بريرة ومغيث

By : فتحى أبو الورد

اعتنى النبى صلى الله عليه وسلم ببناء الإنسان ، وأعلى من قدره ، وكرم آدميته ، بعيدا عن لونه وجنسه ، وغرس فيمن حوله الاستقلال فى الرأى ، والحرية فى اتخاذ القرار ، بعيدا عن التأثر بوضع ومكانة المحيطين به ، أو وضعه هو الخاص إن كان ضعيفا ، فلا يهاب عظيما ، ولا يستصغر نفسه أمام ذى جاه ،  ولا يلجمه ضعف حاله عن الصدع بما يقتنع به ، كما أن مكانته ووجاهته لا تغريانه باحتقار رقاق الحال .


وإزاء هذا التأسيس الحضارى لبناء الإنسان لم يكن تشجيع النبي صلى الله عليه وسلم لحرية الرأي والفكر - التى تمثل عماد البناء الإنسانى - مقصورًا على الأحرار وذوي المكانة العالية والمراكز المرموقة، وأصحاب الجاه في المجتمع، بل شمل ذلك العبيد والإماء.


وما تحكيه كتب السنة من أمر بريرة ومغيث خير شاهد على ذلك ، فقد روى أنه كان في المدينة جارية تدعى بريرة لما أعتقها أهلها ، فارقت زوجها، وكانت لا تحبه، وكان زوجها مولعًا بها فشق عليه فراقها، وجعل يتبعها في كل مكان يبكي ويستشفع إليها الناس، فطلب منها الرسول الله صلى الله عليه وسلم الرجوع إليه ، فرفضت فى وضوح وحسم . 


والقصة كما رواها البخارى فى صحيحه عن ابن عباس : أن زوج بريرة كان عبدا يقال له مغيث ، كأني أنظر إليه يطوف خلفها يبكي ودموعه تسيل على لحيته ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعباس : "يا عباس ألا تعجب من حب مغيث بريرة ومن بغض بريرة مغيثا " . ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم - لبريرة - : " لو راجعته " . قالت : يا رسول الله  : تأمرني . قال :" إنما أنا أشفع " . قالت :لا حاجة لي فيه.


بمثل هذا الحسم والرفض أجابت هذه الجارية – الأمة - النبى صلى الله عليه وسلم  حين علمت أن القرار قرارها ، وأن الأمر موكول إليها .


ومن الحرية التي لا نظير لها في تشريعات الدنيا حينذاك ما ضرب به الإمام الغزالي في كتابه المستصفي مثلًا على المصالح التحسينية وهو قبول فتوى العبد وروايته ، مع سلبه أهلية الشهادة ، من حيث إن العبد نازل القدر والرتبة ضعيف الحال والمنزلة - اجتماعيا - باستسخار المالك إياه، فلا يليق بمنصبه التصدي للشهادة .


وفي هذا رقي إنساني وحضاري، وتعظيم لقدر الإنسان ولو كان عبدًا مسلوب الحرية، فإن الشرع قبل فتواه وروايته في الشأن العام فيما يترتب عليه تشريع للأمة، وتحفظ  في شهادته في الشأن الخاص بين المتخاصمين لعلة رآها تحقق المصلحة وتراعى الواقع ..


هذه الحرية التي ُأطلق لها العنان في حياة الجماهير المسلمة هي التي جعلت من الموالي والعجم في حقبة وجيزة من الزمن أئمة  للعرب أنفسهم فى المحاريب والعلم.


اترك تعليق