العجز العربي

By : أ. د. يوسف القرضاوي

العجز العربي الذي نراه ونلمسه، فليس هو بالقدر الذي لا مهرب منه، إنما هو أمر طارئ لا بد أن يزول.

وأظهر أسباب هذا العجز هو التفرق، الذي أصاب دول العرب، منذ شرخ (كامب ديفيد) واتفاقيته التي أخرجت الشقيقة الكبرى: مصر، من المعركة المصيرية للأمة، وقد استغل في ذلك: تخلي العرب عن مصر، وعدم وقوفهم معها ومعاونتهم لها، وقد خاضت أربع حروب من أجل فلسطين كلفتها الكثير من المال والرجال.

وزاد هذا التفرق بعد (حرب الخليج) الثانية، التي مزقت العرب شر ممزق، وخسروا فيها تضامنهم ووحدة مواقفهم، كما خسروا أموالهم، حتى استدانت البلاد الغنية، بل خسر كثير منهم حرية إرادتهم واستقلال قرارهم، إلى حد احتلال أراضيهم. كان هذا كله بضربة واحدة ـ ضربة معلم كما يقال ـ وكان الرابح الواحد في ذلك هو إسرائيل، وأمريكا وحلفاؤها، الذين تخلصوا من أسلحتهم القديمة في أرضنا، وجربوا أسلحتهم الجديدة في شعوبنا، وهدموا ديارنا بفلوسنا، وبطلبنا، وخربوا بيوتنا بأيدينا، ليعودوا فيشيدوها من جديد بأموالنا أيضًا.

وقد انقسم العالم العربي في هذه القضية انقساما لم يحدث مثله في قضية أخرى، لما فيها من تداخل وتعقيد، فإن الذي يرفض التدخل الأجنبي كأنما يؤيد الاحتلال العراقي للكويت، والذي يقبل التدخل العسكري الأمريكي والغربي كأنما يؤيد تدمير العراق، ويساند الاحتلال الأجنبي للمنطقة!

وضاع الرأي الوسط الذي ينكر الاحتلال ويطالب بالجلاء، كما ينكر التدخل الأجنبي المكثف المسيطر، سواء بسواء. وهو ما نادت به مجموعات من أهل العلم والفكر من المصريين نشروا بيانهم على صفحات الأهرام وغيره (ضمن المقال الأسبوعي للكاتب الكبير الأستاذ فهمي هويدى).

المهم أن العالم العربي منذ ذلك اليوم المشؤوم قد تصدع بنيانه، ولم يجد من يرمّمه إلى اليوم، رغم مناداة كثير من العقلاء بوجوب تخطي هذه الأزمة، التي لا يجوز أن تحكمنا عقدتها أبد الدهر، وهو ما يفرضه الدين والقومية، والأخلاق والمصلحة المشتركة، بل ما يفرضه وجودنا ومصيرنا، إن أردنا أن يكون لنا وجود ومصير في هذا العالم، الذي لم يعد فيه مكان للكيانات  الصغيرة، ولا للكيانات المتفرقة والمبعثرة، ولهذا رأينا المتفرقين تاريخيا يتحدون ويتناسون الماضي ونزاعاته وثاراته، استجابة لنداء المصلحة المتبادلة، كما هو شأن الاتحاد الأوروبي.

ولكننا نرى اليوم بشائر لا يمكن تجاهلها، وهي وقوف العالم العربي كله ضد الولايات المتحدة التي تريد توجيه ضربة عسكرية للعراق، إن هذه الوقفة العربية ضد التألّه الأمريكي، يدلنا على أن هذه الأمة لن تموت.

الوهن الإسلامي :

وإذا كان العجز العربي عرضا لا يدوم، فكذلك الوهن الإسلامي، إنه أمر يعرض للأمم كما تعرض الأمراض للجسم الصحيح، لا يلبث أن يعالج منه ويشفى.

وكم أصابت هذه الأمة من آفات وأمراض، في أدوار من التاريخ، حسب أعداؤها أنها لن تبرأ منها، وأنها هي القاضية والقاتلة. ولكنها خرجت منها كما يخرج الذهب من النار، أشد صفاء، وأكثر لمعانا.

وحسبنا من ذلك: غزوات الصليبين من الغرب، وهجمات التتار من الشرق، في فترة ضعف من الأمة، وتفرق بين أقطارها، وغفلة من حكامها، حتى سقطت قلاعها أمامهم أول الأمر، وتحكموا في رقاب أهلها، وأقاموا لهم ممالك وامارات، وبقى (المسجد الأقصى) أسيرا في أيدي الصليبين (تسعين عاما) كاملة.

ثم هيأ الله رجالا لم يكونوا من جنس العرب، ولكن عرّبهم الإسلام، منهم التركي مثل عماد الدين زنكي، وابنه نور الدين محمود، والكردي مثل صلاح الدين الأيوبي، وغيرهم مثل سيف الدين قطز والظاهر بيبرس من قادة المماليك.

فعاد الصليبيون يجرون أذيال الخيبة، ودخل التتار في دين الله أفواجا.

وفي العصر الحديث احتل الاستعمار الغربي الزاحف ديار الإسلام، من إندونيسيا إلى المغرب، وحسب جنرالاته العسكريون، وزعماؤه السياسيون، ـ ومن ورائهم المبشرون والمستشرقون ـ أن هذه الديار قد دانت لهم إلى الأبد، حتى إن بعضها اعتبروها جزءا من أوطانهم كما في الجزائر. ثم ما لبث الإسلام الذي يدينون به أن أيقظهم من رقود، وحركهم من جمود، ونفخ فيهم من روحه، فكانت (معارك التحرير) في كل بلد، وكان للدين القدح المعلى في الإيقاظ والتحريك والتجنيد والتجميع، وآخر ملحمة مع الاستعمار كانت ملحمة ثورة التحرير الجزائرية من سنة 1954 حتى نالت استقلالها سنة 1961 .

لقد نبهنا الرسول المعلم على سبب الوهن الذي يصيب الأمة، وبين أنه سبب نفسي وأخلاقي، وذلك في الحديث الذي رواه أحمد وأبو داود عن ثوبان "يوشك أن تتداعى عليكم الأمم من كل أفق، كما تتداعى الأكله على قصعتها، قالوا: أمن قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن. قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت".

هذا هو سر الوهن وعلّتة: حب الدنيا وكراهية الموت. فإذا غيرت الأمة ما بنفسها، ولم تعد الدنيا أكبر همها ومبلغ علمها، ولم تعد تبالي: أوقعت على الموت أم وقع الموت عليها، هنالك يغير الله ما بها، ويبدل حالها من ضعف إلى قوة، ومن ذلة إلى عزة، ومن هزيمة إلى نصر وتمكين .

وأرى بشائر ذلك قد بدت وتجلت في هذه الصحوة الإسلامية المعاصرة التي جددت العقول بالمعرفة، والقلوب بالإيمان، وأثرت في شباب الأمة ـ ذكورا وإناثا ـ تأثيرًا يشبه تأثير الغيث في الأرض الهامدة، حتى إذا نزل عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج .

وقد بينا في دراسة سابقة لنا :

أن الأمة المسلمة تملك مقومات القوة والرقى والسيادة من: الثروة البشرية (مليار وثلث من البشر) والثروة المادية (من سهول وجبال ومعادن وبحار وأنهار...إلخ) والثروة الحضارية من خلال موقعها في ملتقى القارات، ومنبت الحضارات ومهبط الرسالات. في أرضها نبتت الحضارات الفرعونية والفينيقية والآشورية والبابلية والفارسية...) بالإضافة إلى الحضارة الإسلامية العربية. وفيها نشأت الرسالات السماوية الكبرى: اليهودية والمسيحية والإسلام.

هذا إلى الثروة الروحية الكبرى، التي تتميز بها دون الأمم، فهي وحدها التي تملك رسالة الشمول والتوازن والعمق، المتمثلة في رسالة الإسلام .

وقد بدأت بعض شعوب هذه الأمة وأقطارها في النهوض ومحاولة كسر حاجز التخلف الذي وضعت فيه الأمة زمنا طويلا، وإن مع اليوم غدًا، وإن غدًا لناظره قريب.

_______

- من كتاب "القدس قضية كل مسلم" للعلامة القرضاوي.


اترك تعليق