطة بما يستطيع الإنسان أن ينفذه أما مجرد الخيال أو التصورات بعيدة عن التطبيق فهذه بعيدة عن الحكمة.

أما في الآيات التي قدم الحكمة على الخبر فهذه واضحة جداً من أنه لا يجوز للإنسان أن يحكي خبراً أو كلمة من الآخر إلا إذا كانت لديه الحكمة في تحليل هذا الخبر ثم بعد ذلك لو كان الخبر صادقاً لا بد أن ينظر إلى آثار هذا القول أو هذا النقل إن كان يفيد الأمة أو يضرها أو يفيد نفسه أو يضر بها.

وحينما أودع سيدنا إبراهيم زوجته هاجر في مكة المكرمة وبواد غير ذي زرع حينئذ رفع يده إلى الله سبحانه وتعالى داعياً (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)، علِم سيدنا إبراهيم بأن الرسالة إن لم تكن معها الحكمة لن تسطيع أن تحقق المطلوب من التمكن في الأرض ومن تحقيق فكرة الاستخلاف التي جعلها الله سبباً لجعل الإنسان على هذه الأرض وهذا الاستخلاف من العبودية لله سبحانه وتعالى . فاستجاب الله لهذا الدعاء ومنّ على المؤمنين وقال (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) واللام في (لقد) للتوكيد والام الموطئة للقسم أي اللام للقسم المحذوف (والله) أي أن الله يقسم بذاته العلية بأنه مَنَّ الله على المؤمنين أكبر منٍّ بأن بعث فيهم رسولاً منهم يعلمهم الكتاب والحكمة.

ثم أضاف الله أمراً آخر لم يذكر لأي نبي من الأنبياء وهو أن الله أنزل مع هذا الكتاب الحكمة (وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا) ورغم أن الحكمة من نتاج الفكر والعقل السليم والعقل المسترشد بالوحي ولكن الله لأهمية هذه الرسالة ولأهمية هذه الأمة ولطبيعة هذه الأمة التي كانت أمة جاهلية وعاطفية ولأن العواطف إذا صارت عليها الأمة أو الجماعة أو صار عليها الفرد فإن العواطف عواصف تعصف بالإنسان والجماعة والدولة وبالحضارة ، فرغم أن الله زود رسوله صلى الله عليه وسلم بعقل حكيم وبفطرة سليمة عظيمة ومع ذلك أنزل الله عليه الكتاب والحكمة.

وجعل الله من أهم وظاف هذا الرسول صلى الله عليه وسلم ومن أهم ما طلب منه أن يعلم أمته الحكمة (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ).

كل هذه الآيات مرتبطة بعضها ببعض فتلاوة الآيات لتحقيق السمو الروحي فإن لم يكن هناك سمو روحي مرتبط بالله سبحانه وتعالى لن تكون هناك الحكمة المنشودة ويزكي أنفسهم ويطهرها من الطمع والجشع والحقد والشهوات النفسية والشهوات الجنسية والحيوانية والغضبية لأن الانسان الذي يكون عبداً لأهوائه المالية أو السياسية أو الكرسي يكون أبعد الناس عن الحكمة فيزيكهم بعد هذا السمو الروحي وبعد تزكية النفس والقلوب يأتي دور تعليم الكتاب والحكمة مع بعض حينئذ يتحقق الخروج من الضلال المبين.

واليوم أمتنا الإسلامية في مجال العبادات جيدة ولكن في مراحل السمو الروحي وإحساس الروح بالأخرين هل وصلنا إلى هذه المرحلة . فإخواننا في داخل سوريا وخارجها مات منهم عدد من الأطفال والمسنين فهل اهتزت قلوبنا وسمت روحنا وأحست بهذه المعاناة التي أراد الله سبحانه وتعالى أن نكون جسداً واحداً فيها ؟ فحينما نكون ماديين نبحث عن مصالحنا وشهواتنا فقط نكون أبعد الناس عن الحكمة ومقتضى الكتاب حتى ولو كنا قوامين صوامين ومجتهدين في أمورنا العبادية لأن الإسلام وحدة متكاملة ليست مجرد عبادات فالعبادة ترتقي بك وتجعلك عبداً صالحاً حساساً ولكن السمو الروحي والنفس الطاهرة والقلوب الزكية الطاهرة التي تحب الناس جميعاً، وكذلك الأمر في المآلات والنتائج.

لذلك ركز الرسول صلى الله عليه وسلم في تربيته على هذه العناصر الأساسية الأربعة من السمو الروحي وتزكية النفس والقلب وتعلم الكتاب وكذلك الحكمة هذه الأمور الأربعة هي المقومات الأساسية لهذه الأمة وحينما نفقد كلها أو بعضها حينئذ نفقد الخيرية التي أرادها الله سبحانه وتعالى لنا.

أمرنا الله سبحانه وتعالى بالأخذ بهذه الحكمة أفراداً وجماعات ودولاً، فكل خطابات الله تعالى موجهة إلى الإنسان الفرد والجماعة والدولة ولكن كل واحد منهم يتحمل مسؤوليته بقدره (فاتقوا الله ما استطعتم).

هذه الحكمة هي الأساس في تصرفاتنا مع أنفسنا ومع أسرتنا وأهلينا وزوجاتنا وأقاربنا وجيراننا ولا تخلو التصرفات ولا يخلو أي نشاط إنساني من أن تصحبه الحكمة وإلا ستكون هناك فوضى ومخالفة لأمر الله سبحانه وتعالى وهذا الدين هو دين الحكمة وهذا الدين أنزل الله فيه الكتاب والحكمة  وليس الكتاب فقط ويعلمهم أيضاً الكتاب والحكمة  ومنة من الله فكل ذلك تدور حول الحكمة والأخذ بها في تصرفاتنا.

وما وصلنا إليه اليوم هي نتيجة من نتائج عدم التصرف بالحكمة ولذلك يقول الله في قضية الحكمة التي هي نتاج الفكر والفطرة السليمة بينما الكتاب وحي من الله وكذلك سنة الرسول في مجال التشريع ايضا (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى)  وذكر الحكمة مع الكتاب أي لا تستغني الأمة عن الحكمة وهذا دليل على أهمية العقل وأن الامة تعيش بهذين العنصرين أي الكتاب والحكمة والكتاب مهما كان فهو نصوص شرعية لا يجوز المس بها ولكن كيف نطبقها لذلك ذكر الله الكتاب مع الميزان أي ميزان التنزيل فالعقل السليم والفطرة السليمة تصحل النصوصو في الفهم والتنزيل والاجتهاد وحينمن نفقد هذا الجانب تكون هناك الفوضى والخطورة.

لذلك يقول رب العالمين بأنه ( يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤتى الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً ) والخير أي أفضل أي أفضل شيء وكثير ( وما يذكر إلا أولو الألباب ) أي أصحاب العقول فلا ينتبه إلى الحكمة إلا من كان له عقل.

وبعض الحكام الذين يتصرفون خوفاً على كراسيهم دون حكمة انظر إلى مآلات تصرفاتهم في الأمة. الحكام الذين دعموا الحوثيين في اليمن بدون حكمة انظر إلى ما يحدث في اليمن وانظر إلى مآلات أفعالهم فسببب كرههم لجماعة أو لفلان لا يجوز أن تدمر نفسك وغيرك، أين فقه المآلات والنتائج والموازنات والمصالح والمفاسد ناهيك عن النصوص القرآنية في هذا المجال.

أعتقد  أننا محتاجون لإعادة النظر في تصرفاتنا وأقوالنا وأخطر شيء في عدم الحكم هو التسرع فلا يمكن أن تكون هناك الحكمة مع التسرع بل لا بد أن يكون هناك هدوء وطمانينة ولا بد أن يكون هناك دراسات بل الذي أفهمه من هذه الآيات خاصة على مستوى الجماعات والدول لا بد أن يكون هناك استراتيجيات ولا بد أن تكون هناك دراسات لاستشراف المستقبل .

ما تعاني منه هذه الأمة تعود لكثير من الأسباب ولكنه ربما من أهم أسبابها عدم وجود هذه التربية السليمة منذ النشأة فكثير من شبابنا لا يفقهون الحكمة الأساسية لكثير من النصوص الشرعية ولا ينظرون إلى تصرفات الرسول صلى الله عليه وسلم إلا إلى الجانب الحربي وهو جزء بسيط من جوانب حياة الرسول صلى الله عليه وسلم مع أن المشركين هم كانوا يحاولون اجتثتاث الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته  وأن المسلمين كانوا في موقف الدفاع وكل الآيات القرآنية تدل على ذلك ولكنه مع ذلك لا يمثل 5% من أنشطة الرسول صلى الله عليه وسلم وجهوده في التربية وتعليمه الناس الحكمة حتى تكون خير أمة أخرجت للناس.

فانظر إلى تصرف الرسول صلى الله عليه وسلم مع عبد الله بن أُبَي بن سلول وقد سجل القرآن الكريم هذه الحادثة حيث يقول (يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ  وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ) ومع ذلك تعامل الرسول صلى الله عليه وسلم بالحكمة، لم يقتله ولم يسجنه وإنما عالج من حوله ولما سئل لِمَ لا يتقل هذا المنافق وغيره في المدينة ومنهم مردوا في المدينة  فيقول الرسول صلى الله عليه وسلم رداً على هذا السؤال ( حتى لا يقال إن محمداً يقتل أصحابه )  مع أن عبد الله يقول كلاما عن الرسول صلى الله عليه وسلم والمهاجرين كما ذكر في السيرة (سمن كلبك يأكلك) ويقصد به أنهم ساعدوا المهاجرين وهم الآن يأكلوننا، كلمات بذيئة وكفر ولكن الرسول الحكيم صلى الله عليه وسلم يقول ( حتى لا يقال إن محمداً يقتل أصحابه ) بمعنى اليوم أي خوفاً من أن تشوه صورة الإسلام فلا أقتل هذا المنافق أو غيره.

واليوم في فرنسا يعيش 7 ملايين مسلم يواجدهم اليمين المتطرف ويطالبون بطرد المسلمين والتضييق عليهم ولم يستجب لهم من قبل الحكومة ومعظم الشعب الفرنسي ولكن اليوم بعد هذه الحادثة وقتل الصحفيين أعطيت لهم المبررات أكثر  فأكثر  للتضييق على المسلمين في فرنسا.

فهل هذا هو الدفاع عن الرسول صلى الله عليه وسلم؟ أيقبل الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك؟ أين الحكمة؟ وأين فقه المآلات؟ مع العلم أن الكفار ليسوا مكلفين بالفروع فأهم واجبات المسلم دعوتهم أولاً وكذلك الحدود من وظيفة الدولة والقتل لا يجوز إلا من خلال الحكم والمحكمة فهل تمت كل هذه الإجراءات؟!.

فبعد ما عمل داعش في الدول الإسلامية ما فعلوا، أنشأ الغرب حلفاً ما كان لهم أن ينشئوه لولا أفعال داعش حتى الدول المترددة دخلوا في الحلف بعد مقتل صحفييهم فخربوا هذه البلاد ويخربون على هذه الأقليات المسلمة الذين يعيشون في الغرب الذين ذهبوا إلى هناك ما ذهبوا فاتحين وإنما ذهبوا إما بسبب الرزق أو كانوا مضطهدين في بلادهم أو للعلم واليوم يضيق عليهم بسبب هذه الأفعال فهل هذه هي الحكمة؟!.

وقد أدان الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين قتل الصحفيين وأدان قبله حرق المساجد في السويد وتجد أحد هؤلاء الشباب يرد بأنه سجد شكراً على هذه الأفعال! أيسجد على فعل الإثم ! ويهاجم بمنتهى قلة الأدب كبار العلماء والاتحاد الذي يضم أكثر من 100 الف عالم مسلم.

وفي المقابل انظر إلى حال إخواننا في غزة الذين دمرت بيوتهم وفي سوريا الذين لجأوا إلى المخيمات وماتوا بسبب البرد وهناك حديث صحيح من الإمام أحمد بمامعناه { ما من أهل عرصة يصبح بينهم امرؤ جائع إلا برئت منهم ذمة الله، إنسان جائع وليس الموت وفي حديث آخر فقد برئت ذمة الله، فقد ترك االسوريون للموت إما بالبراميل وقصف التحالف أو البرد وهذا ابتلاء لنا هل نقف معهم؟ وهل تهتز  قلوبنا لهؤلاء؟.

لذا واجب علينا أن نغيثهم ونعمل من أجلهم ولو صرفنا ما صرفناه من الأموال في أعياد الميلاد على هؤلاء لما ماتوا من البرد أو الجوع.  


اترك تعليق