إحراق معاذ الكساسبة بين نار التحالف ونار داعش في ضوء السياسة الشرعية

By : أكرم كساب


عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
مستشار التدريب بالمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية (سابقا)

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه الطيبيبن الطاهرين،،، أما بعد،،،

فإن ما حدث للطيار الأردني معاذ الكساسبة على أيدي ما يسمى بــــ (تنظيم الدولة الإسلامية –داعش) فعلة تستوجب الوقوف عندها، إذ أنها تمت باسم الإسلام، وحسبة لله وقربة له، ونصرة لشرعه ودينه، وبادئ ذي بدء أقول:
أولا: من احتضن هذا التنظيم؟

إن المتأمل لهذا التنظيم (تنظيم الدولة الإسلامية –داعش) منذ نعومة أظفاره يلحظ أنه صنع أعين الدول العربية والإسلامية، بل والعالمية، فلما اشتد عوده، واستعصى على غارسيه، حاولوا اجتثاثه، لكن عزّ عليهم بعد ما كبرت مخالبه، وتمدد جسمه في العراق وسوريا، بل وتناثر في غيرهما من دول عالمنا العربي والإسلامي.

ثانيا: لماذا يتمدد هذا التنظيم (تنظيم الدولة الإسلامية –داعش)؟
ولا شك أن هذا التنظيم أخذ في تممده واتساع رقعته نظرا للظلم البين والحقد القاتل الذي ملأ قلب الشيعة في العراق فقتلت الآلاف من علماء وشباب أهل السنة وأحرقت بيوتهم، وخيرتهم بين التشيع أو التهجير، وازداد الأمر سواء بعد أن غدا بشار الأسد (نيرون) سوريا مقبولا لدى الغرب بل والعرب، بالرغم من قتله لمئات الآلاف وتهجيره لملايين من شعبه، فغدا الشعب ما بين قتيل ومطارد ومشرد، فكان مثل هذا التنظيم (تنظيم الدولة الإسلامية –داعش) حاضنة لكثير من الشباب الناقم على ولاته أمره، والمشفق على أمته.

ثالثا: مشروعية مشاركة الدول العربية في قتال (تنظيم الدولة الإسلامية –داعش):
لقد تطوع العديد من دول عالمنا العربي في قتال هذا التنظيم، بل والحق يقال أجبر البعض، إذ أمر الحاكم الأعلى للعالم (أوباما) من خلال وزير خارجيته فاجتمع له ما يزيد عن أربعين دولة مسلمين لما أراد، ومنفذين لما أمر، لكن هل يجوز المشاركة في قتال هذا التنظيم؟

إن (تنظيم الدولة الإسلامية –داعش) يقاتل في جبهات متعددة فهو يقاتل الروافض ويقاتل أهل السنة كذلك، بل يقاتل بعض المجاهدين في سوريا الجريحة، لأنه يرى نفسه الإسلام وغيره الكفر، يرى في ذاته الصلاح والتقى وما سواه الفساد والغي، بل البدعة والشرك، ومن ثم فمن ليس معه فهو عدو له، لكن القضاء على هذا التنظيم لا يكون بالقتال، كما أنه لا يكون دون النظر إلى إجرام بشار الأسد الذي هو عين البغي والعدوان، إذ ما قام به العلوي المجرم (بشار) ومعه حزب الله، ومن ورائهم (إيران) بمشروعهم الصفوي الذي يسعى إلى تمزيق المنطقة بقوة يفوق بكثير وكثير ما قام به (تنظيم الدولة الإسلامية –داعش).

إذن لم يكن لجيوشنا العربية أن تدلو بدلوها في مثل هذه الحرب التي لا نعرف لها بداية من نهاية، ولا وسيلة من غاية؛ إلا أن تنفق أموالنا وتبعثر جهودنا ويقتل أبناؤنا في معركة خطط لها العدو الأكبر (أمريكا) رعاية لمصالحه ومصالحه فقط.

رابعا: معاملة الأسير في الإسلام:
لو اعتبرنا (معاذ الكساسبة) أسير حرب كما أعلن (تنظيم الدولة الإسلامية –داعش)؛ فإن الشريعة الإسلامية جاءت بحسن التعامل مع الأسير، قال تعالى : {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُوراً} [الانسان:8،9]. وجسدت السيرة النبوية هذه التعاليم واقعا مع الأعداء الذين نالوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وذكرت كتب السير عن أبي عزيز بن عمير قال: مر بي أخي مصعب بن عمير ورجل من الأنصار يأسرني، فقال له: شدَّ يديك به فإن أمَّه ذات متاع، قال: وكنت في رهط من الأنصار حين أقبلوا بي من بدر، فكانوا إذا قدَّموا غداءهم وعشاءهم خصُّوني بالخبز، وأكلوا التمرَ؛ لوصية الرسول صلى الله عليه وسلم إياهم بنا، ما يقع في يد رجلٍ منهم كسرةٌ من الخبز إلا نفحني بها. وروى البخاري أنه صلى الله عليه وسلم قال في أسرى بدر: "لو كان المُطعم بن عدي حيًّا، ثم كلمني في هؤلاء النَتنَى، لتركتهم له" .


وذكر ابن هشام في سيرته: أن ثمامة بن أثال أسره نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وجاؤوا به إليه فقال لهم: "أتدرون من أخذتم؟ هذا ثمامة بن أثال الحنفي، أحسِنوا إساره"، ورجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أهله فقال: "اجمعوا ما كان عندكم من طعامٍ فابعثوا به إليه، وأمر بلِقْحتِه أن يُغْدى عليه بها ويراحَ".

ولَمَّا أَسر صلاحُ الدين الأيوبي عددًا من جنود الجيش الصليبي، وكان لا يوجد عنده ما يكفيهم من الطعام - أطلق سراحَهم لئلا يموتوا جوعًا، ورأى أن يقتلَهم محاربين أفضلَ من أن يقتلَهم في الأَسر جائعين.
ويذكر الفيلسوف الفرنسي جوستاف لوبون مقارنة بين أفعال قادة الجيوش الصليبيةِ، وما فعله صلاح الدين الأيوبي، فيقول: كان أولُ ما بدأ به ريكارد أنه قتَل صبْرًا أمام معسكر المسلمين ثلاثةَ آلاف أسيرٍ مسلمٍ سلَّموا أنفسهم إليه بعد أن أعطاهم عهدًا بحقن دمائهم، ثم أطلق لنفسه العِنان باقتراف القتل والسلبِ، وليس من السهل أن يتمثَّل المرء درجةَ تأثير هذه الكبائر في صلاح الدين النبيل الذي رحِم نصارى القدس، فلم يمسَّهم بأذى، والذي أمدَّ فيلب وقلبَ الأسد بالمرطبات والأزواد أثناء مرضهما.

خامسا: الأسرى بين المنّ والقتل:
لقد جاءت آية سورة (محمد) صريحة في كيفية التعامل مع القتلى، قال تعالى: {فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا} [محمد:4]، وقد قال البعض: الآية منسوخة، ولا دلالة واضحة على ذلك، وتبقى الصورة العامة الأساسية في تعامل النبي صلى الله عليه وسلم هي المنّ لا القتل، وهذا صنيعه مع ثمامة وأبي عزة ومن قبلهما موقفه مع أسرى بدر، ولقائل أن يقول: إن القرآن لام وعاتب النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الصنيع، لكن ابن القيم يرجح أن رأي أبي بكر والذي أخذ به النبي صلى الله عليه وسلم كان هو الأصح، يقول ابن القيم: وقد تكلَّم الناس، في أي الرأيين كان أصوب، فرجَّحت طائفة، قول عمر... ورجَّحت طائفة قول أبي بكر، لاستقرار الأمر عليه وموافقته الكتاب الذي سبق من الله بإحلال ذلك لهم، ولموافقة الرحمة التي غلبت الغضب، ولتشبيه النبي صلى الله عليه وسلم له في ذلك بإبراهيم وعيسى، وتشبيهه لعمر بنوح وموسى، ولحصول الخير العظيم الذي حصل بإسلام أكثر أولئك الأسرى، ولخروج مَن خرج من أصلابهم من المسلمين، ولحصول القوة التي حصلت للمسلمين بالفداء، ولموافقة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر أولا، ولموافقة الله له آخرا حيث استقرَّ الأمر على رأيه، ولكمال نظر الصديق، فإنه رأى ما يستقرُّ عليه حكم الله آخرا، وغلَّب جانب الرحمة على جانب العقوبة. قالوا: وأما بكاء النبي صلى الله عليه وسلم، فإنما كان رحمة لنزول العذاب لمَن أراد بذلك عرض الدنيا، ولم يُرِد ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أبو بكر، وإن أراده بعض الصحابة، فالفتنة كان تعمُّ، لا تصيب من أراد ذلك خاصة... والله أعلم. (زاد المعاد (3/ 112).
سادسا: للحاكم أن يختار ما يراه مناسبا:

ومما سبق يتبين أن قتل الأسرى لم يكن من هديه صلى الله عليه وسلم إلا إذا وجدت الضرورة ودعت الحاجة، كما في قتله لعقبة بن أبي معيط، والنضر بن الحارث؛ يوم بدر. الروض الأنف (5/ 152/153).

وروى النسائي في سننه عن مصعب بن سعد عن أبيه قال : لما كان يوم فتح مكة أمن رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس إلا أربعة نفر وامرأتين، وقال اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة: عكرمة بن أبي جهل وعبد الله بن خطل ومقيس بن صبابة وعبد الله بن سعد بن أبي السرح. يقول ابن القيم: ولما استقر الفتح، أمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، الناس كلُّهم إلا تسعة نفر، فإنه أمر بقتلهم، وإن وجدوا تحت أستار الكعبة، وهم عبد الله بن سعد بن أبي سَرح، وعكرمة بن أبي جهل، وعبد العزَّى بن خَطَل، والحارث بن نُفيل بن وهب، ومِقيَس بن صُبَابَة، وهبَّار بن الأسود، وقينتان لابن خَطَل، كانتا تغنيان بهجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسارة مولاة لبعض بني عبد المطلب. (زاد المعاد (3/410).
ومن ثم فإن الحاكم يحقق ما يراه مناسبا.

سابعا: هل يجوز حرق الأسير بالنار؟
وإذا اعتبر (معاذ الكساسبة) أسيرا لدى (تنظيم الدولة الإسلامية –داعش) فهل يجوز لهم قتله حرقا بالنار بتلك الصورة البشعة التي أشاعوها بين الناس؟
ولبيان ذلك نوضح أمورا:

الأول: أننا مأمورن بالإحسان في كل شيء، جاء في صحيح مسلم أنه صلى الله عليه وسلم قال:"إذا قتلتم فأحسنوا القتلة" وعند مسلم أيضا أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول لقواده: " اغزوا ولا تغلُّوا ولا تغدُروا ولا تمثِّلوا".

الثاني: الحرق بعد الظفر والتمكن من العدو لا يجوز مطلقا، قال ابن قدامة ( أما العدو إذا قدر عليه فلا يجوز تحريقه بالنار بغير خلاف نعلمه. (المغني/ 9/ 268).


وقال ابن عبد البر في الاستذكار: والمثلة محرمة في السنة المجمع عليها وهذا بعد الظفر وأما قبله فلنا قتله بأي مثلة أمكننا.


وقال ابن عابدين في حاشيته : نهينا عن المثلة بعد الظفر أما قبله فلا بأس بها اختيار.

الثالث: الحرق بالنار عموما، وفي حال ما كان قبل الظفر والتمكن من العدو، وهذا فيه خلاف بين العلماء، نعم لقد اختلف الفقهاء في أمر الحرق بالنار والتعذيب بها، فقائل بالجواز، وقائل بالمنع، ولكل قول أدلة يعتمد عليها، وبيانها كالتالي:


1. أدلة القائلين بالجواز:
أ‌- قوله تعالى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} [التوبة:5]، وليس في الآية استثناء قتل من قتل، فكل قتل جائز إلا إذا كان بمحرم وليس في النار تحريم.


ولكن هذا عموم يخصصه حديث البخاري " وَإِنَّ النَّارَ لاَ يُعَذِّبُ بِهَا إِلَّا اللَّهُ" وسيأتي.


ب‌- قوله تعالى: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ} [البقرة:194].


وهذا أيضا مقيد بحديث أبي هريرة السابق، فهو مطلق مقيد بغيره، وعام خصصه مخصص.


ثم أين المثلية هنا، هل معاذ الكساسبة غلق صندوقا على أحد وأبقاه فيه حتى مات محروقا؟ّ أليس في هذا تعذيب وأي تعذيب.


ت‌- استدلوا بما رواه البيهقي عنه صلى الله عليه وسلم: "من غرق غرقناه ، ومن حرق حرقناه ، ومن قتل عبداً قتلناه" وقد ضعفه ابن حجر في التلخيص، وحديث أبي هريرة السابق يرده أيضا.


ث‌- حرق أبي بكر للرجل الذي يفعل به فعل قوم لوط: روى البيهقي عن صفوان بن سليم، أن خالد بن الوليد، كتب إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنهما في خلافته يذكر له أنه وجد رجلا في بعض نواحي العرب ينكح كما تنكح المرأة، وأن أبا بكر رضي الله عنه جمع الناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألهم عن ذلك، فكان من أشدهم يومئذ قولا علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: إن هذا ذنب لم تعص به أمة من الأمم إلا أمة واحدة، صنع الله بها ما قد علمتم، نرى أن نحرقه بالنار، فاجتمع رأي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يحرقه بالنار، فكتب أبو بكر رضي الله عنه إلى خالد بن الوليد يأمره أن يحرقه بالنار.


والقصة لا تصح سندا، وهو فعل صحابي يرده قول المعصوم صلى الله عليه وسلم.


ج‌- حرق أبي بكر لــــــ ( بني سليم): أخرج ابن سعد في الطبقات الكبرى عن هشام بن عروة عن أبيه قال: كانت في بني سليم ردة فبعث أبو بكر. رضي الله عنه. خالد بن الوليد فجمع منهم رجالا في حضائر ثم أحرقهم بالنار. فجاء عمر إلى أبي بكر. رضي الله عنه. فقال: انزع رجلا عذب بعذاب الله. فقال أبو بكر: لا والله لا أشيم سيفا سله الله على الكفار حتى يكون هو الذي يشيمه. ثم أمره فمضى لوجهه من وجهه ذلك إلى مسيلمة.


والقصة لا تصح أيضا.


ح‌- تحريق أبي بكر لــــــــ (الفجاءة إياس بْن عبد ياليل): روى الطبري في تاريخه عن سيف بن عمر، عن سهل وأبي يعقوب، قالا:كان من حديث الجواء وناعر، أن الفجاءة إياس بن عبد ياليل قدم على أبي بكر، فقال: أعني بسلاح، ومرني بمن شئت من أهل الردة، فأعطاه سلاحا، وأمره أمره، فخالف أمره إلى المسلمين، فخرج حتى ينزل بالجواء، وبعث نجبة بن أبي الميثاء من بني الشريد، وأمره بالمسلمين، فشنها غارة على كل مسلم في سليم وعامر وهوازن، وبلغ ذلك أبا بكر، فأرسل إلى طريفة بن حاجز يأمره أن يجمع له وأن يسير إليه، وبعث إليه عبد الله بن قيس الجاسي عونا، ففعل، ثم نهضا إليه وطلباه، فجعل يلوذ منهما حتى لقياه على الجواء، فاقتتلوا، فقتل نجبة، وهرب الفجاءة، فلحقه طريفة فأسره ثم بعث به إلى أبي بكر، فقدم به على أبي بكر، فأمر فأوقد له نارا في مصلى المدينة على حطب كثير، ثم رمي به فيها مقموطا.


والقصة كذلك لا تصح.

2. أدلة القائلين بالمنع:
أ‌- روى البخاري عن عكرمة، قال: أتي علي رضي الله عنه، بزنادقة فأحرقهم، فبلغ ذلك ابن عباس، فقال: لو كنت أنا لم أحرقهم، لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تعذبوا بعذاب الله» ولقتلتهم، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من بدل دينه فاقتلوه".


واعتراض ابن عباس على صنيع علي رضي الله عنهما، يعني أن فعل علي لم يكن على السنة، لذا استشهد بما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولعله خفي على علي رضي الله عنه. وإلا فإن كلامه صلى الله عليه وسلم مقدم على كل قول، حتى وإن كان لعلي أو أبي بكر وعمر.


ب‌- ما رواه البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْثٍ فَقَالَ: «إِنْ وَجَدْتُمْ فُلاَنًا وَفُلاَنًا فَأَحْرِقُوهُمَا بِالنَّارِ»، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أَرَدْنَا الخُرُوجَ:"إِنِّي أَمَرْتُكُمْ أَنْ تُحْرِقُوا فُلاَنًا وَفُلاَنًا، وَإِنَّ النَّارَ لاَ يُعَذِّبُ بِهَا إِلَّا اللَّهُ، فَإِنْ وَجَدْتُمُوهُمَا فَاقْتُلُوهُمَا".


قال الحافظ في الفتح: قال المهلب : ليس هذا النهي على التحريم بل على سبيل التواضع. (فتح الباري (6/174). والحق أن كلام المهلب لا دليل عليه، لأنه صرف للمعنى الحقيقي لجملة" وَإِنَّ النَّارَ لاَ يُعَذِّبُ بِهَا إِلَّا اللَّهُ"، ولا دليل على ذلك.


ت‌- ما جاء في صحيح مسلم أنه صلى الله عليه وسلم قال:"إذا قتلتم فأحسنوا القتلة"، قال ابن رجب في (جامع العلوم والحكم): والإحسان في قتل ما يجوز قتله من الناس والدواب إزهاق نفسه على أسرع الوجوه وأسهلها وأرجاها زيادة في التعذيب فإنه إيلام لا حاجة إليه.... والمعني أحسنوا هيئة الذبح وهيئة القتل، وهذا يدل على وجوب الإسراع في إزهاق النفوس التي يباح إزهاقها على أسهل الوجوه.
وفي المسند عند أحمد أنه صلى الله عليه وسلم قال:"أعفُّ الناس قِتْلةً: أهلُ الإيمان" أي لا انتقام ولا تعذيب ولا مثلة.

الراجح:
والذي يترجح لي: أن التحريق غير جائز، لأن ما جاء من دليل للجواز، إما ضعيف لا يصح الاحتجاج به، أو عام مخصص بغيره، أو قول صحابي غير معصوم خالفه غيره، ويقابله قول المعصوم صلى الله عليه وسلم.

ثامنا: مراعاة فقه المآلات واجبة:
إن السياسة الشرعية تقتضي دائما أن يعمل الناس فقه الموازنات والمآلات، إذ ليس كل مشروع يتوجب فعله، بل قد يكون الأمر واجبا فعله لكنه يتركه لما يجره من تبعات، وما يصحبه من مآلات، ويكفينا هنا ما جاء في الصحيحين عن تركه صلى الله عليه وسلم لقتل المنافقين قائلا: "أخشى أن يتحدث الناس: أن محمدا يقتل أصحابه"، وما فعله ما يسمى بــــ (تنظيم الدولة الإسلامية –داعش) لم تجن منه الأمة الإسلامية سوى حقد وكره وبغض، وقد تلقفته وسائل الإعلام في الشرق والغرب وأخذت تدندن به صباح مساء، وتناسى الجميع الخزي والعار والدمار والشنار الذي قدمته الحضارة والغرب قديما وحديثا.

تاسعا: لكن حرقى المعارضين للأنظمة الجائرة لا بواكي لهم:
لقد شهد العالم في غضون الأشهر والأعوام الماضية مذابح ومجزار، لا يرقى حرق معاذ الكساسبة ليكون في فظاعتها، كمذابح المصريين في رابعة والنهضة وسيارة الترحيلات، ومذابح المسلمين في سوريا حرقا بالغاز والكيماوي، وقتل العزل في غزة مرارا وتكرارا، وإن ننسى فلن نننسى حرق المسلمين في بورما وأفريقيا الوسطى، ولم نسمع وقتها شجبا ولا تنديدا من قادة العرب ولا منظمات حقوق الإنسان، وإنما كان كلاما على استحياء لا يرقى لبشاعة ما كان من جرائم إنسانية تعاقب عليها كل قوانين الدنيا. لكن حرقى المسلمين المعارضين للأنظمة الجائرة لا بواكي لهم!!!

عاشرا: الخلاصة: وخلاصة ما سبق:
1. لم يكن للدول العربية والإسلامية لتقاتل ما يسمى بــــ (تنظيم الدولة الإسلامية –داعش)، ولا أن تنضوي تحت لواء أمريكا التي لا تقاتل إلا لمصالحها.
2. أن إجرام بشار الأسد والطغمة الشيعية في العراق يفوق كل بغي وجرم، حتى وغن كان حرقا لهذا الطيار.
3. أن ما قام به السيسي من حرق وتقتيل للآمنين العزل يفوق ما سبقه وما لحقه من جرائم في قرننا هذا.
4. أن ما قام به ما بــــ (تنظيم الدولة الإسلامية –داعش) لا يجوز من الناحية الشرعية، وبخاصة غن كانوا قد ظفروا بالقتيل وتمكنوا منه.
5. أن العنف لا يولد إلا عنفا، ولتنتظر الدول المشاركة الكثير والكثير من هذا النوع من العقاب.
والحمد لله رب العالمين.


اترك تعليق