الأخلاق في الطب - الحلقة الخامسة والأخيرة

By : أحمد الريسوني

الرحمة في أسماء الله وصفاته 

الرحمة وما يندرج فيها ـ أو يتداخل معها ـ من المعاني التي ذكرتها، هي أوسع المعاني المضمنة في أسماء الله تعالى وصفاته . بل لا شك أن رحمة الله تعالى موجود معناها في كل أسماء الله وصفاته . ولكننا نعني الآن ـ خاصة ـ الأسماء المعبرة عن معاني الرحمة، بشكل ظاهر ومباشر.

ـ من هذه الأسماء وفي مقدمتها، الاسمان الشهيران من أسماء الله تعالى: (الرحمن الرحيم) . وهما أكثر أسماء الله ذكرا في حياة المسلم، لأنهما موجودان في البسملة (بسم الله الرحمن الرحيم)، وفي الفاتحة (الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم) . ولست أريد البحث في معاني الاسمين الشريفين وما قيل في التفريق بينهما، ولكني أقول إجمالا: إنهما ـ معا ـ قد جمعا كل معاني الرحمة الإلهية، الممتدة في الدنيا والآخرة. وهي الرحمة التي قال عنها الله ـ سبحانه ـ {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} [الأعراف-​156]، وقالت عنها ملائكة الرحمن: {رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا} [غافر-​7]، وأخبر عن نفسه تعالى بأنه { الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ } [الأنعام-​133]، وأخبر جل جلاله أنه كتبها على نفسه وضَمِنها لخلقه {قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} [الأنعام-​12]

فكل هذه الرحمة الشاملة واللامحدودة، مضمنة في دلالة الاسمين الجليلين: الرحمن الرحيم.

على أن مما ينبغي تقريره، أن هذه الرحمة الشاملة اللامحدودة، التي كتبها الله على نفسه، والتي وسعت كل شيء، منها ما هو عام يعطَى لجميع الناس، بل لجميع الخلائق، بسبب وبدون سبب، بطلب وبدون طلب، ومنها ما هو خاص بأهله متوقف على أسبابه . فإذا كان القرآن رحمة، فهي لا شك لمن يؤمنون به ويتلونه ويتبعون ما فيه . وإذا كانت شريعة الله رحمة، فهي لمن يعملون بها، وإذا كانت توبة الله ومغفرته رحمة، فهي للتائبين المستغفرين …

ـ ومن أسماء الله الدالة على الرحمة، اسم ( الرؤوف )، الذي يأتي مقترنا مع اسم الرحيم، كما تقدم قريبا . وقد رأينا العلاقة والفرق بين الرأفة والرحمة.

ـ ومنها اسم (التواب)، وقريب منه اسم (الغفور)، وهما ـ أيضاً ـ من الأسماء الحسنى التي يكثر ورودها في القرآن الكريم مقترنة مع اسم (الرحيم) . أذكر من ذلك الآيات الكريمات:

  • - {فَتَلَقَّى آَدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}[البقرة– 37]
  • - {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا} [النساء-​64]
  • - {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ} [الحجر– 49، 50]
  • - { وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآَيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الأنعام-​54]
  • - { إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ } [النحل-​119]

ـ ومنها اسم ( الـحَـنَّـان )، الذي يأتي مقترنا مع اسم آخر شبيه به، هو اسم ( الـمَـنَّـان )([1])، كما في حديث أنس بن مالك قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا في الحلقة، ورجل قائم يصلي. فلما ركع سجد وتشهد دعا فقال في دعائه: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت الحنان المنان، بديع السموات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم اللهم إني أسألك. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( أتدرون بما دعا ) ؟ قالوا: الله ورسوله أعلم فقال: (والذي نفسي بيده لقد دعا باسمه العظيم، الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى)([2])

واسم (الحـنَّان) من الأسماء الأكثر قربا وشبها باسم (الرحيم). قال البيهقي في الأسماء والصفات: "وَمِنْهَا: الحنان . قال الحليميُّ : وهو الواسع الرحمة”([3])

ونقل عن ابن الأعرابي قوله: "الحنان من صفات الله الرحيم، والـحنَانُ، مخففا: العطف والرحمة والرزق والبركة”([4])

ـ ومن الأسماء الأخرى، الدالة دلالة ظاهرة على صفة الرحمة في أسمائه تعالى: الغفار، العَفُوُّ، البَـر، المحسن، المنعم، الحليم، الكريم، الوهاب، الرزاق، الولي، الودود.

فهذه الأسماء لها معانيها الخاصة، لكنها كلها متضمنة معنى الرحمة، ودالة على مدى شمولها وتنوع مداخلها وصورها.

وإن من أجَلِّ العبادات وأعظمها شأنا في الإسلام: الذكر بهذه الاسماء والصفات وتدبرُها، بنية التخلق بها والاقتباس من أنوارها والتزود بنصيب منها. فعن صفات الله تنبثق وتتدفق كل صفة كريمة رحيمة يمكن أن يتصف بها الإنسان. وعن رحمة الله، وعن اسميه (الرحمن الرحيم)، انبثقت فطرة الرحمة، التي فطر اللـهُ الناسَ عليها . فمن رحمة الله أنه فطر الناس على الرحمة والتراحم، وعلى حب الرحماء والأفعال والصفات الرحيمة . فهم يحبون الرحمة منهم، ويحبونها لهم. ويسعدون ويسرون بالرحمة والتراحم، ويشقون ويألمون لأضداد الرحمة . وأما أضداد الرحمة، من قسوة وغلظة وتعذيب وإذاية للناس، فهي صفات وتصرفات كسبية، تؤخذ من البيئة والتنشئة الاجتماعية، وليست من الفطرة التي خلقت على حب الرحمة والبر والإحسان.

وفي مقدمة التراحم الفطري الذي وهبه الله للناس، تراحم ذوي الأرحام. ففي الحديث القدسي يقول الله تعالى: أنا الرحمن، خلقت الرحم وشققت لها اسما من اسمي، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته، ومن بَـتَّـها بَـتَـتُّـه.([5])

وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: "الرحم شُجْنَة من الرحمن، قال الله: من وصلك وصلته ومن قطعك قطعته.”([6])

قال الحافظ ابن حجر: ” … وأصل الشجنة ـ بالكسر والضم والفتح ـ عروق الشجر المشتبكة، والشَّجَن بالتحريك واحد الشجون، وهي طرق الأودية، ومنه قولهم: ” الحديث ذو شجون "، أيْ يدخل بعضه في بعض . وقوله: ” من الرحمن ” أي أُخذ اسمها من هذا الاسم … والمعنى: أنها أثر من آثار الرحمة مشتبكة بها؛ فالقاطع لها منقطع من رحمة الله.”([7])

 

الرحمة في القرآن والسنة 

ورود لفظ الرحمة ومشتقاته في القرآن والسنة، يبلغ مئات المرات . وقد قدمتُ من ذلك — في الصفحات السابقة — ما استدعاه بيان معاني الرحمة وأنواعها ومجالاتها، وأُوردُ فيما يلي نماذجَ قليلة أخرى من النصوص القرآنية والحديثية، من مختلف مجالات الرحمة وأنواعها، ليظهر لنا من هذه وتلك أن خُلُق الرحمة أصل كبير من أصول الدين ومقصد عام من مقاصد شريعته.

أولا: من القرآن الكريم

  1. 1– الكتب المنزلة كلها رحمة

- {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} [يونس-​57، 58]

- {قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الأعراف-​203، 204]

- {وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } [الأعراف-​52]

- {فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ} [الأنعام-​157]

- {ثُمَّ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ} [الأنعام –154]

- { أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً }[هود –17] 

1– وفي نظام الزوجية والقرابة ـ الذي جاءت به الفطرة والشريعة ـ رحمة ومودة وسكينة، كما في هذه الآيات:

  • - {وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم –21]
  • - {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآَتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ} [الأنبياء –83، 84]
  • - {وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ} [ص-​43]

3– وفي الحكم بالقصاص حكمة ورحمة، للمجتمع وأمنه وسلامة أرواحه .

وفي مشروعية العفو في القصاص كذلك رحمة وحكمة، تنقذ الأرواح التائبة النادمة، وتنشر التصافح والتسامح والتصالح .وكل هذا يشير إليه قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [سورة البقرة —178، 179].

4– وفي كل ما شرعه الله وكلفنا به رحمة وطريق إلى الرحمة

{وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } [التوبة — 71]

5– ورحمة الله في بعض أنواعها ومراتبها، لا ينالها إلا من سعى إليها وتأهل لنيلها، كما تفيد ذلك آيات كثيرة منها:

 {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا} [النساء — 174، 175]

 {الم تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ} [لقمان — 1 – 3]

 {وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} [الأعراف — 56]

 {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} [البقرة –155 – 157]

ثانيا من السنة النبوية:

 

1– عن أبى هريرة — رضى الله عنه — قال سمعت رسول الله — صلى الله عليه وسلم — يقول: «إن الله خلق الرحمة يوم خلقها مائة رحمة، فأمسك عنده تسعا وتسعين رحمة، وأرسل في خلقه كلهم رحمة واحدة، فلو يعلم الكافر بكل الذي عند الله من الرحمة لم يـيأس من الجنة، ولو يعلم المؤمن بكل الذي عند الله من العذاب لم يأمن من النار »([8]).


وفي رواية لمسلم: "إن لله مائة رحمة، أنزل منها رحمة واحدة بين الجن والإنس والبهائم والهوام، فبها يتعاطفون وبها يتراحمون، وبها تعطف الوحش على ولدها، وأخر الله تسعا وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة».9

2– عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء}([10])

3– عَنْ جَرِير بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قال: قال رسول الله — صلى الله عليه وسلم – "لا يرحم اللهُ من لا يرحم الناسَ”(11)

4– عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى»([12])

وقد خصص الإمام البخاري عدة أبواب من صحيحه للأحاديث الواردة في الرحمة، ومنها الباب السابع والعشرون من كتاب الأدب، وهو (باب رَحْمَةِ النَّاسِ وَالْبَهَائِمِ) . وفيه أورد – مما أورده — حديث أبي هريرة، أن رسول الله — صلى الله عليه وسلم – قال: «بينما رجل يمشى بطريق، اشتد عليه العطش، فوجد بئرا فنزل فيها فشرب ثم خرج، فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلبَ من العطش مثلُ الذي كان بلغ بي، فنزل البئر فملأ خفه، ثم أمسكه بفيه، فسقى الكلب، فشكر الله له فغفر له». قالوا يا رسول الله وإن لنا في البهائم أجراً ؟! فقال: «في كل ذات كبد رطبة أجر» ([13])

وعن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أن امرأة بغيا رأت كلبا في يوم حار يطيف ببئر قد أدلع لسانه من العطش، فنزعت له بموقها (أي خفها) فغفر لها»[14]

قال أبو الحسن بن بطَّال في تعليق عام له على أحاديث الباب من صحيح البخاري: "في هذه الأحاديث الحضُّ على استعمال الرحمة للخلق كلهم، كافرِهم ومؤمنِهم، ولجميع البهائم، والرفقُ بها. وأن ذلك مما يغفر الله به الذنوب ويكفِّر به الخطايا، فينبغي لكل مؤمن عاقل أن يرغب في الأخذ بحظه من الرحمة، ويستعمَلها في أبناء جنسه وفي كل حيوان، فلم يخلقه الله عبثًا. وكلُّ أحد مسئول عما استُرعِيَه ومُلِّكه من إنسان أو بهيمة لا تقدر على النطق وتَبيـينِ ما بها من الضر. وكذلك ينبغي أن يرحم كل بهيمة وإن كانت في غير ملكه، ألا ترى أن الذي سقى الكلب الذي وجده بالفلاة، لم يكن له مِلكًا، فغفر الله له بتكلفه النزولَ في البئر وإخراجه الماء في خفه وسقيه إياه. وكذلك كل ما في معنى السقي من الإطعام، ألا ترى قوله عليه السلام: «ما من مسلم غرس غرسًا فأكل منه إنسان أو دابة إلا كان له صدقة» ([15]). ومما يدخل في معنى سقي البهائم إطعامُها والتخفيف عنها في أحمالها وتكليفُها ما تطيق حمله، فذلك من رحمتها والإحسانِ إليها . ومن ذلك ترك التعدي في ضربها وأذاها وتسخيرها في الليل وفى غير أوقات السخرة، وقد نُهينا في العبيد أن نكلفهم الخدمة في الليل، فإن لهم الليل ولمواليهم النهار، والدواب وجميع البهائم داخلون في هذا المعنى”([16])

وقال عز الدين بن عبد السلام في بيان كيف يحقق للعبد التحلي والتخلق بصفتَي الرأفة والرحمة — من صفات الله -: "والتخلق بهما، برحمة كل من قدرتَ على رحمته بأنواع ما تقدر عليه من الرأفة والرحمة، حتى تنتهي رحمتك إلى الذباب والذر …” ([17])

نبيُّ الرحمة وشريعةُ الرحمة

إذا كانت الرحمة صفة عظيمة من صفات الله العُلَى، واسماً جليلا من أسمائه الحسنى، وهي فطرته التي فطر الناس عليها، فمن الضروري ـ ومن الطبيعي ـ أن تكون رسالاته وشرائعه لخلقه على هذا المنوال . فشريعته تعالى لخلقه، مطابقة ومكملة لفطرته التي فطرهم عليها."فالتشريع الديني أثر من آثار رحمة الله للعباد ومنهل من مناهل اللطف بهم، حيث جعل بينهم وبين المضار حصونا منيعة، وساق إليهم المنافع كما يساق الماء إلى الأرض الجُرُز…”([18])

وقد بين الله تعالى أن البعثة المحمدية ـ ومثلها بعثة كافة الرسل ـ إنما هي رحمة ولأجل الرحمة:

  • - {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء-​107]،
  • - {وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آَمَنُوا} [التوبة-​61]
  • - وفي الحديث ” إنما أنا رحمة مهداة "([19]).
  • - وقيل لرسول الله — صلى الله عليه وسلم — ادعُ اللهَ على المشركين والعنهم، فقال: إني إنما بُعِثْتُ رحمة، ولم أُبعَثُ لعّانا}([20])
  • - وفي الدعاء المأثور{اللهم إني أسألك وأتوجَّه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة}([21])

ومن أجمع الكلمات وأصدقها في وصف الشريعة الإسلامية، كلمة ابن قيم الجوزية، التي يقول فيها: "فإن الشريعة …عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالحُ كلها، وحكمة كلها ([22])

وهذه قبسات تطبيقية من شمائل "النبي الرحمة المهداة”، تظهر لنا مدى تخلق رسول الله صلى الله عليه وسلم بخلق الرحمة في عامة أفعاله وأقواله.

  • - {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة-​128]
  • - {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ} [الأحزاب– 6]
  • - {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} [آل عمران –159]
  • - حديث أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه قال، قال رجل يا رسول الله، لا أكاد أدرك الصلاة مما يُطَول بنا فلان، فما رأيت النبي — صلى الله عليه وسلم — في موعظة أشد غضبا من يومئذ فقال: « أيها الناس، إنكم منفرون، فمن صلى بالناس فليخفف، فإن فيهم المريض والضعيف وذا الحاجة »([23])
  • - وحديث أنس بن مالك أن النبي — صلى الله عليه وسلم — قال «إني لأدخل في الصلاة وأنا أريد إطالتها، فأسمع بكاء الصبي، فأتجوز في صلاتي مما أعلم من شدة وجد أمه من بكائه »([24])
  • - حديث مالك بن الحويرث رضي الله عنه قال أتينا رسول الله — صلى الله عليه وسلم — ونحن شَـبَـبَـة متقاربون، فأقمنا عنده عشرين ليلة . وكان رسول الله — صلى الله عليه وسلم– رحيما رقيقا، فظن أنَّا قد اشتقنا أهلنا، فسألَنا عن من تركنا من أهلنا، فأخبرناه فقال: «ارجعوا إلى أهليكم فأقيموا فيهم وعلموهم ومروهم … »([25])

الرحمة ومسألة القتل الرحيم ؟

من القضايا الطبية ذاتِ الصلة بخُلُق الرحمة، قضية ما يسمى بالقتل الرحيم، وهو قيام الطبيب بالإجهاز على حياة المريض المعذب الميئوس منه طبيا، وذلك بطلب من المريض نفسه، أو بطلب من ذويه، إذا كان هو في غيبوبة تامة متواصلة. ويتم هذا القتل "الرحيم”، بداعي الرحمة والشفقة وإنهاء المعاناة.

وهذه القضية قد أخذت حظها من البحث الفقهي، وأجمع فقهاء الإسلام على تحريم هذا الفعل وأنه قتل للنفس لا يجوز بحال. ولذلك لا حاجة بي للاستطراد في هذا الاتجاه، كما أن ذلك ليس من طبيعة هذا البحث ولا هو من غرضه. ولكني أعرج فقط على الجانب الخلقي والمقاصدي، الذي تسوَّغُ به هذه القضية، على أساس أن فيها رحمة للمريض وتخليصا له من عذابه الذي لا فائدة ترجى من وراء تحمله.

والحقيقة أن هذه نظرة قصيرة وقاصرة…

فهي أولا تفتح باب المجازفة والاستهانة بالأرواح البشرية وحرمتها، خاصة وأن احتمالات الشفاء — مهما تضاءلت — تظل قائمة.

ثم إنه ليس هناك ألم يمكن أن يكون وزنه أرجحَ من حفظ الروح البشرية. ولو جاز تقديم رفع الألم على حفظ النفس، لجاز الانتحار والمساعدة عليه، لمن اشتدت بهم الآلام، وسدت في وجوههم الآمال.

وقد ذكرتُ من قبل أن الرحمة في العقيدة الإسلامية تشمل رحمة الآخرة وما يفضي إليها من ثواب وتوبة ومغفرة. وقد صح في الأحاديث النبوية أن الآلام فيها محو السيئات ورفع الدرجات، تخفيفا من ربكم ورحمة. فقد قال عليه الصلاة والسلام: "ما يصيب المسلمَ من نصب ولا وصب، ولا هم ولا حزن، ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفر الله بها من خطاياه”.[26]

وقال أيضا: "ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله، حتى يلقى الله تعالى وما عليه خطيئة"[27]. وهذه رحمة أيُّ رحمة.

وكل هذا من أجل أن يصبر المصاب ويتَقَوَّى على محنته، ويتشبث بأمله، ويحافظ على حياته.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

=======

إعداد: د. أحمد الريسوني



([1]) المنان: المنعم المعطي.

([2]) رواه أحمد 20⁄61 (12611)، 21⁄192 (13570)؛ وأبو داود 2⁄284 (1490)؛ والترمذي 5⁄550 (3544)؛ والنسائي 3⁄52 (1300)؛ وابن ماجه 2⁄1268 (3858) وقال الترمذي: حديث غريب.

([3]) الأسماء والصفات لأبي بكر البيهقي 458 1/​205، ط 1 — مكتبة السوادي بجدة.

([4]) الأسماء والصفات 1⁄208.

([5]) رواه أحمد 3/213(1680)، 216(1686)؛ وأبو داود 2÷387−388 (1691)؛ والترمذي 4÷315−316 (1907) من حديث عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه.

([6]) رواه البخاري 8⁄6 (5988) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

([7]) فتح الباري لابن حجر 17⁄115.

([8]) رواه البخاري 8⁄99 (6469).

([9]) صحيح مسلم 4⁄2108 (2752)/(19) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

([10]) رواه أحمد 11⁄33 (6494)؛ وأبو داود 5⁄330 (4902)؛ والترمذي 4÷323−324 (1924) وقال: حديث حسن صحيح.

([11]) رواه البخاري 9⁄115 (7376)؛ ومسلم 4⁄1089 (2319).

([12]) رواه البخاري 8⁄10 (6011)؛ ومسلم 4÷2999−3000 (2586)/(66).

([13]) رواه البخاري 3÷132−133 (2466)، 8÷9−10 (6009)؛ ومسلم 4⁄1761 (2244).

[14] - صحيح مسلم

([15]) رواه البخاري 8⁄10 (6012)؛ ومسلم 3⁄1189 (1553)/(12) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

([16]) شرح صحيح البخاري لابن بطال 9/​219، 220، ط . مكتبة الرشد بالرياض.

([17]) شجرة المعارف والأحوال وصالح الأقوال والأعمال للعز بن عبد السلام ص 40، ط. بيت الأفكار الدولية.

([18]) العبارة للشيخ محمد العزيز جعيط، من مقاله "المقاصد الشرعية وأسرار التشريع”، المجلة الزيتونية، المجلد الأول — العدد الثالث — رجب 1355/​سبتمبر1936.

([19]) رواه الحاكم في المستدرك 1/​35؛ والبزار في مسنده 16⁄122 (9205)؛ والطبراني في الأوسط 4⁄8 (3005)؛ وفي الصغير (الروض الداني 1⁄168 رقم 264) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه . وقال الحاكم: صحيح على شرطهما . ووافقه الذهبي.

([20]) رواه مسلم 4÷2006−2007 (2599) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

([21]) رواه أحمد 28/478(17240)؛ والترمذي 5⁄569 (3578)؛ والنسائي في الكبرى 9⁄244 (10419)؛ وابن ماجه 1⁄441 (1385) من حديث عثمان بن حنيف رضي الله عنه، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح غريب.

([22]) إعلام الموقعين لابن القيم 3/​3، ط . دار الجيل، بيروت.

([23]) رواه البخاري 1⁄30 (90)؛ ومسلم 1⁄340 (466).

([24]) رواه البخاري 1⁄143 (709)؛ ومسلم 1⁄343 (470)/(192).

([25]) رواه البخاري 1⁄128 (628)، 138 (631)؛ ومسلم 1⁄465 (674)/(292).

[26] — الحديث متفق عليه

[27] — رواه الترمذي وقال حسن صحيح.


اترك تعليق