التخطيط للهجرة بين الأسباب الأرضية والعناية الربانية

By : صلاح الدين سلطان


التخطيط هو توظيف كل الطاقات والإمكانات للوصول إلى أهداف محددة في زمن معين، وللتخطيط في الإسلام خصائص لا توجد في غيره، أهمها ما يلي:

1. زمان الخطة هوالمعاش والمعاد، وصولا إلى عمارة الدنيا والنعيم في الآخرة.


2. وجوب الأخذ بكل الأسباب الأرضية، واليقين في العناية الربانية.


3. الحفاظ على الثوابت والمبادئ والقيم الأخلاقية.


4. الجمع بين دقة الاتباع وجودة الإبداع، حيث تنطلق معالم التخطيط وأهدافه الكلية تنطلق من النصوص الشرعية والاجتهادات العقلية معا لإصلاح الوقائع اليومية، وللمصيب أجران في الاجتهاد، وللمخطئ أجر؛ مما يشجع على الإبداع، ويجمع بين الأصالة والمعاصرة.

ولا شك أن واقعنا في مصر خاصة وأمتنا العربية والإسلامية عامة أحوج ما تكون إلى فقه معالم التخطط الإسلامي في هذه المرحلة المفصلية، حيث يُصنع التاريخ من جديد، وقد اخترنا لقرائنا الكرام وأحبابنا في الله عز وجل من درس الهجرة منهجًا في التخطيط لإصلاح مستقبل مصرنا وأمتنا العربية والإسلامية، وتبدو معالم هذا التخطيط في نقطتين: الأخذ بكل الأسباب الأرضية المباحة شرعا، واليقين بالعناية الربانية حيث يقول سبحانه: (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَ?ئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (البقرة:157)، فمع الإيمان والعمل يحقق الإنسان - بإذن الله - الأمل، ويصل إلى الأفضل دائما، ومع الكفر يأتي الخلل والتراجع إلى الأسفل.

أولاً: التخطيط في الهجرة والأخذ بكل الأسباب وتوظيف الطاقات:

لقد بدا درس الهجرة معلما واضحا في هذه الهداية الربانية للرسول صلى الله عليه وسلم في التخطيط للهجرة والأخذ بكل الأسباب الأرضية، ولم يعتمد قط على أنه رسول الله ولن يضيعه فترك الأخذ بكل الأسباب، بل بدا التوظيف واضحا لكل الطاقات والإمكانات البشرية والمادية، ويبدو ذلك فيما يلي:


1- توظيف الطاقات البشرية باختيار أفضل الصحابة ليكون صاحبه في الهجرة.


2- توظيف الشباب حيث تم اختيار عبد الله بن أبي بكر ليتسمَّع الأخبار ويأتي بها إلي الرسول صلى الله عليه وسلم.


3- توظيف العمال مثل عامر بن فهيرة مولى أبي بكر، حيث كان يرعى غنما ويأخذها لإعفاء وإنهاء أثر المشاة لخدمة مشروع الهجرة.


4- توظيف النساء ومنهن أسماء بنت أبي بكر التي وظفت لحمل الطعام إلى الغار، كما حاور أم معبد وكان لها دور مهم في توفير الطعام.

 


5- توظيف الفرسان الشجعان حيث اختار عليا لشجاعته الفائقة أن يبيت مكانه لرد الأمانات.


6- توظيف غير المسلم لخبرته وأمانته، حيث استعان النبي صلى الله عليه وسلم بعبد الله بن أريقط الليثي الذي وصفته الروايات بأنه كان هاديا خريتا أي عارفاً بالطرق غير المعتادة.


7- توظيف عنصر الزمن: ذهب النبي صلى الله عليه وسلم في الهاجرة ـ حين يستريح الناس في بيوتهم ـ إلى أبي بكر رضي الله عنه ليبرم معه مراحل الهجرة، وخروجه للهجرة في عتمة الليل حين ساد الهدوء ونام عامة الناس، واستكن في غار ثور ثلاثة أيام؛ حتى يهدأ الطلب، وتقل الملاحقة في المنطقة.


8- توظيف عنصر المكان: حيث اختار النبي صلى الله عليه وسلم أن يخرج من خوخة في دار أبي بكر ليلًا حتى لحقا بغار ثَوْر في اتجاه اليمن‏.،‏ واتجه صلى الله عليه وسلم إلى غار ثور في جهة الجنوب من مكة، وليس في جهة الشمال حيث الطريق إلى يثرب؛ لصرف الأنظار، وتعمية الأبصار، وتظليل الكفار.


9- توظيف الدواب في اختيار راحلتين قويتين تعينان على السفر الطويل، كما تم توظيف الغنم في إخفاء الأثر وإخفاء معالم الحركة لرسول الله أو من يقوم بدور بالاتيان بالأخبار أو الطعام أو الهداية.


10- الاهتمام بالجانب الصحي حيث كان الطعام يأتي طازجا على يد أسماء بنت أبي بكر، ولما لدغت الحية أبا بكر تفِل عليها النبي صلى الله عليه وسلم فبرأت، ولما طلب شاةً من أم معبد غسل ضرع الشاة قبل حملها، ولما توجه إلى المدينة وكانت قد اشتهرت بالحمى دعا لها النبي صلى الله عليه وسلم.


11- توظيف القيم الأخلاقية الإسلامية: أبقى النبي صلى الله عليه وسلم عليًا لرد الأمانات وترك المشركين في حيرة بين ترديهم في المساوئ الأخلاقية وترقي النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في المكارم الأخلاقية .


هذه مجرد نماذج تدل على أعظم صور التخطيط السليم وعدم التواكل على أنه عبد الله ورسوله ولن يضيعه، ووظف الموارد البشرية والحيوانية والمكانية والزمانية والقيم الأخلاقية فماذا كانت النتيجة؟ هذا ما سأتناوله في العناية الربانية.

ثانيا: نجاح التخطيط بالعناية الربانية:

إن نجاح التخطيط يبدو من النتائج التي تتحقق في أرض الواقع لكن التخطيط الإسلامي يتعدى هذا البعد الأرضي المادي إلى الفوز في الدنيا والآخرة وإصلاح المعاش والمعاد كما قال سبحانه: (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) (البقرة: من الآية 201)، غير أن نتائج الإسلام تعتمد على الأرزاق التي يمنحها رب العباد لمن شاء، وهذا جزء من الإيمان بعنصره السادس ، وهو أن نؤمن بالقدر خيره وشره، وعليه فإن نتائج الأخذ بالأسباب جاءت كاملة من رب الأرباب في التخطيط للهجرة؛ حيث كان هناك النجاح الأكبر بالانتقال من الدعوة إلى الدولة، ومن العبادة إلى القيادة، ومن الجماعة المستضعفة بمكة إلى الدولة الراسخة بالمدينة، مع صور عديدة من العناية من أول الرحلة إلى آخرها، منها ما يلي:


1- خرج النبي صلى الله عليه وسلم من باب بيته الرئيسي مارًا بين أربعين من فرسان العرب وقد أجمعوا على قتله، وتفريق دمه في القبائل، لكن عناية الله أعمت أبصارهم.


2- إن إيثار أبا بكر وتحمله عن النبي صلى الله عليه وسلم ليسد الجحور حتى لا يلدغ النبي صلى الله عليه وسلم فلدغ هو،ـ فجعل الله تعالى في ريق النبي صلى الله عليه وسلم شفاء ناجعا من لدغة الحية.


3- لما استكن النبي وصاحبه في الغار واشتد المشركون في الطلب وتعقّبوا كل مكان يمكن أن يختبئ فيه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ووصلوا إلى باب الغار واشتد الأمر على أبي بكر، فعاجله النبي صلى الله عليه وسلم بأن عناية الله تحوطنا كما قال سبحانه: (لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا) (التوبة: من الآية40).


 4- أن يجري الله تعالى اللبن في شاة أم معبد ولم تكن شاة تُحلب فكانت العناية الربانية في إدارار اللبن منها.


5- لما أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بكل أسباب التخفي برحلته وتكفل شياطين الجن بإخبار قريش بشعر فعُرف مكانه وطريقه، فسبق إليه سراقة بن مالك على فرس جموح فساخت يدا الفرس في الأرض حتى بلغتا الركبتين فخر سراقة عنه ثم زجرها فنهضت فتكرر هذا الأمر والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: ارجع ولك سوارا كسرى.


6- لما ذهب النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وفيها من الأوبئة الكثير، ومن الثمر القليل دعا الله تبارك وتعالى للمدينة بضعفي ما بمكة من البركة المدينة وكانت فرحتهم بأن العناية الربانية أدركتهم عكس ما أشيع في مكة والمدينة بأن هذه أرض الحمى لن تحمل فيه النساء، وسيضعف فيها الرجال، وستهلكهم الأمراض فصارت يثرب "طيبة" أي طيبة الهواء والماء والغذاء والأخلاق.
هذا غيض من فيض أنهار العناية الربانية التي يكرم الله بها من يأخذون بالأسباب.

ثالثا: واقعنا العربي المعاصر بين الأسباب الأرضية والعناية الربانية:

لا يخالجنا أدنى شك أننا إذا أخذنا بأسباب التخطيط السليم الذي يوظف قطرة الماء وهي عندنا بفضل الله أنهار تجري في الأرض، وأمطار تنزل من السماء وشمس تشرق كل صباح تضاعف النماء، وأرض مليئة في أعماقها بالمعادن النفيسة كما قال تعالى: (وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاس) (الحديد: من الآية 25)، أنزله الله من السماء وأودعه في جوف الأرض وأودع البترول والغاز والخيرات الجمة التي تحتاج لتخطيط وإرادة وحسن توكل على الله تعالى، فأرضنا بفضل الله خصبة ومياهنا عذبة، ورجالنا ونساؤنا مبدعون عاملون مخلصون إذا توفرت لهم الحرية والكرامة والعزة والمكانة، وسوف نجد بإذن الله انطلاقة فتية وحركة سوية، نحو الاستثمار في الزراعة والصناعة والتجارة والبحث والتأليف والابتكار والابداع والاختراع مما نثق في وعد الله تبارك وتعالى الذي قال: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى? آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَ?كِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (الأعراف: 96) إنه ليس قطرات من البركات بل فتوحات من هذه البركات، وليست من الأرض دون السماء بل من السماء والأرض.

إنني أدعو كل مصري وعربي بل كل مسلم في أرض الله أن يتجه إلى إدراك طاقته الداخلية وموارده الخارجية التي من الله بها عليه، وأن يوظفها في مشروع صغير أو كبير حسب ما أنعم الله عليه لننتقل إلى ميدان العمل كما قال الإمام الشهيد حسن البنا: إن ميدان القول غير ميدان العمل، وإن ميدان العمل غير ميدان الجهاد، وإن ميدان الجهاد الحق غير ميدان جهاد الباطل، فلتبدأ المشاريع أفرادا ومجموعات، وسوف نسعى بكل جهدنا إلى تذليل كل العقبات أمام الشباب والفتيات والرجال والنساء المسلمين وغير المسلمين لنصنع في كل بلد سلاما اجتماعيا نؤدي فيه حقوق المواطنة الأربعة وهي للناس رعاية وللأرض عمارة، وللقانون طاعة، وللسلطة "الشرعية" معاونة، فيما لا يخالف شرعا ثم نثق تمام اليقين أن رب العالمين لن يخذلنا وهو سبحانه الذي وعد ولا مخلف لوعده، ومن أوفى بعهده من الله، حيث قال سبحانه مخاطبا المؤمنين في كل مكان وزمان: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى? لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَ?لِكَ فَأُولَ?ئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (النور: 55).

 (وَيَقُولُونَ مَتَى? هُوَ قُلْ عَسَى? أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا) (الإسراء: من الآية 51).

 (بوابة الشرق القطرية- الخميس 30 تشرين الأول/ أكتوبر 2014) 


اترك تعليق