أولياء الشرق البعيد

By : سلمان بن فهد العودة

اخترت هذا العنوان لمحاضرة ألقيتها هذا الأسبوع لشباب ولاية (سولو) الإندونيسية، وهو مقتبَس من كتاب الدكتور "بشار الجعفري"؛ الذي أسماه: (أولياء الشرق البعيد، أساطير مجهولة في أقاصي المعمورة).

إنها رواية تاريخية رائعة وثمينة، وحافلة بالمعلومات حول دخول الإسلام لإندونيسيا بواسطة مجموعة من الأولياء الصالحين والتجَّار في الوقت ذاته.

أناس رحلوا من الساحل الجنوبي للجزيرة تحت طائلة ضغوط سياسية أو مالية أو بدافع نشر الرسالة، ونقلوا دائرة التأثير من محيطهم القريب إلى نقطة أبعد وأوسع، ويبدو أن الأمر لم يكن تجارة محضة بل كان الهدف رسالياً ربَّانياً دعوياً، والتجارة جاءت تبعاً أو غطاءً أو لأجل الاستغناء واستكمال أسباب التأثير، فما لم يوجد مال لن تقوم لأي مشروع قائمة.

 وهو ما يجب أن يحاوله الذين تتعثر مهمتهم في مكان ما أن يفكروا بمشاريع إنمائية ومعرفية وتربوية وإصلاحية في أي مكان، فتحت إلحاح العوز سافر الأجداد للهند والسند والشام ومصر، وكانوا يقولون: (الهند هندك إذا قلَّ ما عندك، والشام شامك إن كان الحال ضامك).

إندونيسيا تسمى الهند (إند)، وربما بقية الاسم يعني الجزر، أي: "جزر الهند".

أن تغترب مختاراً غير مضطر.. وأن تغترب من أجل رسالة سماوية تخدم الإنسان حيث كان.. أولى بالتضحية وأجدر!

لم تعرف إندونيسيا فتحاً إسلامياً بالمفهوم العسكري بل بالمفهوم الدَّعَوي السِّلمي، وظلت وفيَّة للإسلام، بينما انهار الوجود الإسلامي في بلاد الأندلس (إسبانيا)؛ التي دخلها المسلمون بالقوة، وكان عمر بن عبد العزيز متحفِّظاً على قرار الغزو!

البرتغاليون، والإسبان، والإنجليز، واليابانيون؛ كلهم دخلوا إندونيسيا بالقوة العسكرية، وقاومهم الشعب حتى حرر أرضه منهم.

ازدحام الطاقات في بلد ما سبب للتشاحِّ، والتحاسد، والتدقيق، والانشغال بالجزئيات والتفاصيل؛ خاصةً حين تكون الفرص محدودة وضيقة، كالأشجار التي تنبت في غير فضاء، وهي بطبيعتها ذات بُسوقٍ وتضخم، سرعان ما تتشابك وتتزاحم ويضيق بعضها ببعض!

ولو فكّرَتْ بالعالم الواسع المترامي.. بالأرض كل الأرض الموضوعة للأنام يضربون فيها شرقاً وغرباً.. وفكّرَتْ بالرسالة الربَّانية الإيمانية والبشرية الإنسانية المستوعبة للحياة كلها، لما حصرت نفسها في رقعة أو بقعة ولا في ميدان سياسي أو حركي، فالمضمار واسعٌ لاحِبٌ، والفرص قائمة، والحاجة ماسَّة، وطرق الجنة كثيرة لا تُحصر، {وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (77) سورة الحـج.

ما بال حماس بعض شبابنا دوماً يتجه نحو القتال وكأنه حتى حين يكون رشيداً وصائباً هو السبيل الأوحد لنصرة الدين؟!

زرت إندونيسيا عام (١٤٠٩هـ) بصحبة إخوة أفاضل؛ كالصديق الدكتور ناصر القفاري، والصديق الدكتور عبد الرحمن الأطرم، وكنا نعجب من حفاظ الناس هناك على فريضة الصلاة، حتى أننا سألنا بنتاً كانت تعمل نادلة في مطعم عن مدى التزامها، فقالت إنها محافظة على صلواتها الخمس، وعلى قيام الليل بإحدى عشرة ركعة.

ومحافظتهم على النظافة في أبدانهم وملابسهم وأفواههم، وهي فضيلة إسلامية، حتى إن الاغتسال الصباحي اليومي يكاد أن يكون عادة لدى الجميع.

لم أر خلال إقامتي رجالاً يتضاربون أو يتصايحون أو يتماسكون بالأيدي.. كما يحدث عادة في شوارعنا وأسواقنا بين الفينة والفينة!

أذكر أنني كنت في سيارة أجرة بجدة يقودها رجل سوداني، وحدث أن لمس السيارة التي أمامه لمساً خفيفاً غير مؤثر، والشارع مزدحم، والأبواق تتعالى، فأوقف ذاك الرجل سيارته ونزل ليتفقدها فلم يجد أثراً، واتجه على الفور لسائق الأجرة والشرر يتطاير من عينيه، وهمَّ به ليجره لولا أن لمح وجود راكب من أهل البلد، فتراجع واكتفى بالتوبيخ والتهديد، وإملاء دروس القيادة الحكيمة!

في جاكرتا -حيث كنا- تصطدم السيارات وينزل بعضهم يضحك إلى بعض ويتحدثون بهدوء!

للشعوب طباع وخصائص تتفاوت، والمقارنة لا تعني التفضيل من كل وجه، بل من  بعض الوجوه.

طوبى لنفوس زكية كان هذا العدد الضخم من المسلمين في ميزان عملها الصالح، نفوس لا نعرفها تحديداً، وتبقى مجهولة عندنا معلومة لله الذي لا يضيع أجر المحسنين؛ الذين تركوا مألوفهم، وجفوا وثير الفرش، وتجشَّموا الغربة الدائمة؛ لينشروا تعاليم الوحي وأنوار النبوة.


اترك تعليق