خطورة الشائعات وطرق مواجهتها

By : عامر البو سلامة

تواجه الأمة عامة، والحركة الإسلامية خاصة، هجمة شرسة، يقودها تلامذة الشر، وأحلاس الرذيلة، من أجل إقعاد الأمة، ودفع الحركة الإسلامية، إلى زوايا الإهمال، ومحاصرتها من جهاتها كلها، حتى لا تقوم بدورها الحضاري، ولا تؤدي الواجب المنوط بها، تجاه دينها ووطنها وأمتها.

إنهم يريدون لها عرقلة مسيرتها، بسبب خوف موهوم، يبثونه في صفوف الناس، يساعدهم في هذه المهمة، ما يملكون من أدوات التأثير، وفي مقدمة ذلك تلك الآلة الإعلامية المذهلة، التي تعمل ليل نهار، من خلال فضائيات تتبع هذه الجهات، إلى صحف يومية ومجلات، ومراكز بحثية، إضافة إلى شراء الذمم، واستئجار الأقلام الرخيصة، ومن يتزيون بزي المخادعة، من علماء اللسان، الذين لا هم لهم سوى لعاعات الدنيا، ويلهثون وراء عرضها الزائل.

ومن وسائلهم في هذه الحرب الضروس، صناعة الشائعات ونشرها، وخلط الأوراق، واختلاق الأكاذيب، وبث المفتريات، على الجماعات الإسلامية، وبالذات منها تلك التي تحمل الفكر الوسطي، وتؤمن بالحراك المجتمعي السلمي، يصفونها بأوصاف غريبة، ويسمونها – أحياناً – "القوة الناعمة"، تشويهاً في تاريخها، وطعناً في رموزها، وتشكيكاً في عقيدتها وفكرها، وطمساً لمعالم الخير فيها، ولياً لأعناق الحقائق في وقائع تخصها، وقراءة للأحداث على ما تهواه أنفسهم، بما يخدم الغرض الذي لأجله يصنعون هذه الحرب.

* فما الإشاعة؟

عرفت بمجموعة من التعريفات، منها: الإشاعة هي الترويج لخبر مختلق، لا أساس له من الصحة، أو المبالغة أو التهويل أو التشويه في سرد خبر في جانب ضئيل من الحقيقة، أو إضافة معلومة كاذبة أو مشوهة لخبر معظمه صحيح، أو تفسير خبر صحيح والتعليق عليه بأسلوب مغاير للواقع والحقيقة، وذلك بهدف التأثير النفسي في الرأي العام المحلي أو الإقليمي أو العالمي أو النوعي، تحقيقاً لأهداف سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو عسكرية على نطاق دولة واحدة، أو عدة دول أو النطاق العالمي بأجمعه( ).

* ومن خلال هذا التعريف، نخرج بما يأتي:

1. الإشاعة ليست أمراً عبثياً ارتجالياً، يكون انسيابياً كأنه أمر فطري، بل إن الإشاعة أمر مدروس، ووراءه مدبر، أو مدبرون، قد يكون على مستوى فردي أو جماعي، عام أو مؤسسي.

2. وجود من يتابعها ويعمل على تناقلها بين الشرائح المطلوبة، من الطبقة البشرية التي يبتغى توصيل هذه الشائعة في صفوفها، لذلك حتى لو هدأت فإنه يجري تحريكها، ونفخ روح الحركة فيها، لأنه بهذا يتحقق الهدف الذي يراد لها.

3. إن لكل شائعة هدفاً ما، يراد له أن يتحقق، وهذا الأمر بطبيعة الحال يختلف من حال إلى حال، ومن واقعة إلى أخرى.. وهذا بدوره يؤكد النقطة الأولى، ألا وهي التخطيط والتدبير.

4. الشائعة سلاح حربي معروف، وهو قديم حديث، وهذا السلاح ليس سلاحاً حديدياً، أو نارياً، ولكنه في الواقع ربما يكون أخطر من السلاح الحديدي أو الناري؛ لأنه يعمل على التدمير المهول لكن بطريقة هادئة تسللية، سلاح لا تستطيع أن تحدد انطلاق شرره وناره، ولا أن تعرف موقع تخطيطه لأنه يعمل في الخفاء.

5. من هنا ندرك أن الشائعة أمر خطير، وخطير جداً لجملة من الأسباب سقناها في جزئيات بحثنا للمسألة آنفاً، وواقعنا المعاصر يشهد لمثل هذه الحقيقة.

6. وما ذاك إلا لأن: "الهزيمة حالة عقلية، وإن المعركة التي يهزم فيها الإنسان هي المعركة التي يعترف لنفسه فيها بالهزيمة، وبذلك يتحول إصراره على المقاومة إلى الخضوع واليأس والتسليم بالهزيمة، لأن من مهام الشائعات تهيئة الخصم للقبول بالهزيمة من خلال إطلاق الإشاعات التي تقضي على روحه المعنوية، حتى يصل لدرجة تجعله يعتقد أن الحرب أنكى من الهزيمة، والتاريخ يزخر بكثير من الشائعات التي غيرت مجرى الأمم، وأقامت الحروب، وشتت الجماعات"( ).

7. والشائعات تعتبر من أهم الأسلحة في أوقات الحروب بصفة خاصة؛ لأنها تثير عواطف الجماهير وتعمل على بلبلة الأفكار، ولها أهم دور في الدعاية السوداء، أما إذا استخدمت بغير قصد فتسمى ثرثرة أو دردشة، ويمكن أن تتضمن الشائعات بعض القصص أو النكت، وهي كثيراً ما تتغير وتتبدل أثناء تداولها، فقد يطلق رجل الدعاية شائعة من الشائعات فتصل إليه محرفة بعد وقت معين.

* أما عن السؤال الملح: كيف نواجه الشائعات؟

يمكن مواجهتا بما يأتي:

- تعميق الإيمان بالله تعالى، ومراقبته، والخوف منه، مع ربط ذلك بمسؤولية الكلمة، وخطورة تداول الحديث ونقله، فضعف التربية الإيمانية، مدخل شياطين الإنس والجن، في هذا الباب، فمن خاف الله تثبت، ومن خاف الله تحرى، "وكفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع".

- فقه الواقع: ومعرفة لوازمه، ومعرفة قواعد الحذر، ومعالم أخذ الحيطة، فالأمر جد خطير، والعدو يريد استئصال شأفتك، ويزيلك من خريطة الحياة، فنقابل الخطة بالخطة والوسيلة بالوسيلة، بأحدث ما توصل له العقل البشري، في كل المسائل، وكما يقولون عندنا في المثل العامي: "الدروشة مصيبة"، وعبر عن هذا بعض السابقين بقوله:

- "أصابته غفلة الصالحين"، والصالحون يجب أن يكونوا أفطن الناس وأعلمهم بمثل هذه المسائل، و"المؤمن كيس فطن"، و"لست بالخب ولا الخب يخدعني".

- الصبر والأناة : مواجهة الشائعات والحرب النفسية، تحتاج إلى صبر وأناة، وتريث وهدوء، لأن العدو يريد لك أن تفلت أعصابك، وتقع في التخبط والغلط، وكما قلنا: الدعاية فن يدرس، عليك أن تقابله بمتانة أعصاب، وقوة إرادة، أما الغضب فلا يثمر خيراً، ولا يأتي بفائدة.. وربما قال المفترى عليه: تريدني أتعامل مع الحدث بروية وأناة، وقد قالوا عني ما قالوا؟ نعم ينبغي أن تقابل هذا بالصبر والأناة والحلم، وتفوت الفرصة، على من افترى عليك، حتى لا يوقعك في فخ الغباء والعشوائية، فيكسب الرهان، وتخسر المعركة.. ومن باب تقريب الصورة، وليس في معرض الحديث عن التفاصيل، نسوق حديث النبي – صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم - عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رجلاً قال :يا رسـول الله، إن لي قرابة أصلهـم ويقطعونني، وأحسن إليهم ويسيؤون إليّ، وأحلم عليهم

ويجهلون عليّ، فقال صلى الله عليه وسلم: "إن كنت كما قلت، فكأنما تُسِفهّم المَلّ ولا يزال معك

من الله ظهير عليهم، ما دمت على ذلك" (رواه مسلم).

- الحكمة: عليك أن ترصد الموقف بدقة، وتتمتع بحكمة بالغة، وفي مثل هذه المعارك، غياب الحكمة غالباً يكون في صالح العدو.

- الثبات: أما هذه الشائعات، والحرب النفسية، فلا انكسار، ولا هزيمة، بل على المرء المسلم أن يشعر، إزاء مثل هذه المصائب، بالقوة المعنوية، ويشيعها بين الناس.

- الأخذ بالأسباب الناجعة، في معالجة الموقف، من خلال خطة مرسومة، وأدوات متطورة، ولكل زمان وسائله وأدواته، فالصبر والحكمة، لا يعنيان الصمت والسكوت وعدم المواجهة، فهذا خلل كبير، إن حدث، من هنا نجد كيف أن القرآن فند ادعاءات المشركين، ورد على شبهات المبطلين، وهكذا، ونضرب لهذا مثلاً، في زمن النبوة.

أن عبد الله بن رواحة كان يلقي شعراً في هجاء الأعداء في المسجد.. فاستنكر منه ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه قائلاً: بين يدي رسول الله وفي حرم الله تقول الشعر؟! فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: "خلِّ عنه يا عمر.. فلهي - يعني القصيدة - أسرع فيهم من نضح النبل"، وفي رواية: "خلِّ عنه يا عمر.. فوالذي نفسي بيده لكلامه أشد عليهم من وقع النبل" (رواه الترمذي والنسائي).

ومن المواجهة، تفنيد الشبهات، وكشف المفتريات.

- التربية الوقائية: وحسن تقدير الموقف، في الأشخاص والأحداث، فدرهم وقاية، خير من قنطار علاج، ولقد كان الإمام حسن البنا – رحمه الله – بارعاً في هذا المجال، وهو جزء من استشراف المستقبل.

- الحذر كل الحذر، من الدخول في معارك، لا نفع منها، وذلك من خلال ترتيب الأولويات، بشكل مدروس، وتنظيم جدول التصدي بصورة دقيقة، فكثير من الشائعات، ينبغي ألا نلتفت لها، ولا تشغلنا عن مهامنا، وبعض الأشخاص يروق له أن ترد عليه، حتى يشتهر، وفي بعض الأحيان، الأخذ والرد، هو السبب في نشر القضية، فالأمر دقيق وحساس، ولا بد من فهمه الدقيق، في التعاطي معه.

- العناية كثيراً بالصنف الذي ذكروا بقول الله تعالى: (وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ) (التوبة:47)، هذا الصنف هو مدخل الشر، ونافذة السوء، حيث يسيرون وراء كل ناعق، ويركضون وراء كل صيحة، فلا يفهمون معنى التثبت، ويلوكون الشائعات، ومن خلال عملهم هذا يخدمون العدو، حتى شاع عن بعض الناس هذا، أنه إذا أردت أن تنشر قضية، أسمعها لفلان، وهذا الصنف الفضولي، غالباً ما يمتلك من الأساليب، ومهارة النقل، الشيء العجيب، لكن بلا تثبت، ولا دراية، فهو كحاطب ليل، هؤلاء يحتاجون إلى توعية وتدريب وتربية.

الهامشان:

(1) الرأي العام والحرب النفسية، التهامي، ص 114.

(2) الحروب النفسية، صلاح نصر، ص 101.


اترك تعليق