أمة الدين وأمة السياسة

By : محمد عمارة

في الأدب السياسي الحديث، أصبح لمصطلح "الأمة" معناه المحدد الذي نطالعه في الأعمال الفكرية التي تدرس القوميات والأمم، من حيث النشأة والتطور والشروط والسمات والقسمات.

أما في تراثنا العربي الإسلامي القديم، فإن الأمة تعني: "الجماعة" الذين تربطهم ببعضهم البعض روابط وعلاقات بصرف النظر عن نوع هذه الروابط والعلاقات، فالذين اجتمعوا على بئر الماء طلبا للسقي عندما جاءه موسى عليه السلام هم أمة: "ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون" (القصص – 23)، و"الهيئة" أو "المجلس" أو "الحزب" الذي ينهض بفرض الكفاية فيأمر بالمعروف وينهي عن المنكر هو "أمة" : "ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون" (آل عمران – 104).

وكل أتباع الرسالات السماوية – عبر التاريخ – من عهد آدم عليه السلام إلى بعثة محمد عليه الصلاة والسلام – مع اختلاف شرائعهم – قد كونوا "أمة" الذين الإلهي الواحد "وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدوه" (الأنبياء – 92).

وفي الأدب السياسي لعصر النبوة، كان الإستخدام لمصطلح "الأمة" قريبا من استخدام القرآن الكريم، فتعدد المعنى وتمايز مع وحدة المصطلح في كثير من الأحيان، ونحن عندما تطالع أول دستور لأول دولة أقامها العرب المسلمون في يثرب – المدينة المنورة – عقب هجرة الرسول عليه الصلاة والسلام – من مكة إلى المدينة – نجد هذا "الدستور" – الذي تسميه مصادر التراث والتاريخ "الصحيفة" و"الكتاب" – نجده يستخدم مصطلح "الأمة في ميدان "الدين" حينا، وفي ميدان "الساسة" حينا آخر، لكن بنفس المعنى، أي معنى "الجماعة" فهذه الدولة قد تكونت رعيتها من عرب المدينة، من هاجر منهم من مكة إليها – وهم المهاجرون - ومن كان مقيما فيها – وهم الأوس والخرزج وحلفاؤهم – أي الأنصار.

ولم تكن قبائل يثرب قد دخلت كلها في الإسلام عندما هاجر الرسول عليه الصلاة والسلام – وأقام هذه الدولة ووضع لها هذا الدستور، فالذين أسلموا سموا بالأنصار، وكونوا مع المهاجرين "أمة" الدين الجديد، على حين كانت قطاعات من قبائل يثرب لا تزال على يهوديتها، أي أهل كتاب، لكنهم دخلوا مع "أمة الإسلام" في إطار "الرعية" لهذه الدولة العربية الجديدة، فكونوا جميعا "أمة" السياسة في هذه الدولة، ومن هنا وجدنا دستور هذه الدولة – الذي أورده ابن هشام في سيرته – يتحدث عن أن المهاجرين والأنصار يكونون "أمة واحدة من دون الناس" لما بينهم من علاقات، رتب حقوقا وواجبات، ثم نراه - أي الدستور - يتحدث عن أن "المؤمنين واليهود يكونون أمة واحدة" أي أمة السياسة، ورعية الدولة، رغم الإختلاف في الدين – "للمؤمنين دينهم ولليهود دينهم" وبينهم جميعا "البر والنصر".

وجدير بالتنبيه ما يعنيه ذلك من تسامح انفرد بتقريره وتطبيقه دين الإسلام، حتى في ذلك الوقت المبكر الذي كانت تحيط به وبأهله الأخطار، وأجدر من ذلك بالتنبيه أن هؤلاء "اليهود" الذين كونوا بيثرب – مع المؤمنين – أمة السياسة ورعية الدولة الجديدة والوليدة، كانوا هم العرب الذين تدينوا باليهودية قبل الإسلام – أي القطاعات العربية التي تهودت من الأوس والخزرج، فهم - قوميا – عرب، ولم يكونوا هم العبرانيين الذين كانت قبائلهم تسكن خارج يثرب، ودخلت في تحالفات مع عرب يثرب، وعن طريق هذه التحالفات شمل الدستور اليهود العبرانيين بمنظومة الحقوق والواجبات، واستمر ذلك إلى أن غدروا وتآمروا مع الوثنية القرشية – أثناء غزوة الأحزاب – فلقد سقط عنهم هذا الشرف، ولم يعد يربطهم بالمسلمين رباط، فلم يعودوا جزءا من "أمة" السياسة والرعية، كما لم يكونوا – في الأصل – جزءا من "أمة" الدين.

هكذا يتحد المصطلح، وتتعدد مضامين المصطلح، وتتطور المضامين باختلاف الزمان، بل إن مصطلح "الأمة" قد عنى في القرآن – أحيانا "الدين" وأحيانا "الجيل" من الناس، وأحيانا "الوقت"، الأمر الذي يجعل سياق ورود المصطلح الدليل إلى تحديد المراد منه في هذا السياق. 


اترك تعليق