العلاج الشافي لأمراض الامة من صيدلية الإسلام

By : أ. د. علي القره داغي

أنزل الله تعالى هذا الكتاب العظيم، القرآن، مع بيانه السنة النبوية المشرفة ليكونا علاجاً لأمراض هذه الأمة، ولمشاكلها ومصائبها، وليجعلها خير أمة أخرجت للناس، وأمة الشهود والحضارة والقوة والنصرة والنصر مادامت هذه الأمة ملتزمة بهذا الكتاب وبسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم.

واليوم في ظل كل هذه الأمراض المستعصية، وكل هذه المصائب والمشاكل المزمنة، لو عرضنا هذه المشاكل على صيدلة الإسلام لوجدنا فيها الدواء الناجح والعلاج الشافي بدون ريب أو شك، لأن هذا الدواء قد جُرّب لأكثر من مرة، فكانت النتيجة الخروج بهذه الأمة من الفرقة إلى الوحدة، ومن الذل إلى العزة، ومن الإحباط إلى التفائل، و إلى بناء الحضارة والقوة، كما يشهد بذلك تأريخنا الإسلامي.

ولو عرضنا اليوم على سبيل المثال هذه المشاكل والمصائب فوالله لنجدها تعود إلى آيتين عظيمتين، وربما إلى آية واحدة منهما في سورة الأنفال، حينما يبين الله سبحانه وتعالى ذلك فيقول (والذين كفروا بعضهم أولياء بعض) وهنا بيّن القرآن الكريم عمومية هذا الكفر لملة الكفر، والكفر أعم من أهل الكتاب ومن الشرك، يشمل كل مَنْ لا يؤمن بالله وبمحمد صلى الله عليه وسلم وإن كان مؤمناً ببقية الكتب، فالكافر بنبي واحد كافر، فما بالك بخاتم الرسل صلى الله عليهم جميعاً.

والذين كفروا، بهذا الإطلاق، بعضهم أولياء بعض، والأولياء من الولاية، والولاية: هي ولاية النصرة والطاعة والإخلاص والقربة وولاية الملك، كما وردت هذه المعاني في اللغة العربية في معنى الأولياء،  هؤلاء بينهم هذا التواصل والتناصر وبينهم المحبة والتخطيط والاستراتيجيات المشتركة، فيقول رب العالمين ( يا أيها الذين آمنوا) فيا أتباع محمد صلى الله عليه وسلم، ويا خير أمة أخرجت للناس ووصلتم إلى هذه المرحلة الرديئة في كل المجالات ( إلا تفعلوا ) إذا لم تفعلوا هذه الولاية بينكم و تكونون أولياء بعضكم ولاية النصرة والطاعة وكل ما تعني هذه الكلمة (إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير)، والجواب بدون فاء،  تكون فتنة، والفتنة كلمة شاملة، وأظهر معانيها: ابتلاء المؤمنين في دينهم ثم ابتلاء المؤمنين في أعمالهم وجميع تصرفاتهم، فإذا لم يقم المسلميو بذلك فيما بينهم فالله سبحانه وتعالى قضى- ولا يمكن أن يخلف قضاءه ووعده – أن تكون فتنة في الأرض وفساد كبير.

 والفتنة هنا تخص المسلمين في دينهم وعقائدهم وفي ديارهم وفي أعراضهم وإخراجهم من الديار وفي كل ما تعاني منه هذه الأمة من الفرقة والمشاكل الداخلية، فكل ذلك بسبب عدم وجود هذه الولاية. ثم بعد ذلك فساد كبير أي للأمة كذلك لبقية الأمم، لأن هؤلاء الكفرة ليسوا عدولاً، وليس لديهم ميزان حق، وليس لديهم صراط مستقيم، ومن هنا يسيرون ويمشون حسب مصالحهم ولديهم الاستراتيجية في القرارات  والأحكام وفي كل شيء،  و يسود العالم الفساد الكبير إذالم نتحمل مسؤوليتنا، مسؤولية ما حدث لنا ومسؤولية ما حدث للعالم أجمع، بسبب طغيان الكفر والاستعمار والاستبداد على جميع العالم، ما عدا هؤلاء الذين استفادوا من هذه الأمور ومن هذه الولاية.

هذه النتيجة الخطيرة التي لا تحتاج إلى الشرح، لأن الآية واضحة جداً وهذه النتيجة الخطيرة مترتبة على عدم ولاية بعضنا لبعض، فما ظنكم إذا تجاوز المسلمون ذلك وبدل أن تكون ولاية بعضهم لبعض كانت ولايتهم لغير المسلمين وأعداء الإسلام والمسلمين، ولمن يريد أن يخرب ديارنا وأن يأخذ ثرواتنا وأن يسيطر علينا !

القرآن الكريم لم يتحدث عن ذلك لأنه يتحدث عن المؤمنين، ولا يجوز لمؤمن أبداً أن يتولى وأن يعطي ولايته لغير المسلمين، فالله سبحانه وتعالى يقول ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم) هذه ولاية النصرة، وبعض الإخوة ضيعوا هذه الكلمات الجميلة حينما شددوا فيها بمسألة البر والإحسان وكذلك بسمة الوجه والاحترام، وما فرّقوا بين العدو المتربص وبين هؤلاء الذين يعيشون في ديارنا، أو الذين يعيشون في الغرب دون أن يؤذوا المسلمين، هناك فرق كبير، فالكلام لمن يريد ويخطط لمحاربتنا، والكلام في ولاية النصرة وليس على ولاية الدعوة والسلام أو التحية، فضيعوا هذه المعاني العظيمة على هذه الأشياء الجزئية، وتشبث الناس كعادتهم بالجزئيات وتركوا الكليات العظيمة التي لا مجال فيها للاجتهاد وأنها صريحة وواضحة لا ريب فيها ولا تحتاج هذه المسائل إلى كثير من الفهم بل إن كل إنسان يفهم اللغة العربية يفهمها ( ومن يتولهم منكم فإنه منهم) فالكلام ليس على الفرد وإنما للجميع وما يريدون، أن تتولى وأن تنصر هؤلاء،  وتأتي بهم وتفسح لهم المجال ليضربوا المسلمين أو غيرهم.

وبين الله في آية أخرى (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ) (وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ) فحزب الله هم هؤلاء الذين لهم ولاية حقة لله ولرسوله  ولجميع المؤمنين وليس حزب الله الذي يحارب ويقتل المسلمين ويقف مع الظلمة في سبيل المصالح الطائفية أو غير ذلك.

ولا يجوز أن نفصل بين ولاية الله وولاية المؤمنين، وكثير من الناس يركزون على هذا الجانب الأساسي وهو ولاية الله، ويتركون هذه الولاية أي ولاية المؤمنين، ويفرقون الجمع بين المسلمين باجتهادات فقهية أو عقدية، فهؤلاء خرجوا عما يريده الله سبحانه وتعالى، وحادوا عن هذا الصراط الذي يجمع ولا يفرق.

 لذلك أيها الإخوة الأحبة: القضية واضحة والعلاج واضح والمرض واضح والقرآن بينه في نزوله قبل 1400 سنة من حيث النزول والآن مشكلتنا في هذه الأمور.

ويقول الله بعد هذه الآية في سورة الأنفال في صفات المؤمنين (  وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) فالمؤمن الحق تكون ولايته لله ولرسوله  ثم يجاهد ويبذل الجهد في سبيل الله ثم في سبيل المؤمنين أو الناس وينصرهم ويبذل ويضحي ويجاهد بماله ونفسه ويؤوي الناس وينصرهم، هؤلاء هم المؤمن حقاً، أما المدّعون للولاء والبراء الذين فشلوا في قضايا العقيدة تماماً عندما حان وقتها هؤلاء لا قيمة لكلامهم وإذا لم يكن هذا الكلام مؤثراً في النفوس ( يا أيها الذين آمنوا لِمَ تقولون ما لا تفعلون، كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون) .

حينما استعرضت لكم اليوم بعض هذه الآيات وقارنتم أوضاعنا التي تعتبر أسوأ أوضاع على مر التاريخ الإسلامي بحسب كلام المؤرخين، وبدأت القضية ببعض حكامنا وفي معظم مشايخنا الذين تبنوا ظاهرية حرفية ولم يتبنوا مقاصد الشريعة وحقيقة الشريعة ومقاصدها الأساسية في الولاء، وحينئذ ساهموا وساندوا الأعداء وضربوا أصحاب المشروعات الإسلامية، ضربوهم ضرباً موجعاً وقتلوهم وتآمروا عليهم، ودفعوا عليهم الأموال وشاركوا ووزعوا الأدوار منهم بالأموال والتخطيط والمؤامرة ومنهم بالقتل والفعل كما يحدث في مصر وفي اليمن وفي ليبيا وسوريا وكل ذلك نتيجة مؤامرات بأموال المسلمين ونصرة المسلمين وولاء المسلمين لهؤلاء الأعداء.

 والنتيجة الطبيعية لذلك أن يؤدبنا الله فالمصائب وسيلة تأديب لنا حتى نعود إلى الحق، و لن يأتي رسول بعدالرسول  حتى يعلمنا والقرآن خالد وكامل فحينما تضل الأمة مثل هذه الضلالة ولاسيما في مسائل الولاء لله وللمؤمنين، وتوالي وتناصر غير المؤمنين من الذين يتآمرون ضد الإسلام والمسلمين تكون النتيجة هذه الفتنة. والنتيجة في هذه المسألة لا تخص فئة معينة وهذه هي الإشكالية الكبرى فحينما تسكت الأمة ولا تصلح ولا تمنع هؤلاء أو ليس لها قدرة على منع هؤلاء، فسنة الله الثانية التي تقول ( واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة) واعلموا أيضاً أن نتائج هذه الفعلة تعود عليهم مرة أخرى ثم تكون هناك موجة خطيرة جداً تأخذ الأخضر واليابس ثم تعود الفئة المؤمنة إلى الله بتضرع ويشتد عودها وتتقي وتعمل وتتعلم الدرس الذي لا يمكن أن تنساه من خلال هذه المصائب وأرجو أن لا يكون ذلك بعيداً.

أما والأمة بهذه الحالة وأموال المسلمين تصرف بهذا الشكل والناس ساكتون حتى الإدانة لم نجدها من المشايخ الذين يقولون أن الحوثيون عقيدتهم باطلة فلماذا لا تقولون اليوم؟ ولماذا لا تضغطون؟ فاليوم الحوثيون على مقربة من حدود جميع دول الخليج فأين قولهم الحق؟ وأين تحذيرهم؟ وأين بياناتهم بالحكمة والموعظة الحسنة؟ وليس بأمر آخر؛ لأن وظيفة العلماء هو الدعوة إلى الله بالحكمة ولكن مع قول الحق (الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا).

من نتائج الولاء لغير الله ولغير المسلمين اعتماد الطغاة على قوتهم وعلى جبروتهم وعلى تنفيذ مخططات الأعداء وحينئذ يكثر الظلم لأنه لا تهمها الشعوب ولم تعد أصوات الشعوب مهمة رغم أن رضى الناس في نظر الشريعة مطلوب، فسيدنا إبراهيم  وهو قدوتنا قال في دعائه الذي سجله القرآن الكريم لنا (واجعل لي لسان صدق في الآخرين ) والمعنى يا رب اجعل لي ذكراً حسناً بين الناس الذين يأتون بعدي، فذِكْر الناس ورضى الناس ومحبة الناس من علامة الخير، ولا سيما بين الحكام وبين المحكومين، فإذا أراد الله بحاكم خيراً حببه إلى شعبه واختار له بطانة صالحة، وإذا أراد به غير ذلك ترك له المجال وأجرى عليه سنته في الذين خلوا من قبله، ووكله إلى نفسه.

ما وصل إليه الغرب من احترام أصوات الناس بشكل أخلاقي وقيم دينية أصل شرعي مفصل في ديننا بأفضل وأكبر مما لدى هؤلاء.

لذلك يجب على المؤمن أن يسعى إلى إرضاء أخيه ويجب أن يسعى لإرضاء الموظفين الذين تحت إمرته ويجب على الموظفين أيضاً أن يبحثوا وأن يسعوا إلى إرضاء مديرهم بالحق، وإلا فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

وما يحدث في العالم الإسلامي هو جزء من هذه المشكلة والمصائب الكبيرة التي ظهرت بدأت بالمظالم في العراق والصومال ومصر وما من دولة حكمت فيها الطواغيت والدكتاتوريون إلا وتركوها متفرقة ممزقة، و هؤلاء يريدون كما يقول الشاعر العربي: إذا مت ظمأن فلا نزل القطر.

وفي اليمن يتآمر الرئيس السابق بعدحكمه 30 سنة مع حصانة على هذا الشعب المسكين ونصف الشعب يعيش تحت خط الفقر ولكن هذه هي طبيعة الظالم المستبد{ ما أريكم إلا ما أرى }.

وفي بنغلاديش بدأوا بالإسلاميين والمسلمين قبل الربيع العربي فجماعة إسلامية معتدلة خدمت البلد وشاركت في الحكم وبينهم حكام ووزراء وغير ذلك، وإذا بهم تأتي الأوامر للحزب العوامي ورئيسة الوزراء بالقبض على هذه الجماعة قبل سنتين وتضرب في الميادين وقتلوا بالآلاف.

اعتقد بدأ الحرب على الإسلام حينما أعلن بوش الابن بأن هذه الحرب المقدسة بعد أحداث سبتمبر ، و لا أشك أن فيه أيادي الصهاينة فبدأوا في بنغلادش بضرب الجماعة وقتلوا منهم وسجنوا كثيراً، وكان من أكبرهم عمراً الأستاذ غلام أظم وهو مفسر ومفكر وعالم وعمره حين قبض عليه 89 سنة، فحكموا عليه بالإعدام ثم بالرحمة حكموا عليه 90 سنة وكان عمره 90 سنة.

خدم الإسلام وسجن في سبيل الدين بتهمة مشاركته في الدعوة إلى توحيد باكستان الغربية والشرقية في عام 1972 فحكم بتسعين سنة،وتوفي بالأمس، ندعو الله أن يرحمه  وأن يدخله الفردوس الأعلى وأن ينصر المظلومين في كل مكان.


اترك تعليق